نهج علمي واعد للوقاية من السرطان .. تعزيز الخلايا السليمة واحتواء الالتهاب

نهج علمي واعد للوقاية من السرطان .. تعزيز الخلايا السليمة واحتواء الالتهاب
صورة: و.م.ع
الأحد 7 شتنبر 2025 - 00:00

يرى التصور التقليدي أن السرطان يبدأ بطفرة في الحمض النووي (DNA) تدفع خلية واحدة للخروج عن سيطرة الجسم، فتنمو دون قيود وتشكل ورمًا، قبل أن تنتشر الخلايا السرطانية إلى أعضاء أخرى. لكن الدراسات الحديثة تقترح أن هذه القصة، وإن لم تكن خاطئة، إلا أنها غير مكتملة.

وأشار تقرير مطول نشرته مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية إلى أبحاث جديدة تبيّن أن الطفرات الجينية المرتبطة بالسرطان – والمعروفة باسم “طفرات السائق” – توجد أيضًا في أنسجة سليمة لدى عدد كبير من الأشخاص. فمثلًا، تظهر هذه الطفرات في نحو ربع خلايا الجلد السليمة، وفي أكثر من نصف نسيج بطانة المريء لدى الأشخاص في منتصف العمر، كما تم رصدها في الرئتين والقولون والمعدة والمبايض وأعضاء أخرى.

لكن هذه الخلايا المتحوّلة لا تتحول دائمًا إلى أورام. ويبدو أن الخلايا السليمة المحيطة بها – خاصة تلك التي تحمل طفرات مفيدة – تؤدي دورًا دفاعيًا غير متوقع، حيث تتفوق عليها وتمنعها من الانتشار أو التحول إلى سرطان.

وتشير تجارب مخبرية أجريت على الفئران إلى أن الخلايا السليمة الحاملة لطفرات “مناسبة” قادرة على التغلب على الخلايا ذات الطفرات السرطانية، بل وحتى على أورام صغيرة مكونة من أقل من 100 خلية. وتستمر هذه “المنافسة البيولوجية” لسنوات، حيث يتراجع عدد الخلايا المتحوّلة ويزداد مع مرور الوقت. ومن هنا، برز اتجاه علمي جديد: فبدلًا من التركيز فقط على قتل الخلايا المسرطنة، قد يكون من المجدي تعزيز نمو الخلايا السليمة.

في تجربة لافتة نُشرت عام 2024، استخدم فريق بحثي بقيادة فيل جونز من معهد سانغر البريطاني دواء “ميتفورمين” – الشائع في علاج السكري – لتحفيز الخلايا السليمة على إنتاج تغييرات أيضية مشابهة لتلك التي تمنح الخلايا المتحوّلة تفوقًا تنافسيًا. وكانت النتيجة: توقّف نمو خلايا المريء الحاملة لطفرات PIK3CA المرتبطة بالسرطان.

في المقابل، تبيّن أن الأنظمة الغذائية الغنية بالدهون تعزز نمو هذه الخلايا غير السليمة، مما يدعم فرضية وجود علاقة بين السمنة وزيادة احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان.

رغم هذه النتائج الواعدة، فإن تصنيف الطفرات إلى “ضارة” أو “نافعة” ليس أمرًا بسيطًا. فالطفرات التي تقلل خطر الإصابة بالسرطان في نسيج معين قد لا يكون لها التأثير نفسه في نسيج آخر. على سبيل المثال، طفرة تقلل من خطر الإصابة بسرطان المريء، لم تثبت نفس الفاعلية عند اختبارها في الجلد.

ويجري حاليًا استخدام تقنيات مثل “كريسبر” لتسريع وتيرة البحث، حيث تتيح تعديل الجينات بدقة وفي وقت قصير، مقارنة بالتقنيات القديمة التي كانت تستلزم تربية فئران معدّلة جينيًا في دورات تمتد لسنوات.

جانب آخر من الصورة يتعلق بما يُعرف بـ”السرطانات غير الطفرية”، وهي تلك التي لا تبدأ بالضرورة من طفرة جينية، بل من التهاب مزمن ناجم عن عوامل بيئية مثل تلوث الهواء أو العدوى المتكررة أو حتى ارتجاع المريء.

ففي دراسة لافتة نُشرت عام 2023، ربط فريق بحثي بقيادة تشارلز سوانتون من معهد فرانسيس كريك في لندن بين تلوث الهواء والإصابة بسرطان الرئة لدى غير المدخنين. حيث أظهرت التجارب أن الجسيمات الدقيقة الناتجة عن التلوث تحفز استجابة التهابية في الرئة، تشجّع بدورها نمو الخلايا المتحوّلة إلى أورام.

واللافت أن معظم المواد المصنّفة كمسببة للسرطان لا تتسبب مباشرة في طفرات جينية، بل تضر الجسم عبر تنشيط التهابات مزمنة تؤدي بمرور الوقت إلى خلق بيئة حاضنة للسرطان.

استنادًا إلى هذه الاكتشافات، بدأ العلماء ينظرون إلى الوقاية من السرطان من زاوية جديدة: فبدل التركيز على استهداف الطفرات الجينية، يمكن توجيه الجهود نحو تنظيم الاستجابة المناعية والالتهابية للجسم.

في تجربة على الفئران، أثبتت أدوية تثبط بروتين “إنترلوكين-1β” – وهو مركب مناعي يرتبط بالالتهاب – فعاليتها في منع نمو الأورام الناتجة عن التعرض لتلوث الهواء.

مثل هذه الأدوية قد تُحدث نقلة نوعية في مجال الوقاية، خاصة بالنسبة للفئات المعرضة للخطر: كمن يحملون طفرات وراثية مثل BRCA، أو من سبق لهم الإصابة بالسرطان، أو من لديهم أنسجة ما قبل سرطانية مثل السلائل القولونية أو الآفات في الثدي والرئة.

ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وزيادة حالات السرطان عالميًا، فإن تطوير أدوية وقائية لا تركز فقط على “قتل الخلايا الخاطئة”، بل أيضًا على “تعزيز الخلايا السليمة” و”احتواء الالتهاب”، قد يشكل خطوة حاسمة في مسار مكافحة هذا المرض المعقّد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Meknassi
    الأحد 7 شتنبر 2025 - 01:02

    اللهم اعز العلماء الحقيقيين …

  • kamal
    الأحد 7 شتنبر 2025 - 01:38

    ههههه قبل أن أقرأ المقال علمت ان هذه الدراسة والاستنتاجات قام بها علماء اوروبيون والفاهم يفهم

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 9

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف