نور لا يطفأ

نور لا يطفأ
الخميس 26 فبراير 2026 - 23:39

في علاقة جوهر النور الإلهي بالعارف

في أعماق الوجود، حيث تسكن الكلمات قبل أن تُلفظ، والنفوس قبل أن تُخلق، ينبثق نورٌ لا يُطفأ؛ ليس لأنه مُحصَّنٌ من الرياح، بل لأنه الريحُ ذاتُها، والهواءُ، والشمسُ التي لا تُغيب. هذا النور هو حقيقةُ العارف الصوفي، ذلك الذي تجاوز ثنائية الصديق والعدو، والحب والكراهية، ليصير مرآةً صافيةً تعكس إرادةَ الحقّ دون تشويشٍ من هوى النفس أو ضجيج العالم. إنّ من يحمل هذا النور في قلبه لا يحقد، لأن الحقد ظلٌّ، والنور لا يُساكن الظلال.

والعارف الحقيقي ليس من يُظهر الكرامات، بل من يُخفي الأنا. ليس من يُعلّم الناس كيف يتكلّمون، بل كيف يصمتون حين يُراد بهم الشرّ، ويُحبّون حين يُراد بهم البغض. إنه ذلك الذي إذا دخل غضبٌ إلى قلبه، لم يجد فيه مكانًا يسكنه، لأن القلب قد اتّخذ النور ساكنًا له، فلا يتّسع لغيره.

1 العارف الصوفي كمرآة للإرادة الإلهية

العارف لا يرى في الكون سوى تجلٍّ واحد. كلّ حادثٍ، كلّ نفسٍ، كلّ كلمةٍ — حتى تلك التي تُرمى كالحجارة — هي من نسج الإرادة الإلهية. ومن هنا، لا يثور العارف على ما يجري، ولا يندفع نحو التغيير العنيف، بل يتأمل في الحكمة الخفية، ويُدرك أن ما يبدو شرًّا في الظاهر قد يكون رحمةً في الباطن.يقول ابن عربي: «لو علمتَ ما في البلوى لَما اخترتَ لها بديلًا». وهذا العلم ليس عقلانيًّا فحسب، بل بصريٌّ قلبيٌّ. فالعارف يرى بأعين القلب، فيدرك أن من يريد أن يُخرجه من طريقه، إنما هو أداةٌ في يد القدر ليُمحّص نوره، لا ليُطفئه. ولذلك، لا يُقابل العارف العداء بالعداء، بل بالتفهّم، بل بالشفقة، بل بالدعاء.

2 الحقد والبغض كظلال تناقض النور

الحقد ليس مجرد شعورٍ مؤقتٍ، بل هو سجنٌ ذاتيٌّ يبنيه الإنسان لنفسه. وهو أبعد ما يكون عن الحرية، تلك التي ينشدها العارف. فالحقد يُربِط القلب بمن أساء إليه، فيصير أسيرًا له، بينما المحبة تُحرّره من كلّ رابطةٍ غير رابطة الله.

والبغض، كذلك، هو انطفاءٌ تدريجيٌّ للنور الداخلي. كلّ مرةٍ يكرر فيها الإنسان مشهد الإساءة في ذهنه، يُطفئ شمعةً من شموع قلبه. أما العارف، فيمحو المشهد من ذاكرته، لا نسيانًا، بل تساميًا. فهو لا ينسى، لكنه لا يسمح للماضي أن يسرق منه حاضره.

3 الكراهة خروجٌ من دائرة الإنسانية

الإنسان الكامل — كما يراه الصوفية — هو من يجمع بين العقل والقلب، بين الحكمة والرحمة. ومن يكره، يفقد هذه الثنائية، فينحدر إلى مستوى الغريزة، حيث لا مكان للتفكير، ولا للتعقّل، ولا للتجلّي. الكاره لا يرى في الآخر إنسانًا، بل عدوًّا، وبالتالي يبرّر لنفسه كلّ أنواع العنف، اللفظيّ والقلبيّ والعمليّ.

أما العارف، فيرى في كلّ وجهٍ وجهَ الله، وفي كلّ صوتٍ صدى الوجود. حتى من يرفع عليه السيف، يرى فيه عبدًا ضالًّا، لا عدوًّا مستحقًّا للعقاب. وهكذا يبقى داخل دائرة الإنسانية، بل يتوسّع بها ليشمل كلّ الموجودات.

4 المحبة ككمال وجودي وصفاء روحي

المحبة عند العارف ليست عاطفةً عابرةً، بل حالةُ كمالٍ وجوديّ. هي التي تجعله يرى الجمال في القبح، والحكمة في الفوضى، والنور في الظلمة. يقول رابعة العدوية: «يا رب، إن كنتِ تعذّبني بالنار، فأنا أحبّك، وإن كنتِ تُدخلني الجنة، فأنا أحبّك». هذه المحبة لا تنتظر مقابلًا، ولا تُقيّد بشروط، بل هي تدفّقٌ ذاتيٌّ من النور الذي لا ينضب.والعارف لا يحبّ لأن الآخر يستحق، بل لأنه هو نفسه نبعُ المحبة. فالمصدر لا يسأل عن استحقاق المصبّ، بل يفيض لأنه طبعُه الفيض.

5 كيف يرى العارف أعداءه؟

ليس في عالم العارف “أنا” و”أنت”، بل “نحن” في ذات الحق. لذلك، لا وجود للعدو الحقيقي. من يُعاديه إنما يُجاهد في ذاته، لا في غيره. والعارف يعلم أن كلّ محاولةٍ لإيذائه هي في الحقيقة اختبارٌ لنوره: هل سيصمد؟ أم سينطفئ؟

ولهذا، لا يردّ العارف إلا بما يُحيي، لا بما يُميت. قد يصمت، وقد يبتسم، وقد يدعو، لكنه لا يُبغض. لأنه لو بغَض، لكان قد شكّ في حكمة الله، ولقال ضمنيًّا: “لو كنتُ مكانك يا رب، لما سمحْتُ بهذا”. وهذا نوعٌ من المعارضة الخفية للإرادة الإلهية، وهو أبعد ما يكون عن مقام العارفين.

6 التجليات العملية للتسامي:

-القِلّة

-الصمت

– الرحمة

لا يكفي أن يؤمن العارف بهذه المبادئ، بل يجب أن يتجسّدَها. فيعيش القِلّةَ اختيارًا، لا اضطرارًا؛ فيملك كلّ شيءٍ ولا يملكه شيء. ويختار الصمتَ حين يُغريه اللسان بالردّ، لأنّه يعلم أن بعض الكلمات تزرع الشوك، لا الورد. ويمارس الرحمةَ حتى مع من لا يستحقها ظاهريًّا، لأن الرحمة ليست جزاءً، بل هبةٌ من نور القلب.

وقد كان الجنيد يقول: «العارف من إذا نظرتَ في وجهه، رأيتَ الله». وليس ذلك لأن وجهه مُضيءٌ، بل لأن قلبه خالٍ من كلّ شائبةٍ تحجب النور.

7 النور الذي لا يُطفأ: ثبات القلب في عاصفة الأحداث

في زمن الفتن، حين يشتدّ البلاء، ويكثر الحاقدون، ويستشري البغض، يبقى العارف كالجبل: لا تهزّه العواصف، ولا تغيّره الليالي. قلبه ثابتٌ على المحبة، لسانه رطبٌ بالذكر، ونظره دائمٌ إلى المعنى، لا إلى المظهر.

هذا الثبات ليس جمودًا، بل حركةٌ داخليةٌ عميقةٌ لا تُرى بالعين، لكنها تُحسّ كالنسيم الذي يُحيي الأرض بعد الجدب. والنور الذي يحمله لا يحتاج إلى وقودٍ بشريّ، لأنه مستمدٌّ من مصدر النور الأعظم، الذي قال عنه الحقّ تبارك وتعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.

خاتمة

دعوة إلى ولوج نفق النور الداخلي

أيّها الإنسان، لا تبحث عن النور في الآخرين، فكلّهم مرآةٌ لك. ابحث عنه في داخلك. اكسر أواني الحقد، وأفرغ قلبك من الكراهية، وامحُ من ذاكرتك صور العداوة. ثم اجلس في صمتٍ، واسأل نفسك: من أكون حين لا أحد يؤذيني؟ من أكون حين لا أحد يمدحني؟ من أكون حين لا أحد يراني؟

حين تجد الجواب، ستجد النور.

ونورٌ كهذا… لا يُطفأ.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • amaghrabi
    الجمعة 27 فبراير 2026 - 07:59

    كلام جميل سيذي احمد المحترم واليوم أدركت من خلال مقالك مفهومك للصوفية بحيث من قبل كنت أعتقد أنك تتكلم على الفرق الصوفية الموجودة في مجتمعنا وهي فرق مسالمة على العموم ولكن في محتواها في كثير من الاحيان عفن يزكم الانوف أما مقصودك كما فهمت اليوم أنك تتحدث عن المواطن الصالح الذي يحمل قيما انسانية من صدق في العمل ورحمة اتجاه مخلوقات ربنا بصفة عامة ويتصف بصفة الصبر حينما يتلى مظلم سياسية او اجتماعية وبالتالي فالصوفي الحقيقي هو من يحب لغيره ما يحب لنفسه او يؤثر مصالح غيره عن مصالحه وبالتالي ان كان قصدك التصوف الفردي الذي يحمل قيما انسانية جميلة فانني معك اما ان كان القصد الانتماء الى هذه الفرق المتصوفة التي جعلته مكسبا للرزق فذلك شيئ اخر لا صلة له بالمباذئ الانسانية السامية رغم ان التصوف في الزوايا لا يضر احدا ولا ينشر الاحقاد او الكره في المجتمع وانما هم منعزلون في معابدهم

  • MC
    الجمعة 27 فبراير 2026 - 18:28

    “God, if I worship You for fear of Hell, burn me in Hell, and if I worship You in hope of Paradise, exclude me from Paradise. But if I worship You for Your Own Sake, grudge me not Your everlasting Beauty”
    ​
    “يا رب إن عبدتك خوفاً من النار فأحرقني بها، وإن عبدتك رجاءً للجنة فحرمني منها، وإن عبدتك لذاتك فلا تحرمني جمال وجهك الأبدي”
    Rabia al-Adawiyya
    (717 م -796 م)

    “Be tolerant with others and strict with yourself”
    “كن متسامحًا مع الآخرين وصارمًا مع نفسك.”
    Marcus Aurelius

    “Aime la vérité, mais pardonne à l’erreur”
    “أَحِبَّ الحقيقة، لكن اعفُ عن الخطأ.”
    Voltaire

    أستاذي،
    شكرًا لك على هذا المقال الرائع الذي يذكّرنا بأن العارف يتجاوز الحقد لا بانتظار المثالية في الآخرين، بل بتطهير الداخل أولاً، فالصمت أمام الشرّ ليس ضعفًا بل قوة تسامٍ، والرحمة هبة تُحيي القلوب اليابسة. أفكر أن في زمن الفتن هذا، يصبح نورك دليلاً لمن يبحثون عن الثبات، محولاً العداوات إلى دروس حكمة داخلية عميقة. لقد أيقظتَ فيّ تأمّلاً بأن المحبة الحقة لا تُقاوم بل تُفيض، فهي كالشمس التي لا تسأل عن الغيم.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان