المغرب والقوة الناعمة

المغرب والقوة الناعمة
السبت 5 شتنبر 2026 - 21:14

خلال السنوات الأخيرة، استطاع المغرب أن يراكم رصيدًا مهمًا من عناصر القوة الناعمة، مستندًا إلى تاريخه العريق، وتنوعه الثقافي والحضاري، ورمزيته الدينية، وموقعه الاستراتيجي، وحضوره الإفريقي المتنامي، ودبلوماسيته النشطة، فضلًا عن السياحة والرياضة والثقافة والجالية المغربية عبر العالم. ولم تعد هذه العناصر مجرد مصادر للجاذبية، بل تحولت إلى أدوات تأثير أسهمت، إلى جانب العمل الدبلوماسي، في تعزيز مكانة المغرب دوليًا وفي الدفع نحو حسم ملف الصحراء المغربية، من خلال اتساع دائرة الاعتراف الدولي بمغربيتها وترسيخ هذا الموقف على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ولم يكن هذا التراكم وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار طويل، كانت الدبلوماسية الملكية أحد أبرز محركاته. فقد نجحت في توسيع هامش الحركة الاستراتيجية للمغرب، وتعزيز حضوره في إفريقيا، وتنويع شراكاته الدولية، وترسيخ موقعه كفاعل قادر على التحرك في الفضاءات الإفريقية والمتوسطية والأطلسية والعربية في آن واحد. وبذلك أصبح للمغرب رصيد يتجاوز عناصر القوة المادية والاقتصادية، ليشمل الصورة والرمزية والثقة والشراكات والعلاقات الإنسانية والثقافية.

غير أن القوة الناعمة لا تُختزل في التصنيفات الدولية، ولا في عدد الاتفاقيات أو حجم الحضور الدبلوماسي والإعلامي. فهي، في جوهرها، قدرة الدولة على إنتاج الجاذبية والثقة والتأثير. ولذلك فإنها تبدأ من الداخل قبل أن تنعكس في الخارج. فالدولة التي تريد أن تقنع الآخرين بنموذجها وقدرتها على التأثير تحتاج أولًا إلى أن تقنع مواطنيها، وخاصة أجيالها الجديدة، بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم.

ومن هذه الزاوية، تكتسب أحداث سبتة الأخيرة دلالة تتجاوز بعدها الحدودي والأمني. فقد هزّت صورة آلاف الشباب المغاربة وهم يتجهون نحو سبتة ويغامرون بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى صورة المغرب في الخارج. فالمشهد الذي انتشر على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد صورة لمحاولة عبور الحدود، بل أصبح، في الوعي الخارجي، صورة لجيل من الشباب يبدو وكأنه يبحث عن مستقبله خارج وطنه.

وبصرف النظر عن الأسباب المباشرة التي غذت تلك الأحداث، وعن تأثير الإشاعات والمحتويات الرقمية والتحريض على العبور، فإن وقع الصورة ظل قويًا؛ لأنها كشفت مفارقة يصعب تجاهلها: مغرب يراكم عناصر متقدمة من القوة الناعمة والحضور الدولي، وفي المقابل شباب مغاربة يخاطرون بالخروج منه بحثًا عن أفق آخر.

ولا يعني ذلك أن أحداث سبتة تنفي ما حققه المغرب، أو أنها تعكس فشلًا شاملًا للدولة، كما لا يعني أن كل من يسعى إلى الهجرة يفعل ذلك رفضًا لوطنه. فالهجرة ظاهرة مركبة، والجالية المغربية بالخارج نفسها تمثل أحد روافد القوة الناعمة للمملكة. لكن هناك فرقًا بين هجرة تقوم على الاختيار وتوسيع الآفاق، وبين مشاهد جماعية يغلب عليها الإحساس بالهروب من واقع لا يوفر، في نظر أصحابها، ما يكفي من الأمل.

وهنا تكمن أهمية قراءة أحداث سبتة باعتبارها أكثر من أزمة حدودية عابرة. إنها، قبل كل شيء، إشارة إلى وجود فجوة محتملة بين الصورة التي راكمها المغرب في الخارج وبين الطريقة التي ينظر بها بعض شبابه إلى مستقبلهم في الداخل. وهذه الفجوة، مهما كانت محدودة، تستحق أن تُقرأ سياسيًا واجتماعيًا، لأن القوة الناعمة لا تستمد قوتها من الخارج فقط، وإنما من مدى انسجام الصورة الخارجية مع التجربة الداخلية للمواطنين.

ومن هنا تنتقل المسؤولية إلى النخبة السياسية. فالمغرب استطاع خلال السنوات الماضية تحقيق مكاسب دبلوماسية مهمة وتعزيز حضوره الدولي، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه المكاسب الخارجية إلى قوة داخلية متكاملة. فالدبلوماسية الملكية تستطيع فتح الأبواب، وبناء الشراكات، وتوسيع هامش الحركة، وتعزيز صورة المغرب في الخارج؛ لكنّها لا تستطيع وحدها إنتاج الثقة الاجتماعية أو الإجابة عن الأسئلة اليومية التي تؤرق الشباب. وهذه مسؤولية السياسات العمومية والمؤسسات والنخبة السياسية.

وهنا تبرز إشكالية البراغماتية المفرطة التي تحكم جزءًا من الممارسة السياسية. فالبراغماتية في حد ذاتها ليست مشكلة؛ فالسياسة تحتاج إلى الواقعية وإلى القدرة على إدارة المصالح والتوازنات. لكنها تتحول إلى مكبح عندما تختزل السياسة في الحساب الانتخابي القصير، وعندما تحظى القضايا ذات العائد السياسي السريع بالأولوية على حساب الملفات التي تتطلب رؤية بعيدة المدى واستثمارًا مستمرًا.

ومع اقتراب انتخابات شتنبر 2026، يبدو أن النقاش السياسي يتجه مرة أخرى نحو القضايا الأكثر قابلية للتوظيف الانتخابي المباشر، وعلى رأسها القدرة الشرائية والأسعار وكلفة المعيشة. وهي قضايا حقيقية ومشروعة، ولا يمكن التقليل من أهميتها بالنسبة إلى المواطنين. غير أن الإشكال يكمن في أن تستحوذ هذه الملفات على مركز النقاش، بينما يظل السؤال الأعمق المتعلق بمستقبل الشباب أقل حضورًا، وكأن قضايا جيل كامل يمكن تأجيلها إلى ما بعد الاستحقاق الانتخابي.

فالشباب لا يريدون فقط معرفة كيف ستنخفض أسعار اللحوم وكيف ستُحارب ظاهرة الفراقشية، بل يريدون أن يعرفوا كيف سيبنون حياتهم. يريدون جامعة أكثر ارتباطًا بسوق العمل، وتعليمًا يفتح الأفق، وفرصًا مهنية تتناسب مع تكوينهم، ومجالًا للمبادرة والابتكار، وإمكانية حقيقية للارتقاء الاجتماعي، وعدالة في توزيع الفرص، ومؤسسات يشعرون بأنها تستمع إليهم وتستجيب لتطلعاتهم.

غير أن تحميل النخبة السياسية وحدها مسؤولية هذه الفجوة سيكون تبسيطًا للمشهد. فالشباب أنفسهم يتحملون جزءًا، وإن كان يسيرًا، من مسؤولية واقعهم السياسي. فالعزوف عن المشاركة في الانتخابات، أو الاكتفاء بانخراط سياسي ظرفي تحكمه أهداف ضيقة ومصالح آنية، أو الغياب شبه الكامل عن النقاش العمومي، كلها ممارسات تترك بدورها فراغًا تستفيد منه السياسة قصيرة المدى.

فالمشاركة السياسية لا يمكن أن تكون موسمية، ولا أن تقتصر على لحظة الاقتراع أو على التعبير عن الغضب في شبكات التواصل الاجتماعي. التأثير في السياسات العمومية وصناعة القرار يقتضي حضورًا مستمرًا، وانخراطًا واعيًا، وقدرة على التنظيم والترافع واقتراح البدائل. ومن ثم، فإن إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات ليست مسؤولية الدولة والنخب السياسية وحدها، بل هي أيضًا مسؤولية جيل مطالب بأن ينتقل من موقع المتلقي والناقد إلى موقع الفاعل والشريك في صناعة المستقبل.

وفي هذا السياق، فإن غياب برامج سياسية واضحة ومقنعة للشباب، مقابل استمرار عزوف جزء منهم عن المشاركة السياسية، قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: نخبة لا تجد ضغطًا سياسيًا كافيًا لإعطاء الأولوية لقضايا الشباب، وشباب يشعرون بأن السياسة لا تستجيب لهم فيزداد ابتعادهم عنها. وكلما اتسعت هذه الدائرة، أصبحت الفجوة بين المجتمع والمؤسسات أكثر عمقًا.

وتزداد خطورة هذه الفجوة في عصر أصبحت فيه شبكات التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل الإحباط الفردي إلى تعبير جماعي خلال وقت قصير. فقد أظهرت أحداث سبتة أن مشاعر الإحباط، عندما تتقاطع مع المقارنة اليومية مع الخارج ومع قوة المحتوى الرقمي، يمكن أن تنتقل بسرعة من مستوى الشعور الفردي إلى السلوك الجماعي. لذلك فإن أي احتجاجات شبابية محتملة لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها نتيجة مباشرة للبطالة أو الغلاء، وإنما باعتبارها أيضًا مؤشرًا على طبيعة العلاقة التي تتشكل بين جيل جديد والدولة والمستقبل.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: كلما نجح المغرب في تعزيز صورته الخارجية، أصبح مطالبًا أكثر بتقليص المسافة بين هذه الصورة والتجربة اليومية لمواطنيه. فالقوة الناعمة التي لا تجد امتدادًا لها في الداخل تظل قوة ناقصة، والصورة الدولية التي لا يشعر المواطن بترجمتها في حياته اليومية يمكن أن تصبح عرضة للاهتزاز عند أول أزمة تكشف هذه الفجوة.

ومن هذا المنظور، يصبح التعليم قوة ناعمة، والجامعة قوة ناعمة، والثقافة قوة ناعمة، والعدالة المجالية قوة ناعمة، وجودة الإدارة قوة ناعمة، وتكافؤ الفرص قوة ناعمة، والثقة في المؤسسات قوة ناعمة. بل إن قدرة الشاب على الحصول على فرصة عادلة لبناء مساره المهني داخل وطنه هي، في نهاية المطاف، جزء من القوة الناعمة للدولة.

لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام المغرب اليوم لا يتمثل في بناء مزيد من الصورة في الخارج، وإنما في تحويل الإنجاز الخارجي إلى ثقة في الداخل. لقد راكمت الدبلوماسية الملكية رصيدًا استراتيجيًا مهمًا، لكن تثمين هذا الرصيد يتطلب نخبة سياسية قادرة على إدراك أن القوة الناعمة ليست ملفًا دبلوماسيًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا يبدأ من الإنسان.

ومن هنا، قد تكون انتخابات شتنبر 2026 أكثر من مجرد موعد انتخابي جديد. إنها اختبار لقدرة الطبقة السياسية على الانتقال من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل، ومن الاستثمار في القضايا ذات العائد الانتخابي السريع إلى بناء رؤية تستجيب للتحولات العميقة التي يعرفها المجتمع، وفي مقدمتها تحولات جيل الشباب.

فالرهان لا يتعلق فقط بكيفية كسب الانتخابات، وإنما بكيفية استعادة السياسة لقدرتها على إنتاج الأمل. وإذا استمرت السياسة في التعامل مع الشباب باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية، بدل النظر إليهم باعتبارهم رصيدًا استراتيجيًا للدولة، فقد تتسع الهوة بين المؤسسات وتطلعاتهم، وقد يصبح الإحباط أكثر قابلية للتحول إلى احتجاج، وقد تتراجع تدريجيًا إحدى أهم ركائز القوة الناعمة المغربية: الثقة في المستقبل الوطني.

أما إذا نجحت النخبة السياسية في التقاط رسالة سبتة وتحويلها من أزمة حدودية إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة مع الشباب، فإن المغرب سيكون أمام إمكانية الانتقال من مرحلة تراكم القوة الناعمة إلى مرحلة استثمارها الاستراتيجي. عندها يمكن للدبلوماسية والاقتصاد والثقافة والرياضة والتعليم والشباب أن تعمل ضمن منظومة واحدة، تنتج الجاذبية في الخارج والثقة في الداخل.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا في المرحلة المقبلة ليس: كيف يحافظ المغرب على موقعه في مؤشرات القوة الناعمة؟ بل: كيف يحول هذه القوة إلى شعور حقيقي لدى المواطن بأن مستقبله مرتبط بمستقبل وطنه؟ فالخطر الحقيقي ليس أن تتراجع مرتبة المغرب في مؤشر دولي، وإنما أن تتسع المسافة بين مغرب يراه العالم صاعدًا، وشباب لا يرى بالقدر نفسه أن مستقبله يزدهر معه.

وفي النهاية، قد لا يكون الاختبار الأكبر للقوة الناعمة المغربية في العواصم الأجنبية، ولا في المؤتمرات الدولية، ولا في التصنيفات العالمية، وإنما في قدرتها على أن تبدأ من الداخل، وأن تجعل المواطن، وخاصة الشباب، جزءًا من قوتها لا مصدرًا لقلقها. فإذا كان الشاب المغربي قادرًا على أن يرى مستقبله في المغرب، فإن القوة الناعمة ستجد فيه أقوى رافعة لها. وإذا نجح المغرب في بناء هذا الرصيد من الثقة، فقد لا تكون القوة الناعمة مجرد وسيلة لتعزيز صورة المغرب في العالم، بل إحدى أهم أدواته المستقبلية لاستكمال وحدته الترابية، بما فيها سبتة ومليلية وجميع الثغور المحتلة. أما إذا ظلت الإجابة معلقة، فقد تتحول صور سبتة من مجرد لحظة عابرة إلى إنذار مبكر بأن القوة الناعمة، مهما بلغت قوتها في الخارج، يمكن أن يبدأ تآكلها من الداخل.

-أستاذ باحث في تدبير الموارد البشرية والذكاء الاستراتيجي
جامعة القاضي عياض، مراكش

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • دولة مرتبكة
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 01:44

    “إعادة العلاقة” مع المواطنين غير ممكنة في الوقت الحالي لأننا نمر بمرحلة عدمية حيث القديم لم يمت بعد و الحديث لم يترسخ نهائيا بعد ! شعوب كثيرة مرت من هذه المرحلة قبلنا و لم تتجاوزها إلا بعد ثورة ثقافية شاملة محت القديم تماما من الفضاء العام ، مسؤولية الدولة اليوم هو إدخال المغرب إلى الحداثة بشكل نهائي لا تفاوض فيه مع الذين يستحيل إقناعهم و لو بعد ألف عام ؟! لو انتظرت الدولة المغربية اقتناع المجتمع كاملا بتدريس الفتيات لبقينا إلى اليوم نتجادل في الموضوع !

  • متتبع
    الأحد 6 شتنبر 2026 - 12:41

    تحليل عميق، لكن الاشكال في الاستيعاب والتخلي عن بعض المصالح السياسية والمالية لاحت اء الوضع. تحياتي للاستاذ وشكرا لهسيبريس على هذه المقالات القيمة..

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء