في نقد أوهام الحداثة وانحرافات الخطاب النسوي
آن الأوان لثورة فكرية هادئة وجذرية، لا ضد النساء ولا ضد حقوق الانسان ولا ضد الحرية، بل ضد انحرافات خطاب نسوي يتحول، أحيانًا، من نقد مشروع للتمييز والعنف واللامساواة إلى إيديولوجيا اختزالية ترى العلاقة بين النساء والرجال من منظور النزاع (conflit)، وتتعامل مع الأسرة بوصفها بنية مشتبهًا فيها، ومع الرجل باعتباره موضع اتهام مسبق. فموضوع نقدنا ليس النسوية في كنهها ولا في تعدد تياراتها، وإنما اللحظة التي يتحول فيها خطاب التحرر إلى تفسير مغلق يدّعي الإحاطة بالواقع الاجتماعي. غير أن هذا النقد سيعمل على عدم التوقف عند الخطاب النسوي، بل أن سيطال بعض مسلّمات الحداثة الكلاسيكية نفسها.
فالديمقراطية التمثيلية، التي قُدّمت طويلًا باعتبارها التعبير “الأسمى” عن سيادة المواطن، كشفت عن حدودها حين اختُزلت المواطنة في ورقة انتخابية توضع في صندوق مرة كل بضع سنوات، بينما تحتكر جهات -بعينها- و”نخب” حزبية واقتصادية وإدارية مساحات واسعة من صناعة القرار. وقد نبّه روبرت ميشيل «Robert Michels»، من خلال «القانون الحديدي للأوليغارشيا»، إلى ميل التنظيمات، بما فيها الديمقراطية، نحو تركيز النفوذ (pouvoir) والقدرة على اتخاذ القرار في يد أقلية مركزية. كما تسمح أعمال بيير بورديو «Pierre Bourdieu» حول أشكال الرأسمال وإعادة الإنتاج الاجتماعي بفهم كيف أن المساواة القانونية لا تؤدي بالضرورة إلى مساواة فعلية، ما دامت الرساميل، أي الموارد الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والرمزية موزعة بصورة غير متكافئة. لذلك فصندوق الاقتراع ضروري، لكنه لا يصنع الديمقراطية بمفرده.
وتستحق الفردانية بدورها المساءلة حين تنفصل عن بعدها الاجتماعي. فالاعتراف باستقلال الفرد وحقوقه وحريته مكسب أساسي، لكنه لا يقتضي تصور الإنسان ذاتًا مكتفية بنفسها، منفصلة عن الأسرة والجماعة والتراب وشبكات التضامن والمسؤولية. فالإنسان فرد وكائن اجتماعي في آن واحد؛ ومن ثم ينبغي التمييز بين تحرره وبين تفكيك الروابط الاجتماعية باسم الحرية.
ونحتاج، بالجرأة النقدية نفسها، إلى مساءلة الكونية الحقوقية حين تنتقل من الدفاع عن كرامة الإنسان إلى الاعتقاد بأن تجربة تاريخية وثقافية بعينها تمتلك وحدها حق تعريف الإنسان والحرية والتقدم. فالمشكلة ليست في حقوق الإنسان، بل في احتكار تعريفها وتأويلها وفرض نموذج واحد لتحقيقها. وقد كشفت تيارات النقد ما بعد الكولونيالي أن خطاب «الكوني» قد يحمل داخله آثار علاقات القوة التي يدّعي تجاوزها. والمطلوب، إذن، ليس هو إسقاط الكونية، بل تحريرها من المركزية وبناء كونية تعددية ونسبية تشارك المجتمعات المختلفة في صياغتها بدل تلقيها جاهزة من مركز يعرّف نفسه باعتباره معيار العالم.
والأمر نفسه ينطبق على العقلانية المركزية التي رافقت بناء الدولة الحديثة، حين تسعى إلى جعل المجتمع قابلًا للقراءة من المركز عبر توحيد التصنيفات والمؤسسات والمعايير، أحيانًا على حساب المحلي والجهوي واللغات والهويات والمعارف المتجذرة في التراب. وقد بيّن جيمس سي. سكوت «James C. Scott»، خصوصًا في كتابه «رؤية الدولة للمجتمع» (Seeing Like a State)، كيف يمكن لمشاريع التبسيط والتوحيد المنطلقة من فوق أن تفشل عندما تتجاهل تعقيد الواقع والمعارف العملية والمحلية. فالمشكلة ليست في العقلانية، بل في تحولها إلى اعتقاد بوجود عقل واحد، ومركز واحد، وطريق واحد نحو التقدم.
ومن هذا المنظور نفهم نقدنا لبعض تحولات الخطاب النسوي. فلا اعتراض على تحرر النساء من الظلم بل هذه قضية النساء والرجال معا، وإنما على تحول خطاب التحرر إلى أداة جديدة للهيمنة والإقصاء. كما أن مفهوم «الباترياركا» يحتفظ بمشروعيته التحليلية في تفسير جانب من علاقات الهيمنة التاريخية، لكنه يفقد قوته حين يتحول إلى مفتاح شامل يفسر كل علاقة ومؤسسة وتفاوت قبل الاحتكام إلى البحث والوقائع. فالنساء والرجال يعيشون داخل علاقات متشابكة من الاقتصاد والطبقة والثقافة والدولة والسوق والتراب، كما يمكن للمنظومات الاقتصادية والرأسمالية أن تستثمر التقسيمات الجندرية والأدوار الاجتماعية الموروثة بطرائق مختلفة. لذلك قد يتحول الاختزال الجندري من أداة لفهم الواقع إلى عائق أمام فهمه.
والبديل ليس العودة إلى ماضٍ مغلق، ولا استبدال محافظة ذكورية متشددة بنسوية متشددة، وإنما بناء إنسانية نقدية تعددية: تجعل الفرد صاحب حقوق وحريات دون اقتلاعه من علاقاته الاجتماعية؛ وتعترف باستقلالية المرأة والرجل دون تحويلهما إلى معسكرين متواجهين ولا متنازعين؛ وتحمي الأسرة دون تقديسها، وتصلحها دون شيطنتها؛ وتحترم المحلي دون الانغلاق عن الكوني؛ وتعترف بالاختلاف دون تحويله بالضرورة إلى نزاع.
إننا نريد عدالة بين النساء والرجال، لا حربًا بينهما؛ وحرية لا تفكك الروابط باسم الفرد؛ وديمقراطية تتجاوز الطقس الانتخابي نحو المشاركة والمساءلة؛ وكونية إنسانية متعددة المراكز؛ وعقلانية تعترف بحدودها؛ ودولة تصغي إلى المجتمع والتراب بدل إعادة تشكيلهما دائمًا من فوق.
إنها، في النهاية، ليست ثورة ضد المرأة أو الحداثة أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل ثورة نقدية داخل الحداثة وضد أوهامها في الوقت نفسه؛ ضد كل يقين يتحول إلى عقيدة، وكل قضية عادلة تتحول إلى امتياز إيديولوجي، وكل خطاب يبدأ بالدفاع عن ضحية ثم يحتاج، لكي يستمر، إلى صناعة عدو دائم.
فالتحرر الحقيقي لا يكون باستبدال مركزية بمركزية، ولا هيمنة بهيمنة. إنه ذلك الذي يجعل الإنسان، امرأة كان أم رجلًا، غاية لا أداة؛ مواطنًا لا تابعًا؛ وذاتًا حرة قادرة على الاختيار والمسؤولية والنقد.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.