مهرجان "كان" السينمائي بدون نور الدين الصايل .. لو كانت الأمكنة تتكلم

مهرجان "كان" السينمائي بدون نور الدين الصايل .. لو كانت الأمكنة تتكلم
صورة: أرشيف
الأحد 11 يوليوز 2021 - 06:30

“لو كانت الأمكنة تتكلم”..

يصمت الفيروس قليلا، وينطلق الشريط الثالث في المسابقة الرسمية لدورة هذا العام من مهرجان “كان” بحوار مؤثر ومعبر في الآن.

“هل سترتاح بعد الرحيل؟ نعم سأرتاح، لكن راحتي ستكون أكبر إن تذكرتموني بعد الرحيل”.

“كان” بدون نور الدين الصايل

أتجول مع رفاق كثر بعد كل عرض، وفي كل مرة أمر قبالة المطعم اللبناني الذي كان يلتقي فيه الراحل نور الدين الصايل أصدقاءه من سينمائيي قارتنا. لو كانت الأمكنة تتكلم هنا في “كان”، لأفضت بسر أحاديث سينمائية كنت أعتقد أنها لن تنتهي، والآن أخبر جيدا بأن لكل بداية نهاية. مكانه في المطعم شاغر على الدوام، ومالكه يسألني في كل مرة عن آخر لقاءاتي بالراحل الصايل. أنطلق في الحكي، وفي كل مرة أعيد اجترار التفاصيل نفسها، وفي كل مرة يخفض بصره، وفي كل مرة يدعو للراحل بالرحمة. كل من التقيهم يطرحون السؤال ذاته: نور الدين؟ أعيد ترتيب كلماتي وأجيب، وحين أرهق أتوقف. أعبر لقاعة من القاعات لأشاهد شريطا سينمائيا جديدا، لأن الأشخاص يغادرون لتواصل السينما الطريق. رفاقه من تونس ومصر ولبنان وبوركينا فاسو والسينغال والكاميرون، وإعلاميون فرنسيون، ومخرجون كثر من بلدان عديدة، يسألون عنه، وكل واحد يحكي قصصا عاشها مع الراحل. آخرون لم يكونوا على علم بالخبر. وقع المفاجأة يعسر أن تصفه الكلمات.

“كان” بدون نور الدين الصايل

النقاشات في السينما وحول السينما لا يمكن أن تحقق الإجماع، والمختلفون مع الراحل، ومنهم عدد كبير هنا في “كان”، افتقدوه. الاختلاف في الآراء لم يلبس يوما عباءة الخلاف، وهذا هو الأهم. السينما تتيح الفرص لفتح النقاشات التي لا تصل بالضرورة إلى بر الاتفاق، لكنها لا تخلق العداوات الأبدية. في قاعة الـ”غران تياتر ليميير” التي كان يجلس دوما في ركنها الأيسر ليشاهد الأفلام، اخترت كرسيا تلقف جسدي لمدة تقارب ساعتين، وتابعت فيلم “Tout s’est bien passé” لفرانسوا أوزون. بدون ارتياب كان سيتهكم بأسلوبه المعتاد على الطريقة التي تناول بها المخرج موضوع الموت الرحيم. تيمة الموت، كانت تثير دوما سخريته، ومرارا اختلفت مع الأستاذ بخصوص إقحام مخرجين كثر لشحنات عواطف وأطنان أحاسيس بهدف استجداء دعم الجمهور ولجان التحكيم. أجلس وحيدا أشاهد Sophie Marceau التي تلعب دور “إيمانويل” التي يترجاها والدها لتساعده على الموت. لحسن حظها أن نور الدين الصايل لم يشاهدها، ولحسن الحظ أنه لم يحضر أيضا لمتابعة الفيلم الجديد للتشادي محمد صالح هارون. فيلم إفريقي ببهارات أوروبية، والكليشيهات لم يكن الصايل يقبلها. لسوء الحظ، رحل نور الدين لأنه لو شاهد فيلم الافتتاح لليوس كاراكس “Annette” كان سيستمتع، وبدون ارتياب لم يكن سينضم لقائمة من هاجموا المخرج ومن ضمنهم صاحب هذا الركن. في أغلب الظن كان سيدافع عن ملحمته الموسيقية الغنائية، وسيقرأ في تيهه وضوحا لم أره شخصيا. في العلاقة مع الأستاذ نور الدين الصايل، لم يكن المهم هو أن نتفق، بل أن نناقش بعضنا البعض، وإن كان يحاول دوما أن يفرض رأيه. افتقدت كثيرا هذا الجانب.

“كان” بدون نور الدين الصايل

المكان مختلف، وفي السنوات العشر الأخيرة كنت ألتقيه هنا على الدوام طيلة الرأسمال الزمني للموعد بدون أن نحدد الموعد. يتكلم ويناقش ويختلف ويفصح عن آرائه في جلسات طويلة يخبر أهل الميدان عندنا في المغرب طولها، وكثرة المواضيع المتناولة فيها. أصدقاؤه من إفريقيا افتقدوه ويبادرون لطرح السؤال بخصوص مصير مهرجان خريبكة للسينما الإفريقية الذي كان يديره، وكثير من مسيري مهرجانات إفريقية كانوا يستشيرونه هنا في “كان” حول كل صغيرة وكبيرة تخص مواعيدهم. رجل سينما أحب بلده وعشق قارته، ودافع عنهما في منتديات، آخرها نظم هنا في “كان” قبل عامين وخص تمويل الأفلام الإفريقية.

“كان” بدون نور الدين الصايل مختلفة، واللقاء مع كثير من رفاقه بعد رحيله مختلف. نلتقي، ونتكلم قليلا ونغادر. الصايل رحل، لكن مهرجان “كان” الذي مر منه كبار كثر باق والقائمون عليه مازالوا يطمحون لتوسيعه أكثر. السينما تبقى والرجال يرحلون، لكن التاريخ لا ينسى أبدا من وهبوا حياتهم لخدمة السينما. أتوقف، لأن الأستاذ نور الدين الصايل كان من أكثر الناس الذين يعيبون علي الإطالة في الكلام. أردت فقط أن أتذكرك أستاذ بطريقتي، ولي اليقين بأنها كانت تروقك.

يصمت الفيروس قليلا، وينطلق الشريط الثالث في المسابقة الرسمية لدورة هذا العام من مهرجان “كان” بحوار مؤثر ومعبر في الآن.

“هل سترتاح بعد الرحيل؟ نعم سأرتاح، لكن راحتي ستكون أكبر إن تذكرتموني بعد الرحيل”.

*ركن بلال مرميد – إذاعة “ميدي1”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

17
  • مغربي قح
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 06:36

    “هل سترتاح بعد الرحيل؟ نعم سأرتاح، لكن راحتي ستكون أكبر إن تذكرتموني بعد الرحيل”. الله اعلم السيد من المبشرين من الجنة داكشي باش عارف راسو غادي استاراح !!!!!

  • Aboulyasm
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 06:46

    Je me pose souvent la question de savoir si l’avenir proche nous permettera de voir un geant du cinema ,critique et philosophe comme lui .Allah Yrahmou !

  • الفنون السبعة.. لا العجائب السبع
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 07:16

    يعتبر الفن في عالمنا العربي.. هو متابعة روتانا و الmbc و قنوات مازيكا و المولد.. و انتظار البرد قبله العيد… كما اسميه عايش l milieu

  • دكالي
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 07:40

    أشخاص دفعوا الثمن نتيجة الوفاء بأفكارهم : سقراط نموذجا

    تميز سقراط بشيئيين أولاً من حيث المظهر الخارجي، حيث أنه كان يعتبر قبيحا وفقا لمعايير اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد، قلت وفقا لمعايير اليونان، إذ كما تعلمون القبح ليس ثابت، بل هو متغير بتغير الزمان والمكان، بمعنى أنه يينى اجتماعيا، وما يكون قبيحا في زمن أو مكان ما يمكن أن يكون غير ذلك في زمن أو مكان آخر. وثانيا بأسلوبه الفريد في التفلسف والذي يسمى ” فن التوليد “، أي أنه كان يستخرج الأفكار من محاوريه، لا يعطيهم شيئا من عنده / يساعدهم على استخراج ما سيعرفونه انطلاقا من أنفسهم بأنفسهم. يقول عن ذلك في محاورة تيتياتورس : “إنني مثل القابلة، لا ألد الحكمة، لأنه لا حكمة عندي، إن مهمتي هي مساعدة الآخرين على الإنجاب ” .

    حمزة الذهبي
    كاتب وباحث

  • السلاوي
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 07:45

    ناقذ سينيمائي معروف عالميا هو اول من خلق الاندية السينيمائية في المغرب حيث جل القاعات المغربية كانت تعرف يوم الاحد عرض افلام عالمية ويدور بعدها نقاش حول الشريط من جميع النواحي . فعلا ايام جميلة حبب فيها الاستاذ نور الدين الصايل لاجيال فن النقذ السينيمائي وخلق مهرجان خريبكة دون نسيان برامجه السيينيمائية بالاذاعة والتلفزة والتي كان تتابع بشكل كبير جدا . شخصية اتساءل لم لحد الان لم نطلق اسمه على متحف او جامعة بما انه كان استاذ مميز للفلسفة . لترقد روحك الطاهرة بسلام . كنت وطني بحق ورغم تسييرك لعدة قطاعات كترؤسك لدوزيم لسنوات وايضا للمركز السينيمائي المغربي خرجت نقيا ولم تشر اليك الاصابع بانك استغلت منصبك للاستغناء وسرقة المال العام

  • طبيعي
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 07:47

    ماهو الأدب العظيم؟

    عندما تكتب يجب ان تتحرر من كل شيء وتنسى عوالم النذالة

    المحيطة بك مجتمعات العفونة والوسخ البشري لتكتب عنها

    وعنهم بحريتك الكبيرة وثقافتك الموسوعية

    والايام ستعلم اصحاب الفكر والثقافة من أنت.

    عايد سعيد السراج

  • brahim
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 08:59

    إتقوا الله في دينكم.لو قدر الله و خرج نور الدين الصايل(رحمه الله )من قبره لأخبركم و قال لكم أنتم في واد و دين الله في واد آخر، وذلك لما رآه في قبره…اللهم توفانا و أنت راض عنا و أحسن خاتمنا في الدنيا و الآخرة..

  • متتبع
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 09:16

    دائما المغاربة يربطون كل ميدان من الميادين بشخص واحد ماذا فعل هذا للسينما فقط الحفاوة بالاجانب في المهرجانات خصوصا مراكش وتهميش الفنان المغربي والخمور والتعري نطلب الله المغفرة.

  • رأي
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 09:21

    حبدا لو ننافس في أمكنة الصناعة و العلم و التكنولوجيا، هناك علماء ماتوا و لكن تركوا اختراعات و علم لازال حي إلى يومنا هذا

  • احمد
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 09:21

    شكرا بلال مرميد ان تكوينك والحمد الله وعطاءك في ميدان السينما يجعلني دائما اهتم بما تكتب او تقول في الراديو او التلفزة عن السينما والسنيماءيين في بلادنا. وتعجبني صراحتك في النقد و يفهمها العادي و يعجبني كدلك الكلام الموزون المفهوم عندما تتدخل لتحليل اعمال الممثلين او شخصية الفنانين

  • مصطفى
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 09:27

    لا يمكن ذكر السينما المغربية دون أن يتبادر إلى الأذهان وفي لمحة بصر إسم نور الدين الصايل…
    رحمة الله عليه.

  • محمد الشريف
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 09:56

    موفق دائما في تدخلاتك ،كنت أتمنى أن ألتقي بك في كان هذا العام لأتحدث معك ،أتمنى لك التوفيق والنجاح

  • لحريزي
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 10:13

    واخيرا اكتشفت ان الراحل الصايل يرحمه الله كانت له نفس ملاحظتي حول اطالتك في الكلام. قد اتفهم الاطالة في الكلام او في الشرح و التفسير عندما يتعلق الامر بمقال صحفي, لكن ان نغتال حيوية الصورة في حوار حول السينما, و التي تعتمد اساسا على الصورة و تضييق هامش الكلام ما امكن, فهذا ما لا يستوعبه عقلي و عقل الراحل. مجهودك في حواراتك جيد جدا لكن لو فقط تغير قليلا من طريقة عرضه كان تترك الصورة ترافق الضيف المحاور في مشاهد حياتية حقيقية مع طرح اسئلة مقتضبة وتترك الصورة و الضيف يجيبان عليها.. ثق بي سيكون افضل لانه فيه بصمة سينمائية في اخراجه. اتمنى ان تتقبل ملاحظتي بصدر رحب خصوصا اني طالما سمعتك ترحب بالنقد البناء.

  • Said russia
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 12:16

    الله يرحمو مضى على وفاته سنتين ولكن الكاتب يتكلم بلغة وكأنه ما كان عليه أن يموت. ولكن يأخي هذه سنة الحياة كل من عليه فإن سيموت الجزار والاسكافي والوزير والممثل والأشخاص المشهور ن. الله يرحم موتانا

  • Abdel
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 13:56

    الحياة مرحلة سريعة جدا، و لكنها رحلة جميلة عندما نعلم أنه قد تفرقنا الأيام أكيد و لكن يبقى من هو خالد في القلوب أكيد
    رحمنا الله جميعا برحمته و رحمة الله إلى من إنتقلوا إلى الحياة الأبدية

  • Abdel
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 14:02

    أكيد أن الحياة تفرقنا و لكن أكيد أيضا أن هناك من يبقى خالدا في القلوب
    رحمنا الله جميعا برحمته و رحم جميع من سبقونا إلى دار الحياة الأبدية

  • Youssef
    الأحد 11 يوليوز 2021 - 21:14

    رجل سينما أحب بلده و عشق قارته،رجل المبادى والثقافة الواسعة.

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط