لقد كان الماء ولا يزال وسيبقى محركا أساسا لا غنى عنه لصيرورة الحياة ومصدر استمراريتها، وقد مثل الماء العامل الأول والأساسي لإنشاء المدن وتكوين القرى سواء على ضفاف المياه العذبة كالأنهار والآبار والعيون والبحيرات، أو على ضفاف الماء المالح (البحر). فالماء يوفر الغذاء الزراعي والصيد البري والبحري، وفوق المياه تنقل المراكب المنتوجات الصناعية أو الفلاحية.
انطلاقا من هذه القاعدة، لم تكن مدينة فاس استثناء في إنشائها عن بقية المدن، فوق أنها أسست على ضفة نهر، لعب الماء في حياة المدينة دورا أساسيا، وهو ما خلدت أهميته أسماء العديد من أحيائها ودروبها وأزقتها، علامة على ما كانت تتوفر عليه المدينة من فيض في هذا العنصر الحيوي وعلى تنوع مصادرها المائية. فنجد مثلا حي العيون، عين الخيل، عين علو، عين زليطن، زقاق الماء، درب عين الناس، دار العين، عين سيدي بونافع، صهريج كناوة، عين نقبي، عوينة الحجاج، وأماكن خارجها لكنها ذات انتماء مباشر بالمدينة كراس الماء، عين الله، أو عين الشفا، وحامتي استحمام النقاهة الصيفية والشتوية مولاي يعقوب وسيدي حرازم.
ونظرا لكثرة هذه المياه، فقد أشاد بوفرة ماء فاس، إلى درجة جعلته يقارن بينها وبين العواصم والمدن الغربية، روجي لوتورنو في كتابه “فاس ما قبل الحماية” وهو يكتب: “فلا بد من الإشارة-كما فعل كوسطو-إلى أن فاس تكاد تكون بالتأكيد أغنى مدينة في العالم ماء”، لأن كل واحد من السكان يصل إلى أن يكون له 3.000 لتر في الثانية، بينما يبلغ القدر الممنوح لكل واحد من سكان المدن المحظوظة بكيفية خاصة، مثل روما ومرسيليا، 1.000 لتر في الثانية، ولا يتعدى 150 إلى 250 لترا في الثانية في المدن الكبرى كلندن، أو باريس أو فيلاديلفي”.
لقد ترجم هذا الإعجاب والافتتان بحركة الماء في المدينة، التي تتوقف عليها العديد من الحرف المحورية في الحياة العامة، الرحوية (مطاحن الحبوب)، اللباطة (عزل الأصواف عن الجلود) الدباغة والحمامات، والمساجد ودور الوضوء (الميضات)، ترجم في غزليات تغنى بها الشعراء في حقب تاريخية متعددة، منها قصيدة الفقيه القاضي أبي عبد الله المغيسي التي مطلعها:
يا فاس حيا الله أرضك من ثرى..وسقاك من صوب الغمــام المسبل
فقال في الماء:
غرف على غرف ويجري تحتها..ماء ألذ من الرحيق السلسل
وبساتين من سندس قد زخرفت..بجداول كالأيم أو كالمقصل
لقد كان للماء حضوره الهام في الحياة اليومية لساكنة فاس، تفشي ضرورته الحيوية علنا كثرة السقايات، التي تشكل عضوا من الأعضاء الضرورية التي يقوم عليها تأسيس كل تجمع سكني “الحومة”، كوحدة متلاحمة تكمل بعضها البعض: المسجد، الحمّام، الفران و”المسيد” (المدرسة الابتدائية)، كما لا يخلو حي ولا سوق تجاري من سقاية. وخاصة الأسواق الرئيسية مثل القيسارية، سوق السلهام، سوق الحايك، سوق الحنة، سوق الصاغة، وغيرها.
البناية المشتركة
لقد شكلت السقايات عضوا متميزا وضروريا وجماليا في الهندسة المغربية، وهي الظاهرة الوحيدة التي تشترك فيها العمارة الخاصة والعامة، حيث نلاقيها في الدور العتيقة وفي الشارع. فنجد السقاية في الدور التقليدية، حتى وإن توفرت فيها نافورات وسط بهو الدور، مثلما نجدها في الأحياء والشوارع والأزقة والأسواق. وهي في الغالب ما تكون ملحقة بالمساجد والأضرحة والأسواق التجارية، وقليلا ما نجدها منفردة دون هذه المؤسسات الدينية أو التجارية. كما أنها مثلت خارج البيوت علامة على العمل الخيري، وبعضها بقي يحمل أسماء منشئيها حتى اليوم، وبعضها الآخر بقيت أسماء منشئيها خفية. فقد كان المحسنون يتنافسون في بناء السقايات لوجه الله وحتى تكون مياهها خدمة للعامة ولكل عابر سبيل. ومن هنا جاء اسمها الثاني “السبالة” الدالة على عمل الخير وفي سبيل الله.
هذا التنافس في بناء السقايات مرجعه الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره عن حادثة الصحابي سعد بن عبادة، حين توفت أمه. قال: “يا رسول الله، أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم، قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء” .
فحتى اليوم لا تزال هناك سقايات تحمل أسماء منشئيها مثل سقاية بن حيون في حي المخفية، وقد كان رجلا محسنا لا يزال أيضا درب قبالة جامع القرويين يحمل اسمه، وكان قد بنى فيه حماما مجانا خاصا بطلبة وأساتذة القرويين، كما خصص جزءا كبيرا من ماله لفك الأسرى ودعم الفقراء في فترات الأزمات المعيشية. أو سقاية للالة يدونة قرب واد بين المدن التي أنشأتها امرأة صالحة وجعلتها للعموم. أو التي أنشاها عبد الخالق عديل بساحة النجارين غير أنها اشتهرت باسم سوق النجارة أو سقاية المحسن الدمناتي، التي أصبح الحي كله يسمى باسمها. كما نجد عند كل بوابات فاس المدينة سقاية يشرب منها الإنسان وتورّد البهائم قبل انطلاقها إلى خارج المدينة.
فمدينة فاس القديمة بعدوتيها الأندلس والقرويين تضم ما يفوق مائة سقاية، وهي غالبيتها ذات جمال هندسي مغربي. وهذه السقايات هي نافورات ملتصقة بالحائط على شكل مستطيل جداري بقوس يزخرفه الزليج وله حوض سطحه في الغالب لوحة رخامية يمتلئ بالماء المنساب من حنفية أو أكثر من واحدة مصنوعة من النحاس الأصفر أو الأحمر تتوسط جدار السقاية، وبسقف خشبي بمنمقات كواقية من المطر والشمس وبنقوش رائعة على الجبس.
وكل هذه السقايات تستند إلى جدار، إلا من بعض الاستثناءات القليلة مثل سقاية سوق الصاغة أو السقاية التي كانت في وسط ساحة البطحاء. فعلى هذا الطراز من الجمال نجد الكثير من سقايات فاس مثل سقاية النجارين أو سقاية باب العجيسة أو سقاية الحسنية بالطالعة الصغرى أو أكثر من سقاية بالطاعة الكبيرة وسقاية درب اللمطي بعدوة الأندلس، وغيرها.
لقد مثلت السقايات مصدرا مائيا للإنسان وللدواب، غير أن منها من سُيج بشبابيك لمنع الدواب. لقد وصل احترام هذه السقايات على الاعتقاد بقدسية مائها؛ فقد أنيطت بها كرامات مثل سقاية النجارين التي تنوب بمائها المبارك عن قدسية ماء مولاي ادريس. وقوة شفاء سقاية باب الوفاء أو سقاية بوطويل عدوة القرويين.
السقاية كظاهرة حضارية
لقد عرفت السقايات فترة ازدهار بنائها وانتشارها الكبير، ليس في فاس وحدها، بل في مدن المغرب بأعداد متفاوتة، وإن كانت فاس قد احتوت النصيب الأوفر من هذه السقايات في عهد الدولة المرينية، من حيث إنها كانت عاصمة هذه الدولة.
فقد كانت انطلاقة انتشار السقايات العمومية في المدن المغربية على يد أبي الحسن المريني (فترة الحكم 1331–1348 م) من أجل توفير حاجة الناس من الماء الصالح للشرب وأيضا لتوريد الدواب التي هي وسيلة نقل وتنقل داخل وخارج المدن. وقد ذكر الخطيب بن مرزوق التلمساني (1302-1380م) في كتاب “المسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن”: “فإن أكثر السقايات المعدة للاستسقاء وسقي الدواب بفاس وبلاد المغرب معظمها من بناء السلطان أبي الحسن رحمه الله، وكذلك أكثر الميضات (المراحيض) وكان له في ذلك شدة حرص رغبة في ثوابه، فالمواضع التي بفاس لا تحصى”.
ولم يكن في مقدور المدينة أن تشهد كل هذه المنابع المائية التي تشكلها السقايات لولا ثرائها من المياه التي يحدد لنا الحسن بن محمد الوزان، المشهور باسم “الأسد الإفريقي” (1488-1554)، مصادره حيث كتب في كتابه “وصف أفريقيا”: “ويدخل الماء إلى المدينة من نقطتين، يمر أحد فروع النهر بالقرب من فاس الجديد جنوبا، ويدخل الفرع الآخر إليها من جهة الغرب، وبعد دخول الماء إلى المدينة يوزع بواسطة عدد من القنوات، تسوق معظمه لدور السكان ورجال الحاشية الملكية وسائر الأبنية الأخرى. فلكل جامع أو مسجد حقه في هذا الماء، وكذلك الفنادق والملاجئ والمدارس والحمامات”.
السقاية والحيوان
غير أن صاحب كتاب “الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب” بن ابي الزرع يذكر أنه في عهد يوسف يعقوب المنصور (فترة الحكم 1184-1199م) وهو ثالث خلفاء الدولة الموحدية: “كانت بمدينة فاس السقايات، وديار الوضوء (أي المراحض) في مائة واثنين وعشرين موضعا، منها اثنان وأربعون موضعا من ديار الوضوء، وباقيها سقايات منها بمياه العيون، ومنها بمياه الأنهار”.
أما الفقيه والأديب والرحالة تونسي المولد أبو الحسن علي بن محمد، المعروف بابن فرحون، المتوفى سنة 1397م، فيقول في كتاب “الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب”: “ما مررت في بلاد المغرب بسقاية ولا مصنع من المصانع التي يعسر فيها تناول المياه للشرب والوضوء، فسألت عنها إلا وجدتها من إنشاء السلطان أبي الحسن رحمه الله”.
لم يكن بناء السقايات في فاس عملا حضاريا يهتم بالإنسان وحده فقط، بل اهتم بالحيوان بجميع أنواعه الأليفة، وذلك قبل قرون عديدة من تأسيس أول جمعية للرفق بالحيوان سنة 1824: الجمعية الملكية لمنع القسوة على الحيوانات: “(RSPCA)-The Royal Society for the Prevention of Cruelty to Animals”، وقبل وجود حركات الرفق بالحيوان التي عرفتها أوروبا لاحقا، فعلاوة على بناء سقايات ذات أحواض منخفضة يتجمع فيها الماء المنساب من صنابيرها، وهي على قدر علو أعناق الدواب الكبيرة (الخيول والبغال والحمير)، ما يتيح لهذه الحيوانات إمكانية الارتواء من مائها دون عناء، لم يتم إغفال أو إقصاء الحيوانات الصغيرة (القطط والكلاب) من الانتفاع من هذه الأعمال الخيرية والظاهرة الحضارية. فقد بنيت سقايات عديدة واطية في مدينة فاس بقدر علو أرضية الزقاق أو الشارع، حتى تتمكن هذه الحيوانات الأليفة من إرواء عطشها من هذه السقايات. للأسف الشديد، لم يبق من هذه السقايات الخاصة بالحيوانات إلا اثنتان: واحدة في نهاية سوق الشرابليين (يعرف اليوم بالطرافين) تحت صابتها المفضية إلى جامع الشرابليين وإلى دار الضمانة. والأخرى في سوق الصباغين، غير أن هذه الأخيرة هي عبارة عن حوض واسع تشترك فيه هذه الحيوانات الصغيرة مع حاجة حرفيي الصباغين للماء.
لقد مثلت ظاهرة السقايات، سواء في المدن وأحيانا حتى في بعض القرى وواحات الصحراء، علامة متميزة على اهتمام الأقدمين بهذا العنصر الحيوي الماء، الذي يجب أن يكون في متناول الجميع ولا يمنع منه أي كان. وهي ظاهرة ما زال بناؤها مستمرا حتى اليوم كقطعة جمالية في العمارة المغربية وبالطراز نفسه الذي عرفه المغرب منذ قرون، سواء في شوارع المدن القديمة أو في الفنادق أو في دور الإقامات وأيضا في الدور الخاصة التي تبنى على الطراز الهندسي المغربي-الأندلسي.
المدن القديمة والعتيقة في بلادنا تتشابه كثيرا في تركيبتها و ثرواتها الطبيعية، وهناك كثبر من مجاري المياه في المدن العتيقة تحتاج إلى من يخرجها إلى حيز الظهور و الإستفاذة من مياه الشرب إذا كانت صالحةلذلك، وذلك بتأهيلها وبناءهاعلى شكر سقايات محاطة بأقواس الزليج التقليدي مما يهبها رونقا وجمالا وجاذبية.