هذا المقال ترجمة لمقال نشر بجريدة الغارديان البريطانية في17 دجنبر 2010، و يتناول مسألة تدريس العلوم الإنسانية. كاتب هذا المقال هو تيري اجلتونTerry Eagleton، المثقف البريطاني المعروف و الذي نشر أكثر من أربعين كتابا في النقد الأدبي ومن أشهر كتبه نظرية الأدب. و نعيد نشره باللغة العربية لراهنيته. العنوان الأصلي هو :The Death of Universities تيري اجلتون
هل العلوم الإنسانية على وشك الاختفاء من جامعاتنا؟ سؤال سخيف. إنه يشبه السؤال عن ما إذا كان الخمر سيختفي من الحانات، و الأنانية من هوليود. كما أنه لا يمكن أن توجد حانة بدون خمر، فلا يمكن أن توجد جامعة بدون علوم إنسانية. إذا تم حذف التاريخ و الفلسفة و غيرها من المواد من الحياة الأكاديمية، فان ما سيتركون في أثرهم قد يكون مؤسسة للتعليم التقني أو معهدا للبحث الخاص بالشركات، و لكن حتما لن يكون جامعة بالمعنى التقليدي للكلمة و سيكون من الخداع أن نسميها كذلك.
غير أنه لا يمكن كذلك أن توجد جامعة بالمعنى الكامل للكلمة حيث توجد العلوم الإنسانية في معزل عن باقي التخصصات. إن أسرع وسيلة للتقليل من شأن هذه المواد –مادام يصعب التخلص منها نهائيا- هو اختزالها إلى إضافة جميلة. الرجال الحقيقيون يدرسون القانون و الهندسة، أما أشباه الرجال فيدرسون الأفكار و القيم. يجب أن تُمثل العلوم الإنسانية نواة لأي جامعة تستحق هذا الاسم. يجب أن يُدرّس التاريخ و الفلسفة -بالإضافة إلى بعض المعرفة بالفن و الأدب- للمحامين و المهندسين، كما لطلبة كليات الآداب. إذا لم تكن العلوم الإنسانية تتعرض لتهديد جدي في الولايات المتحدة، فذلك لأنها تعتبر، بالإضافة إلى عوامل أخرى، جزءا أساسيا من التعليم العالي.
عندما ظهرت و لأول مرة في شكلها الحالي في أواخر القرن الثامن عشر، كان لما يسمى التخصصات الإنسانية دور اجتماعي مهم. كانت مهمتها دعم و حماية القيم التي لم يكن للنظام الاجتماعي المعادي للمعرفة سوى الوقت القليل لحمايتها.
كانت العلوم الإنسانية و الرأسمالية الصناعية إلى حد ما توأمين في بدايتهما. كانت الحاجة ماسة – من بين أشياء أخرى- إلى مؤسسات معرفة كالجامعات للحفاظ على مجموعة من القيم و الأفكار كانت تحت الحصار، و ذلك لكونها مؤسسة مستقلة إلى حد ما عن الحياة الاجتماعية اليومية. كان هذا البعد يعني أن الدراسات الإنسانية كانت غير ذي أثر على الإطلاق. لكن هذا البعد سمح للعلوم الإنسانية بأن تؤسس لنقد موجه للمعرفة التقليدية.
من حين لآخر، كما حدث في ستينيات القرن الماضي و في الأسابيع الماضية في بريطانيا، قد يخرج ذلك النقد إلى الشارع ليقارن الطريقة التي نعيش بها بالطريقة التي يمكن أن نعيش بها.
ما شهدناه في وقتنا الحالي هو موت الجامعات كمراكز للنقد. منذ مارغريت تاتشر، كان دور الجامعات مقتصرا على خدمة الوضع القائم، و ليس نقده باسم العدل و التقاليد و الخيال و الصالح الإنساني و اللعب الحر للفكر و الرؤى البديلة للمستقبل. لن نغير هذا الوضع فقط بزيادة دعم الدولة المالي للعلوم الإنسانية في مقابل اختيار التخلص منها نهائيا. سنغير هذا الوضع بالتأكيد على أن يكون التفكير النقدي حول القيم و المبادئ الإنسانية مركزيا في كل شيء يُحدث بالجامعات، و ليس فقط في الدراسات الأدبية المتعلقة مثلا برمبراندت و رامبو.
في النهاية، يمكن الدفاع عن العلوم الإنسانية فقط بالتأكيد على أهميتها، و هذا يعني التأكيد على دورها الحيوي في البرنامج الشمولي للتعليم الأكاديمي، عوض الاحتجاج، على اعتبار أنه ليس لها نفس قيمة العلوم الأخرى، بأنها لا تكلف الكثير للإبقاء عليها.
كيف يمكن تحقيق رد الاعتبار للعلوم الإنسانية عمليا؟ من ناحية التمويل لا يمكن تحقيق ذلك. فالحكومات عازمة على تخفيض دعمها للعلوم الإنسانية و ليس الزيادة فيه.
ألا يمكن أن يعني الاستثمار الكثير في تدريس شيلي التراجع أمام منافسينا الاقتصاديين؟ لكن لا توجد جامعة دون البحث في العلوم الإنسانية، الأمر الذي يعني أن الجامعات و الرأسمالية المتقدمة لا يتطابقان أساسا، هذا بالإضافة لبعض الآثار السياسية لذلك و التي تتجاوز بعمق مسألة تأدية الطلبة لواجبات التسجيل بالجامعات.
المقال يبرز ان إشكالية تفضيل الشعب العلمية والتقنية على الشعب الأدبية لايقتصر على المغرب بل في العالم أجمع.فما قاله وزير التعليم العالي "الداودي" من أن كليات الآداب تنتج البطالة قول وجيه.
تحية إلى الأستاذ مفضل على مجهوداته التي يقوم بها في التدريس
لايمكن الفصل بين ما انجزته الثورات العلمية والسياسية والاجتماعية بين منجزاتها المادية والتقنية نن قيمها الفكرية والفلسفية والروحية لان ما تنجزه العلوم التجريبية والحقة هو وسيلة اما ماتنجزه العلوم الانسانية هو استثمار ما تحققه العلوم التقنية من اجل هدف اسمى هو الارتتقاء بالبشرية الى الانسانية المثلى