حقيقة "الكابرانات"

حقيقة "الكابرانات"
الإثنين 17 نونبر 2025 - 18:01

يحرص النظام العسكري الجزائري، عبر صانعي أساطيره التأسيسية، على ترديد “تعويذة” مفادها أن “الجيش الوطني الشعبي” (أي الجيش الحالي) هو “سليل جيش التحرير الوطني”، وذلك في إصرار غريب على قلب الحقائق وتزوير تاريخ هذا الجهاز الإرهابي القمعي، الذي قتل من الجزائريين أكثر مما قتل حتى الاستعمار الفرنسي نفسه. فقد بلغ عدد ضحاياه في العشرية السوداء وحدها أكثر من 250 ألف قتيل وأزيد من 20 ألف مفقود. أما ضحاياه من الشعوب الأخرى، ممن قامت فيالقه القديمة المنخرطة ضمن الجيوش الاستعمارية الفرنسية بإبادتهم على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين، فإنهم يعدون بالملايين وفيهم أعداد ضخمة من المغاربة والتونسيين وشعوب دول الساحل والصحراء والبلدان الأفريقية الأخرى، ومن كافة الشعوب التي خضعت للاستعمار الفرنسي.

ويصر صانعو الأيديولوجيا الشعبوية الكابرانية على تغييب حقيقة أن تصفية “جيش التحرير” بدأت مع انطلاق الثورة عام 1954، من طرف الاستعمار الفرنسي وعملائه المندسين في صفوف الثوار، وذلك تمهيداً لما سيحدث لاحقاً من استيلاء جيش “الكابرانات” والمجندين الجزائريين في الجيش الفرنسي على السلطة في البلاد ابتداء من سنة 1962، برئاسة شكلية ومؤقتة لأحمد بن بلة، وهي العملية التي اكتملت بانقلاب عسكري على هذا الرئيس الشعبوي غير المنتخب المنحدر من أصل مغربي، نفذه وزير دفاعه هواري بومدين بدعم من الدولة العميقة في فرنسا عام 1965.

ولعل الحدث الأبرز الذي اكتسى دلالة كبيرة في هذا الصدد هو إعدام العقيد محمد شعباني، أصغر قادة الثورة الوطنيين سناً، بعد محاكمة صورية بتهمة الخيانة الوطنية سنة 1964، ولم تشفع له حتى مشاركته في عدوان نظام “الكابرانات” على المغرب في ما سُمي بحرب الرمال عام 1963، إذ هو الذي قاد شخصياً الهجوم الجزائري على مدينة فكيك. وقد وجهت له تهمة الخيانة الوطنية بسبب مواجهته العلنية والقوية لبومدين، متهماً إياه بالاعتماد على ضباط الصف، المجندين السابقين في صفوف الجيش الفرنسي، في إعادة هيكلة الجيش وتأطيره وبالتالي “خيانة الثورة ودماء الشهداء”، وهو ما كان بومدين يبرره بالتأكيد على ضرورة الاستفادة من الخبرات والتقاليد العسكرية التي راكمها هؤلاء خلال زمن الاستعمار.

وبعد إعدام العقيد شعباني خلا الجو لبومدين وأصحابه من “جماعة وجدة” فأطلقوا أيدي “كابرانات فرنسا” يرسمون مستقبل البلد على شكل نظام وظيفي تابع لدولة الميتروبول الاستعماري. والمقصود “بكابرانات فرنسا” هم ضباط الصف والضباط الحاملين لرتب صغرى من الجزائريين العاملين في الجيش الفرنسي، الذين جرى تدريبهم وتهريبهم لهذه الغاية، عشية إبرام اتفاقية إيفيان، وذلك من خلال مسرحية هزلية أشرفت على إخراجها المخابرات العسكرية الفرنسية، ومثل فيها هؤلاء دور المجاهدين الغيورين الذين هربوا من الجيش الفرنسي لكي يلتحقوا بجيش التحرير الوطني. وكان من بين هؤلاء – على سبيل المثال لا الحصر – محمد العماري وخالد نزار (وهو ابن رحال نزار، الرقيب السابق في الجيش الفرنسي) والعربي بلخير، وإسماعيل العماري، وعبد القادر شابو، وعبد الله بلهوشات، وعبد المالك قنايزية، وخاصة سليمان هوفمان، وبقية رفاقهم ممن شاركوا في المسرحية ذاتها، وذلك بعدما رقوا أنفسهم من رتب “كابرانات” و”سرجانات” إلى رتب عقداء وعمداء وجنرالات.

وبطبيعة الحال فقد اشتغل هؤلاء وفق الرؤية التي حددها لهم بومدين والتي ألزمتهم بضرورة الاستفادة من الخبرات والتجارب التي راكمها الجزائريون من خلال انخراطهم في الجيوش الفرنسية. فقد كان “كابرانات فرنسا” قد ورثوا حينها خبرة وتقاليد عسكرية قمعية استعمارية إجرامية راكموها على مدى 132 سنة من الاستعمار، خلالها لعبت مختلف التشكيلات العسكرية التي أسسها الجيش الفرنسي من “أنديجان” الجزائر الفرنسية، في تثبيت الوجود الاستعماري في الأراضي الجزائرية، ومن ثم في بدء الانتشار والتوسع في المنطقة كلها في ملحمة إجرامية قل نظيرها في التاريخ خصوا الشعب المغربي بنصيب وافر منها على شكل مذابح وسلب ونهب وقمع، انتهى باقتطاع مساحات شاسعة من الأراضي المغربية وفرض الحماية على ما تبقى من تلك الأراضي.

وقد برزت من بين صفوف هؤلاء “الكابرانات-الضباط” شخصية رجل غامض، أشيع أنه هرب من صفوف الجيش الفرنسي المرابط في ألمانيا آنذاك ليلتحق بالثوار في تونس. وقد لعب هذا الذي سبقت الإشارة إلى اسمه دوراً حاسماً في التطورات التي شهدتها البلاد تحت حكم بومدين، ويتعلق الأمر بالعقيد سليمان هوفمان، الذي لا يعرف من سيرته الشخصية سوى أنه يهودي الديانة، إضافة إلى أنه شغل منصب مدير ديوان بومدين والمسؤول عن علاقاته مع “حركات التحرر”. وإليه تنسب مسؤولية إعدام العقيد شعباني، واغتيال الوالي مصطفى السيد أمين عام جبهة “البوليساريو” لرفضه تدخل المخابرات الجزائرية في شؤون الجبهة، وقرار طرد المغاربة من الجزائر سنة 1975، وكذا قرار الهجوم الجزائري-الليبي المشترك على الثكنة العسكرية في قفصة التونسية سنة 1972. وباختصار فقد كان العقيد سليمان هوفمان هو كاتم سر بومدين، و”حارسه الملازم” كما يقول الفرنسيون، ويبدو أنه لعب دور قناة التواصل الوحيدة بينه وبين الموساد الإسرائيلي والمخابرات الفرنسية.

وقد كان نصيب المغرب من مخططات “الكابرانات” في هذه المرحلة عدة قرارات استراتيجية منها: تأكيد الاستمرار في احتلال أزيد من 600 ألف كيلومتر مربع من أراضيه، وجعل العداء له عقيدة عسكرية ثابتة لدى الجيش، وطرد نحو 350 ألف مغربي من الجزائر، ثم شن حرب شاملة، مباشرة وغير مباشرة على المغرب بهدف التشويش على استعادته لصحرائه الغربية، وعرقلة مخططاته التنموية وذلك تحت شعار غير معلن هو “خير وسيلة للدفاع هي الهجوم”.

– رئيس تحرير مركزي سابق في وكالة المغرب العربي، مختص في الشؤون المغاربية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • عبد الله ب.
    الثلاثاء 18 نونبر 2025 - 11:45

    فعلا، الجيش الجزائري بقيادة خالد نزار وعبد العزيز مجاهد وشنقريحة وجبار مهنا وناصر الجن وآخرين عديدين..قتل من الجزائريين أكثر مما قتل الاستعمار الفرنسي حين كان محتلا للجزائر ودول المغرب العربي، فقد قتل بالفعل في العشرية السوداء وحدها أكثر من 250 ألف قتيل وأزيد من 20 ألف مفقود كما ورد في المقال، وما خفي أعظم وأفظع بالتأكيد..! ومع ذلك نشهد من ينبري ليكيل المديح و.. القداسة لعسكر قذر، مجرم، لا أخلاق له ولا مبادئ.. إلا ما تعلق بحقد وكراهية وإصرار على الكذب والافتراء وصناعة الإرهاب والوهم..!

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش