عيّن الملك محمد السادس الروائي المغربي بنسالم حميش، وزيراً جديداً للثقافة خلفاً للفنانة المسرحية ثريا جبران اقريتيف بعد التعديل الجزئي الذي طرأ على حكومة الفاسي، وهو التعديل الذي عرف بالإضافة إلى حقيبة وزارة الثقافة، ترضية الأمين العام للحركة الشعبية امحند العنصر بحقيبة فارغة كوزير للدولة لشغل مكان حزب الأصالة والمعاصرة الذي خرج من جبة حكومة عباس ليجرب المعارضة ويتمرس على أبجدياتها، ومنصف اليازغي الذي تحمل حقيبة وزارة الشباب والرياضة بلون الأحرار بدل العداءة المغربية نوال المتوكل، والحركي محمد أوزين كاتبا للدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون.
وزارة الثقافة التي أصبحت حقيبة اشتراكية بامتياز بعد أن تناوبت على تسيير دفتيها أسماء تنتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي بدءا من الوزير السابق محمد الأشعر ي الذي قضى على رأسها ولايتين متتاليتين مع حكومة الاشتراكي الذي كان، الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي فيما عرف آنذاك بحكومة التناوب التوافقي، ومع حكومة التيقنوقراطي رجل الأعمال المعروف إدريس جطو، الذي كان تعيينه وزيرا أول في حكومة قال عنها الاتحاد الاشتراكي في إدبانه أنها لم تحترم فيها المنهجية الديمقراطية، فتم التخلي عن المجاهد عبد الرحمان اليوسفي الذي رجع غاضبا إلى كان الفرنسية، كما كان يفعل دائما وهو كاتب أول للاتحاد الاشتراكي كلما وجهت إليه انتقادات ومؤاخذات إخوانه في الحزب، مرورا بابنة الشعب ثريا جبران كما نعتها عديدون من الإخوان الذين انقضوا بمجرد توزيرها على مناصب ومسؤوليات في ديوانها، ثريا التي تم حسبها على الاتحاد الاشتراكي وإن كانت لم تبطق ببطاقة الحزب في يوم من الأيام ، وصولا إلى عضو المجلس الوطني للحزب المثقف بنسالم حميش، ولولا سقطة الأشعري الانتخابية خلال تشريعيات شتنبر 2007 بمسقط رأسه مكناس الزيتونة لما استمر على راسها لولاية ثالثة، لكن سقطة الوزير الشاعر المعروفة ضيعت عليه لقب وزير ثقافة اشتراكي مخضرم، ويبقى عزاؤه أن ابن بلدته حميش هو من يسير اليوم الحقيبة العجيبة التي أممها الاتحاد الاشتراكي وأصبحت وزارة خاصة به دون غيره من الأحزاب.
إذا كان صاحب رواية “مجنون الحكم” قد عبر خلال حفل تسليم السلط بينه وبين ثريا جبران، عن التزامه بمواصلة الورشات الثقافية الجاري تنفيذها، والعمل على تحسيس جميع الفاعلين المعنيين بالشأن الثقافي بأهمية الاستثمار في هذا القطاع من اجل تقديم صورة عن المغرب، مغاربياً وعربياً ودولياً، كبلد متعدد الروافد والمكونات الثقافية، فإن الرجل الذي تمرس على ثقافة الصالونات والبريستيج، وهو من قرع أبواب لغات أجنبية أخرى إلى جانب لغة موليير التي يكتب ويؤلف بها مثل الإسبانية التي خطا فيها خطوات موفقة، والإنجليزية التي يقول إنه يقرأ بها، لاشك انه سيصطدم بطاقم من المثقفين ورثه عن ثريا جبران، معروفين في الوسط الثقافي بمثقفي الغنائم والامتيازات.
حميش الذي كان حتى وقت قريب يصنف نفسه ضمن خانة المثقف المستقل المتحرر من قيود الآيديولوجيا الصارمة، والحزبية الضيقة وما يستتبعها من مصلحية وطموحات منصبية، وحميش الملتحق بحزب الاتحاد الاشتراكي بعد انسحاب الجابري أحد كوادر ومثقفي الحزب من الواجهة الحزبية، وبعد أن خفت سحر جاذبية المعارضة وقوة المواقف والمبادئ التي كان يمثلها حزب القوات الشعبية ذات زمن، وكان يلهب بها حماس الجماهير من الطبقات الشعبية الفقيرة والكادحة من خلال النضال الجماهيري والنضال داخل البرلمان، وبعد أن تحول من حزب معارض لا يهادن السلطة إلى حزب سلطة حاكم، واستطاب النافدون في هياكله التنظيمية وأجهزته التقريرية سحر السلطة وكراسي المناصب الوثيرة وامتيازاتها.
حميش المثقف المتمرد على القوالب الأدبية الجاهزة، هل سيتمرد على السلوكيات والمسلكيات التي عششت في دوالب واقسام وزارة الثقافة، والتي يراد لها أن تدبر قطاع يقاس مدى تقدم البلدان والأمم وتطور الوعي لدى شعوبها بمدى حجم اهتمامها بالثقافة ومثقفيها العضويين الملتصقين بهموم وانشغالات وطلعات أبنائها.
صفة الإصرار والتحدي والرفض التي قيل أن حميش كان يتصف بها ، هل تفيده دون أن يبيع صوته أو يخون قناعاته في الوقوف في وجه الشلة إياها؟ وهل لحميش مقدرة إدارية على تدبير قطاع بحجم الثقافة في المغرب، الضعيف الإمكانيات، والكثير الرغبات والطموحات من طرف المنتسبين إليه؟
تساؤلات واستفسارات مشروعة، يطرحها الجسم الثقافي المغربي والمشتغلون بالإبداع الفكري والثقافي والفني بمختلف مجالاته وألوان الخلق والإبداع فيه، كتاب وفنانون ومثقفون على الوزير بنسالم حميش وهو يدخل حقل ألغام ويقترب من قطاع مفخخ بحجم قطاع الثقافة في هذا البلد السعيد.
وهذا ليس بعزيز على حميش المبدع في ألوان عديدة من الكتابة الإبداعية، حيث بدأ الرجل بالشعر المتحرر من البلاغة الكلاسيكية، ليطول مكوثه في محراب الرواية التي دخلها دخول الفاتحين حينما انتزع عام 1990، وسط منافسة قوية، جائزة مجلة “الناقد” اللندنية، عن روايته الحدث في ذلك الوقت “مجنون الحكم”، والتي استوحى أحداثها وشخوصها ببناء فني رائع من تاريخ حكم الفاطميين لمصر، وهي الرواية التي أسقط فيها حميش أحداث الماضي على الحاضر، وترجمت إلى عدة لغات أجنبية، مما فتح له أبواب الشهرة في منافسات أخرى، فيكافأ مرتين على اهتمامه بابن خلدون، بجائزة عن روايته “العلامة”.
ذلكم هو المثقف الوزير بن سالم حميش.. هل ستسعفه ثقافة الصالونات لفك الارتباط بمثقفي الغنائم والامتيازات؟؟ وثقافة الصالونات في هذا السياق ليس بمعناها القدحي على الإطلاق.
هنيئا لوزارة الثقافة برجل مثقف,مبدع روائي وأستاذ جامعي,منفتح على الثقافات الأخرى.فالعولمة الثقافية تقتضي على رأس وزارة الثقافة رجلا منفتحا على الثقافات الأخرى.أما ثريا جبران رغم كونها ممثلة قديرة,فهي لا تصلح للمنصب.إذ أقصى ما فعلته هو تعيين مقربين منها في مناصب المسئولية(عبد الواحد عوزري زوجها ;وصديقه القديم حسن النفالي.حسن نجمي,محمد بهجاجي وصديقتها نعيمة الحريفي كمديرة للمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي).كما تكالب على عهدها الانتهازيون وأصبحوا يتحكمون بدواليب الثقافة,حيث تمت مجموعة من التوظيفات المشبوهة كان آخرها توظيف الممثلة بشرى أهريش بوزارة الثقافة.
كما عرف عهد ثريا جبران أسوأ موسم مسرحي حيث تحكم منطق الإرضاء والعلاقات الشخصية خلال عملية دعم العروض وانتقاءها ضاربة عرض الحائط بمعياري الجودة والتنافسية.مما أفرز موسما مسرحيا هزيلا بشهادة كل متتبعي الدورة الأخيرة لمهرجان مكناس للمسرح الإحترافي.أما عن مقولتها عن الدعم المسرحي “إننا نوزع الفقر على الفرق المسرحية” وعن وعودها بالرفع من قيمة الدعم المخصص للأعمال الجيدة.فالعكس هو ما حصل.إذ على عهدها تم تفقير الفرق المسرحية, ماديا من خلال هزالة المبالغ الممنوحة للإنتاج,كما تم إفقارها فنيا من خلال تشجيعها للأعمال التي تفتقر للخيال,والتي أصبحت تمثل المغرب في مختلف المهرجانات العربية والدولية.(على سبيل المثال عرض بلادي لشركة عبد الكبير الكاكنة والممثلة للطيفة أحرار والتي بالمناسبة عوض أن تؤدي وظيفتها بوزارة الثقافة فهي تجول العالم على حساب دافعي الضرائب.حيث تمثل المسرحيين في كل المؤتمرات العالمية هي وعرضها الليلة الأخيرة).
أما أسوأ كارثة لتريا جبران ومرتزقتها فهو الدورة الأخيرة للمعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء,حيث أدخلت مفهوما جديدا للثقافة ألا وهو تقريب الكتاب من القارئ عبرسهرات الداودية والستاتي.أما على مستوى المعرض فلم يجد محبو القراءة ما يقتنونه لرداءة الكتب المعروضة.
حسنة وحيدة تحسب لثريا جبران أن وزارة الثقافة أصبحت على عهدهاوزارة للإحسان,حيث أصبح الدعم المسرحي يوزع على الرواد كنوع من الإحسان دون اعتبار للقيمة الفنية(الطيب الصديقي مثلا السنة الفارطة تم منحه أكبر مبلغ للدعم المسرحي,ومع ذلك,لم يقدم عرضه أمام لجنة الإنتقاء,كما لم يقم بالجولة التي التزم على القيام بها مع وزارة الثقافة .بل الأفظع من كل ذلك فقد باع نفس العرض للقناة الثانية,وحين عرضه بالقناة هاتف اللجنة ساخرا:يمكنكم الليلة أن تشاهدوا عرضي المسرحي متلفزا).
أما الحسنة الثانية لوزيرة الثقافة ثريا جبران فهي حضورها لكل المهرجانات الفنية وتقبيلها للمسئولين والفنانين بمناسبة أو بدونها حتى لقبت بالحاجة البواسة.
هذا دون الحديث عن طرائفها خصوصا حين تمثل المغرب في إحدى دول العالم(تحدثت في روسيا بفرنسية ركيكة عن كونها سعيدة بتشريفها كوزيرة للثقافة من طرف جلالة الملك الحسن الثاني.هادي مريضة بالزهايمر عاد غادي تقاد وزارة الثقافة.هادي شي نهار تنسى وتدخل لوزارة الفلاحة).
إن تعيين ثريا جبران على رأس وزارة الثقافة كان خطأ كارثيا أفتاه غباء شخص إسمه الهمة يحسب المثقف العضوي هو من يستطيع أن يصدح بحنجرته عاليا كالنكافات.
بسم الله الرحمن الرحيم
الثقافة في المغرب تندرج ضمن سياسة تدجين العقلية المغربية ؛ لذلك لا يرتاح حكام البلاد إلا إذا أسندت الثقافة الى حزب ينظر بمنظار أجنبي في تفكيره ، وفي مشاريعة الثقافية …يحضرني حدث تأسيس أحد فروع اتحاد كتاب المغرب ، وكان أثناءها محمد الأشعري رئيسا له .لقد أحرج الأشعري الاشتراكي الوفي للاشتراكيته المهزومة ، على الرغم من سقوط مصادرها في لكريملين وتثتت قصاصاتها من على قمة جدار برلين ، أحرج الرجل لما طرح عليه أحد الحاضرين سؤال: لماذا تتعاملون مع اتحاد كتاب المغرب وكأنه غرفة للاشتراكيين فقط من حيث الانضمام ومن حيث تقديم الجوائز المجانية لمنتسبي الحزب خلال المسابقات الثقافيةو..و.. أربك الرجل وقال بلغة غير المتمسك أعصابه : نحن لا نواجه الناس بالسيوف ولا بالعصي. ضانا منه أن طارح السؤال ينتمي الى جماعة اسلامية مجاهدة . بعد الأشعري المعروف بعجرفته ، وعدم قبوله الحوار الذي يخالفه الرأي ؛ ويتبين ذلك دائما من خلال ردود أفعاله التي لا تعبر عن مفهوم الثقافة والتحاور..بعده جاءت ثريا جبران التي التقطوها من على خشبة المسرح وهم يعتقدون بإن التنظير هو الممارسة ، وشتان مابينهما ؛ صرخت في كل المسارح وانتقدت وازبدت وأرعدت ، فلما منحت وزارة الثقافة ابتسم وقبلت الأيادي ووظفت الزوج والصديق ورمت بالثقافة في قاع البحر..
عجيب أمر هؤلاء الاشتراكيين يصرخون ويدعون الدفاع عن الطبقات الشعبية المقهورة في ما أسموه بوغى الصراع الطبقي، وعندما يوضعون في موقع المسؤولية ، يقمعون الحريات وينهكون المحرومين ويدجنون الثقافة ويمارسون البيروقاطية السياسية والثقافية..وحكومة اليوسفي التناوبية كنسخة موثقة على مانقول شاهدة على ذلك ..هذه ثقافة الانتهازيين الذين يعملون بمنطق الغاية تبرر الوسيلة..
بالنسبة لحميش بن سالم لا أضن بأنه سيخرج عن إطار اللعبة ، سنسمع عما قريب تسلل الأصدقاء في إطار توظيفات مشبوهة ، وسنسمع عن تشجيع للثقافة ذات البعد الحزبي . لماذا لأن الوزارات في المغرب ليست وزارات مؤسسات بل وزارات أشخاص وأهواء..
ترقبوا المستجدات مع فترة حميش .وسننتقل من مجنون الحكم الى مجنون الوزارة.
حقل التقافة يمكن اعتباره من اصعب الحقول,ان على مستوى مكوناته,او محيط امتداده الزمكاني,وتبعا لذلك تدبيره.قد لا نختلف حول رصيد الاستاذ بن حميش النضالي ثقافيا وسياسيا,الذي يؤهله لهذه المهمة على حجم صعوبتها,دون ان نعدم الامل في قدرته علي بصم مرحلته ببعض الالق في عتمة الغسق. الا ان خشيتنا ابدية من البطانة التي تمسك بمخالب شرورها في هذا الجسد الذي يفترض فيه ان يظل في مناى بنفسه عن مظاهر الفساد التي تنخر المشهد العام ببلادنا.مع متمنياتي للسيد الوزير بالتوفيق في مهمته التي نعتبرها رافعة اساسية لكسب اي رهان مستقبلي.