شغلت دولة قطر الناس، وعلا صوتها في المحافل الدولية، وسادت صورتها في العالم كأصغر دولة في العالم لها من النفوذ والتأثير القدر الكثير.
وبين ذراع الإعلام، المتمثل في قناة الجزيرة، وذراع الغاز استطاعت قطر أن تتبوأ في مدة زمنية قصيرة مكانة خاصة وتصبح ماركة مسجلة لها سلطة وحظوة في المحافل الدولية بشتى مشاربها وتوجهاتها.
استطاعت دولة قطر المسك بقفاز من حرير بالكثير من الملفات الحساسة في الشرق الأوسط، وأضحت قبلة ومحجا للكثيرين من أجل خلخلة الكثير من النزاعات والخلافات بين الدول وبين والفصائل والحركات المتمردة، وحتى بين الأشخاص، في مصالحات تاريخية كانت تحمل في طياتها الكثير من نفحات دوحة قطر.
وبين متاجر (هارودز) الشهيرة في قلب لندن التي استحوذت عليها قطر، وبين حيازتها لشرف تنظيم حدث عالمي في حجم كأس العالم في كرة القدم لسنة 2022، كان الأمر يحتاج إلى كثير من الفهم والتحليل والتفسير لهذه القوة الهائلة التي أضحت تمثلها واحدة من أصغر دول العالم.
لم يكن يسأل أحد، عندما كانت قطر تستقبل الكثير من شخصيات حركات المقاومة والتمرد في العالم الإسلامي من الفلبين والصين وبورما وأفغانستان والكثير من البلدان العربية الأخرى، هل كانت قطر تتصرف باستقلالية عن المتحكم في القرار السياسي في الشرق الأوسط؟
لم يكن أحد يشك في أن دولة قطر وهي تسهم في تبريد وتفكيك الكثير من جبهات الصراع في منطقة الشرق الإسلامي وفِي العالم العربي، بمنهجية الصلح حينا ومنهجية التعويض أحيانا أخرى، وتقريب وجهات النظر التي عرفت بها دولة قطر، لم يكن أحد يشك بأن قطر تؤدي دورا في السياسة الدولية رُسم لها بعناية فائقة.
كما لم يشك أي أحد في أن قناة الجزيرة التي خرجت من رحم (البي بي سي) البريطانية لتستوطن الدوحة، أعطيت لها إمكانات ضخمة، واختير لها منذ اليوم الأول أن تلعب دور المحرك لعدد من الطابوهات السياسية والفكرية التي كانت منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعتبرها من المحرمات، لغاية كامنة في نفس يعقوب.
في السياق نفسه، اعتُبر استضافة قطر لواحدة من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في أراضيها (العيديد) علامة من علامات الانتماء السياسي، على اعتبار أن هذه القاعدة هي حماية وتشريف وتفضيل لدولة قطر على سائر دول المنطقة؛ وعلى رأسها المملكة السعودية.
كما اعتبر حفاظ دولة قطر علي علاقات جيدة مع القوى الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط كإيران وتركيا وباكستان وإسرائيل حنكة سياسية وبعد نظر استراتيجي، أعطاها تميزا في الحضور الإقليمي واستقلالا في الرأي والقرار السياسي.
كل هذا وغيره كان يَصبّ في اتجاه أن دولة قطر كونت لنفسها مناعة سياسية واقتصادية أعطتها القدرة على الوقوف في وجه الكثير من القلاقل التي كانت تمثل خطرا على وجودها تأتيها من جيرانها، إما حسدا أو غيرة أو تسلطا.
ولعل مقياس نجاعة هذه المناعة كان هو قدرتها الى مواجهة الكثير من التدخلات في شأنها المحلي من لدن السعودية، الدولة الكبرى في المنطقة، وامتصاص الكثير من مظاهر غضبها، بالمواجهة الإعلامية حينا، وبتدوير المواقف والمواقع حينا والانحناء لعاصفة المزاج السعودي العام أحيانا أخرى.
بين عشية وضحاها، وجدت دولة قطر نفسها بين كماشتين، كماشة حصار اقتصادي خانق على الأرض وفِي الجو والبحر، فرضته السعودية بالدرجة الأولى باعتبارها المتنفس البري الوحيد لدولة قطر، بدعم من دولتي الإمارات والبحرين، وكماشة حصار سياسي كبير علامته الأولى اتهامها برعاية الإرهاب بتصريح رسمي من رئيس أمريكا.
بين عشية وضحاها، أصبحت قطر مادة وحيدة لحملة جلد كبيرة على القنوات السعودية والإمارات العربية، يشارك فيها كتاب وصحافيون من مصر تحولوا، بقدرة قادر وفِي لمحة بصر، من التركيز على وهابية السعودية إلى إخوانية قطر، ومن الاهتمام بجزيرتي تيران وسنافر المتنازع عليها مع السعودية، إلى التركيز على أخونة وشيطنة قطر.
وبين عشية وضحاها، أضحت قطر دولة راعية للإرهاب؛ لأنها تحتضن جماعة الإخوان المسلمين، وتستنصر حركة حماس، وتدعم النصرة في سوريا.
هل، بالفعل، سبب هذا هو نقض قطر لعهودها التي وقعت عليها لإخوانها الخليجيين والمتمثّلة في وقف الرموز الدينية عن التحريض ضد دول الخليج، وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، إبعاد العناصر المعادية لدول الخليج عن أراضيها، وقف التحريض الإعلامي ضد مجلس التعاون وضد مصر، ثم وقف دعم الإخوان واحتضانهم؟
ما هو موقع دولة قطر من الإرهاب، بدءا من القاعدة في أفغانستان وانتهاء بداعش في العراق وسوريا، مرورا بأحداث 2001/09/11 بأمريكا؟
هل قانون (جاستا)، بكل حمولاته الترهيبية، كان موجها في اتجاه قطر أم في اتجاه دولة أخرى؟
هل لقطر علاقة بالخلفية الفكرية والعقائدية والمذهبية التي تغدي الجماعات الجهادية المتهمة بالإرهاب؟
هل تمثل قطر كل هذا الخطر الإرهابي على الأمن والسلم في الخليج وفِي العالم؟
لماذا كان التعامل مع قطر هذه المرة أكثر شدة وعدوانية بالمقارنة مع أحداث سنة 2014 التي اكتفت فيها دول الخليج بسحب السفراء فقط؟
هل كان لإدارة الرئيس أوباما دور في تهدئة الوضع وإرجاع الأمور إلى نصابها، عكس الرئيس الحالي الذي أجج الوضع وأسهم في بلوغه مراحل متقدمة من الخلاف؟
هل قطر دولة إرهابية؟
وإذا كان الأمر كذلك، ومنذ وقت قديم كما عبر عن ذلك الرئيس الأمريكي، لماذا لم يصرح أحد بذلك، لا سرا ولا علانية، كما هو الشأن بالنسبة إلى إيران الموضوعة على رأس الدول الراعية للإرهاب، أو السعودية المتهمة بالرعاية المذهبية لداعش وأخواتها؟
الظاهر أن كلمة السر في كل ما يجري هي إيران، والباقي تفاصيل والشيطان يكمن دائما في التفاصيل.
امتصاص الصدمة كان هو السمة البارزة التي ميزت الوضع في دولة قطر، وظهور بدائل لوجستية قريبة في إيران، التي فتحت أجواءها وموانئها أمام الطائرات والبواخر القطرية، أسهم في التخفيف من وقع صدمة المقاطعة الاقتصادية. أما المقاطعة السياسية فلم تكن بالزخم التي كان تأملها السعودية، لأن الدول التي قطعت علاقتها مع قطر لم تتعدّ أصابع اليدين عدديا، وكميا ليس لها ذاك الثقل الدولي المأمول.
كما أن قرار البرلمان التركي بالموافقة على مشروع قانون يجيز إرسال قوات برية وجوية الى القاعدة التركية في قطر، تطبيقا لمعاهدة الدفاع المشترك بين البلدين، ومصادقة أردوغان على القرار، اعتبر طوق نجاة سياسي أرسله الأتراك لحليفهم الوثيق للتخفيف من هول الصدمة.
في الوقت نفسه اعتبرت الزيارة التي قام بها محمد جواد ظريف، وزير خارجية ايران، إلى أنقرة، وسط تزايد الحديث عن احتمال تشكيل محور تركي إيراني عراقي في مواجهة المحور السعودي الإماراتي البحريني المصري، إشارة ذكية في اتجاه رسم مسار آخر للقضية واستغلالها في الصراع الرئيسي الذي يميز المنطقة بين السعودية وإيران.
إذا أضفنا لهذه المسارات تصريحات بعض الدول ذات الوزن الثقيل في العالم، والتي اتجهت صوب ضرورة التهدئة واعتماد منهجية الحوار كأداة للتعاطي مع الخلاف بدل الحصار، وبعض التحليلات الوازنة عالميا التي اعتبرت المقاطعة والحصار هي إجراءات عدائية وليست أخلاقية ولا قانونية، سيتضح أن نهج الخيار الدبلوماسي الذي اختارته قطر كرد فعل، اعتبر اختيارا صائبا ما دام وزير خارجية قطر، في جولاته المكوكية، يعطي الانطباع بأن قطر تريد التهدئة ولا تريد التعامل بالمثل.
ماذا لو تعاملت قطر بالمثل وأعادت إلى مصر العمالة المصرية التي تتعدى 300000 مستخدم، أو قررت توقيف استثماراتها التي تمثل دعما قويا للاقتصاد المصري؟
ماذا لو ألغت قطر اتفاقية أنبوب الغاز مع الإمارات الذي يزودها بأزيد من 30% من حاجياتها الغازية؟
ماذا لو فتحت قناة الجزيرة الملفات المتعددة والمتنوعة المرتبطة بالأسرة الحاكمة في السعودية وأختها في الإمارات؟
ماذا لو استدعت قناة الجزيرة جيشها التحليلي لتناول الوضع في السعودية والإمارات، لا من ناحية الأحداث أو الأَعْراض، تماما كما فعلت قناتا العربية وسكاي نيوز؟
تبدو البدائل الإستراتيجية لقطر متوفرة بالقدر الذي يعطيها هامشا للمناورة، على الأقل للخروج بأقل الخسارات الممكنة، ولكي تستطيع الصمود في وجه الإعصار السعودي الجارف.
هل تستطيع قطر استخدام أوراقها الاقتصادية آنفة الذكر عند استنفاد الاختيارات الدبلوماسية؟
وإذا استخدمتها من يضمن عدم قيام السعودية وحلفائها بغزوة عسكرية تعيد بها ترتيب الأمور في قطر، عملا بمقولة (من الصعب جدا تغيير السياسات دون تغيير الأنظمة)؟
هل تدق السعودية وحلفاؤها طبول الحرب في منطقة الخليج؟
هل ستخسر السعودية قطر، بعدما خسرت العراق واليمن ولبنان؟
لا يخفى أن السعودية بقيادتها الجديدة، الشابة منها على وجه الخصوص، حسمت في موضوع فرض سلطتها القصوى على منطقة الشرق الأوسط، وليس مهما بماذا وكيف، المهم هو تثبيت هذه الهيمنة ومن يقف في طريق هذا الهدف يُدهس بحزم وحسم، وقطر منذ مدة تقف في وجه هذه الهيمنة، وحان وقت كسرها، وإذا لم تنفع العقوبات والحصار والشيطنة، فالبديل جاهز، الحرب.
مرحلة حظوة قطر في العالم انتهت، واعتبارها دولة راعية للإرهاب من لدن صانع القرار الأمريكي أكيد سيكون له ما بعده، ولربما سيغير قانون (جاستا) بوصلته، ويصبح الاتجاه إمارة قطر بدل المملكة العربية السعودية.
يبقى سؤال على الهامش،
ماذا لو لم تتدخل قطر إلى جانب السعودية في سوريا، واكتفت بتدخلها في مصر وليبيا وتونس إبان الربيع العربي؟
هل كان الحال سيكون أفضل وأسلم؟
هل أصابت لعنة سوريا قطر كما أصابت الكثير من المساهمين في تدمير وتفتيت سوريا؟
ربما من هذا الجانب جنت على نفسها قطر.
قطر لا تشكل إلا مخلب القط في تنفيذ مشروع اقتسام الشرق الاوسط بين الغرب (و الكيان الصهيوني بالتبعية للغرب) و بين قوى ما يسمى بالإسلام السياسي (إيران و تركيا و جماعة الإخوان المسلمين) لقد رأينا كيف تزاحم المليشيات الدولة الشرعية في لبنان و العراق و اليمن و الطابع المشترك بين تلك المليشيات أنها ليست علمانية يسارية أو يمينية بل كلها مليشيات دينية تمتح أدبياتها من الخطاب الديني المتطرف الذي ظهر إلى الوجود بعد سقوط الخلافة العثمانية و اتخذ من قضية فلسطين شعارا للتعبئة و الحشد من أجل القضاء على مشروع الدولة العربية القطرية الحديثة التي كان عليها أن تختار بين حكم ديني ظلامي أو بين حكم تقليدي محافظ يتطور ببطء شديد أو حكم عسكري قاتل للإبداع.
لا فـــرق ســيدي :
بـــين :
** مــن جــند " الأموال " و " الإعلام " في بنـاء " تيوقراطية شيطانية على
خط ان تيميمة " = شأن قـطر
** ومـــن جند " الأموال" و " الإعلام " في بنـاء " تيوقراطية شيطانية على
خط الوهابية الداعشية "= شأن السواعدة
كــلاهمــا حـاربــا آلدمقراطـية و أذلو شعـوبهم
وليس في القنـافيذ أمــلس
كارهة الضلال
حجم التبادل التجاري الاماراتي الايراني اكبر من حجم التبادل التجاري القطري الايراني.
اذن، القضية لها علاقة مع ترمب، وداعميه من alt right ومنهم من يأمنون بالصهيوصليبية كعقيدة.
لن اتحدث عن قانون جاستا وسيادة الدول، ولا عن استقلالية القرار بدون وجود قوة عسكرية مستقلة تصنع اسلحتها بأيديها، فالارهاب مصطلح سياسي لا اقل ولا اكثر
كــلاهمــا حـارب الدمقراطـية و أذل شعـوبه.. نعم كلاهما قام بهذين الأمرين.