إنما الرئاسة بالغَلَب ..

إنما الرئاسة بالغَلَب ..
الإثنين 8 ماي 2023 - 19:09

ما زلنا لا نكاد نستبشر بظهور بوادر السلام بدولة عربية حتى نُفاجأ ونُصاب بنكد اشتعال نار الفتنة بأخرى. وإذا قيل، بمنطق نظرية المؤامرة، إن السبب في ذلك هو التدخلات الخارجية، فاللوم يقع على ضحاياها لمّا تجد عندهم قابلية للاختراق واستعدادا للتأثر بها. فالواقع كان ولا يزال يؤكد أن العلاقات الدولية غالبا إن لم نقل دائما ما تحكمها المصالح وليس الأخلاق والعواطف. وكأن كل دولة فاعلة في المعترك الدولي تقول بلسان حالها نفسي نفسي. وويل لباقي الدول من كيدها ولو كانت من أقرب حلفائها. فهل يكون السبب في تلك الفتن المتكررة أعمق من ذلك ويصدق على العرب من دون غيرهم قول ابن خلدون في “المقدمة”: إن الرئاسة لا تكون إلا بالغَلَب؟

التاريخ، في هذا الصدد، حافل بالدروس والعبر. من يتأمل الفرق بين تاريخ أنظمة حكم كل من دول العرب ودول الغرب سيدرك السبب الذي ساهم بقدر كبير في تقدم هؤلاء وتخلف أولئك. للوقوف على ذلك نبدأ بالنظر في تاريخ تقلب العرب بين الاستقرار والاضطراب وسببه وتداعياته، يليه النظر في تاريخ غلبة الأمن والاستقرار على أنظمة حكم دول العالم الغربي وسببه وتبعاته، ونختم بالمقارنة بين واقع كل من عموم جمهوريات وعموم مَلكيات العالم الحديث بمعيار الأمن والاستقرار.

تقلب العرب بين الاستقرار والاضطراب، سببه وتداعياته

من المعلوم أن الاستقرار السياسي هو أساس الأمن والنمو والرخاء والازدهار. والعكس بالعكس. والاستقرار السياسي مرتبط بالاحتكام إلى قوة القانون في اعتلاء كرسي الرئاسة وفي الحكم، وكذلك كان ولا يزال شأنهما في العالم الغربي. أما في العالم العربي فغالبا ما طغى عليه الاحتكام لقوة السيف. وذلك هو بالضبط ما أكده ابن خلدون بقوله في المقدمة “إنّما الرّئاسة لا تكون إلّا بالغَلًب”. لكن ليس بالمطلق، أي ليس بكل العالم، كما تقدم مع دول العالم الغربي. وليس بالمطلق حتى بالعالم العربي، كما سنوضح ذلك. لذا، كان عليه بالأحرى أن يقول “إن الرئاسة تكون أحيانا بالغَلَب”، وليس “ما تكون إلا بالغَلَب”. وتلك الاستثناءات العربية هي التي تيسّر بفضلها الازدهار المعروف والمشهور بكل من دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة.

فما عرفت دول العرب ذلك الازدهار سوى في الحقب القليلة التي غلب فيها الاحتكام لقوة القانون على قوة السلاح في نظام ولاية العهد. الحقبة الأولى كانت في عهد الأمويين بدمشق حتى نهاية خلافة هشام بن عبد الملك، والثانية في عهد العباسيين ببغداد حتى نهاية خلافة المامون، والثالثة التي كانت متزامنة مع الثانية تجلت في عهد الأمويين بقرطبة حتى نهاية خلافة الحًكم المستنصر بالله وبداية الدولة العامرية، والرابعة برزت في عهد الفاطميين بالقاهرة إلى حين طغيان حكم الوزراء على سلطان الخلفاء. أما فيما عدا ذلك فقد غلب الاحتكام لمنطق قوة السلاح الخلدوني على الاحتكام لقوة القانون الغربي في كل من اعتلاء سدة الحكم وولاية العهد؛ فانعدم الأمن والاستقرار، وتولّى الازدهار، وطغت الاضطرابات، واستفحل التقهقر والاندحار.

وكان المغرب سيعرف نفس الازدهار الاستثنائي والطويل الذي عرفته كل من دمشق وبغداد وقرطبة والقاهرة لولا طغيان الاحتكام لمنطق “الرئاسة بالغلب” الخلدوني في اعتلاء العرش وفي ولاية العهد الذي حالف مختلف السلالات التي حكمته. فنفتخر مثلا، كمغاربة وبحق، بالانتصار في معركة وادي المخازن؛ لكن من دون التوقف بما يكفي عند منطق “الرئاسة بالغلب” في ولاية العهد الذي تسبب فيها. ونفتخر بعهد أحمد المنصور الذهبي الزاهر؛ لكن من دون التوقف بما يكفي عند عودة سيادة منطق “الرئاسة بالغلب” في ولاية العهد بين أبنائه والذي تسبب في توقف ذلك الازدهار مباشرة بعد وفاة صاحبه. والشيء نفسه مع الأمن والاستقرار الذي تحقق وساد في عهد المولى إسماعيل الطويل والذي ما فتئ أن انقطع بدوره فور وفاته بسبب عودة طغيان منطق “الرئاسة بالغلب” في ولاية مرة أخرى بين أبنائه. وقد سبقهم جميعا في ذلك آخر خلفاء كل من الأمويين والعباسيين والفاطميين وغيرهم من العرب والعجم.

وعلاوة على ابن خلدون، فقد سجل علماء فاس مثالب ذلك المنطق الخلدوني الخَرِب في جوابهم على رسالة لَوْم تلقوها من محمد المتوكل السعدي لما خلعه عمّه عبد الملك وأخذ مكانه، واستقوى هو بسبستيان ملك البرتغال لاسترجاع عرشه في مقابل أن يتخلى له على حكم شواطئ البلاد، كما جاء في كتاب “نزهة الحادي”؛ فقالوا له في جوابهم، الذي أورده وخلّده اليفرني في الكتاب سالف الذكر، إن اللوم يقع بالأحرى على كل من أبيه السلطان عبد الله الغالب وجدّه السلطان محمد الشيخ مع أخيه السلطان أحمد الأعرج، وذكّروه بأن جده الأكبر محمدا القائم بآمر بالله، مؤسس الدولة السعدية، قد سنّ عُرفا يقضي بأن يكون العرش لأكبر الرجال سنا من بين إخوان وأبناء كل سلطان وافته المنية. ولما مات آل العرش، وكما ينبغي، لابنه الأكبر أحمد الأعرج. وكانت ولاية العهد كما يجب لأخيه محمد الشيخ؛ لكن السلطان أحمد كان هو أول من خرَم تلك القاعدة لما عزم على تولية العهد لأكبر أبنائه بدلا من أخيه محمد الشيخ صاحبها الشرعي، وفق القاعدة التي سنّها أبوهما محمد القائم بأمر الله. فعادا كلاهما، على عادة من سبقهما بالمشرق والمغرب، إلى الاحتكام إلى منطق قوة السيف الخلدوني لحسم الأمر بينهما. وكانت الغلبة من نصيب محمد الشيخ الذي صار سلطانا من بعد أن خلع أخاه وفرض الإقامة الجبرية عليه وعلى كل أفراد أسرته. وحتى لا يؤول العرش إليه مرة أخرى وفق العُرف من بعد وفاته، أوصى السجّان بمراكش بإعدامه هو وكل أفراد أسرته علنا وعلى رؤوس الأشهاد حال علمه بوفاته هو أو بمقتله حتى يؤول العرش لأكبر أبنائه. وكذلك كان فور وصول خبر مقتله وقطع رأسه بأمر من السلطان سليمان العثماني.

وهكذا اعتلى العرش ابنه عبد الله الغالب بدوره بمنطق “الرياسة بالغلب” الخلدوني. وما أن صار عبد الله سلطانا حتى انتهز الفرصة وأمر بقتل أخيه أبي عثمان لأمر مّا في نفسه، كما جاء في كتاب نزهة الحادي. فخاف على حياتهم باقي الإخوة الثلاثة عبد الملك وعبد المومن وأحمد، وفروا من بطشه لاجئين إلى الأتراك بإيالتهم بالجزائر. ولما مات عبد الله خلا الأمر لابنه محمد المتوكل من المنافسة واعتلى العرش بالقوة التي سبق أن استعملها أبوه لصالحه على حساب حق عبد الملك في العرش وفق العُرف الذي سنه جده المؤسس للدولة.

لذا، قال علماء فاس لمحمد المتوكل إنه لما استعمل عمه عبد الملك بدوره القوة ضده لخلعه وأخذ مكانه فما خالف نفس منطق “الرئاسة بالغلب” الذي سار عليه جل من سبقهما. فبأي حجّة يلومهم على خلعهم لبيعته من رقابهم وطاعة عمّه عبد الملك الذي غلبت شوكته من جهة والذي هو الأحق بالرئاسة وفق عُرف الجد المؤسس من جهة ثانية؟ لكن ما هي مثالب الاحتكام لقوة السلاح في اكتساب الرئاسة والحفاظ عليها؟

الاحتفاظ بالعرش الهش كان يتطلب من الجالس عليه نصرة ما يكفي من الجند من جهة، مع ما يكفي من نصرة أهل النفوذ المدنيين ضد الطامعين في خلعه وأخذ مكانه من جهة ثانية؛ فالتغلب على الأمر كان يتطلب الاعتماد على عصبتين، وفق المنظور الخلدوني. قوة عسكرية علاوة على قوة مدنية. وكلاهما يتطلبان جباية وإنفاق ما يكفي من الأموال. وكما جاء في مقدمة ابن خلدون عن أحد الحكماء قوله: “المُلك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج”. والخراج كان يعني مختلف أنواع الضرائب. وسمي بالخراج المضروب على الأراضي الفلاحية لأنه كان يشكل الجزء الأكبر من محصول الجباية في اقتصاد أساسه الزراعة. ومن ذلك كتاب الخراج لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة.

وعن حكيم آخر في المقدمة نفسها قوله: “المُلك نظام يعضده الجند والجند أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرّعيّة والرّعيّة عبيد يكنفهم العدل”؛ لكن من أين للرعية بالعدل كعطاء في مقابل الجباية المجحفة إذا كان الاحتفاظ بكرسي الرئاسة يعتمد على الاحتكام لقوة السيف وليس لقوة القانون. بل كانت تقع تلك الرعية حتما تحت ضغط ضريبي مهول وفاحش، ليس بسبب الجشع والحاجة لمجرد متطلبات الترف كما يظهر ويُعتقد، وإنما من باب الضرورة لضمان الاستمرار في الحكم. هكذا ما كان العيب في الحُكُّام وإنما في طبيعة نظام الحكم الذي ما عرفوا غيره. وبالمقارنة يتضح المقال. فماذا عن الاحتكام للقانون والنظام في اعتلاء سدة الحكم بالعالم الغربي الذي غاب عن ابن خلدون دراسة طبيعة الحكم فيه، كما جاء ذلك في مقدمة كتاب “تأملات في تاريخ الرومان” للدكتور عبد الله العروي؟

غلبة الأمن والاستقرار على العالم الغربي، سببه وتبعاته

فمنذ أن تكالبت قبائل الشمال الهمجية على الإمبراطورية الرومانية حتى القضاء عليها في القرن الخامس للميلاد، استقر المُلك بأوروبا في أيدي عدد محدود من زعماء تلك القبائل الذين كانوا يُعدون على رؤوس الأصابع. فصارت وظلت أسرهم تحكم الممالك التي أنشأتها هنا وهناك بالحق الإلهي وبمباركة من الكنيسة الرومانية الوريثة الروحية للإمبراطورية. ممالك لم يعد فيها الحق الشرعي في الحكم لغير أفراد تلك الأسر المالكة عبر الأجيال. فما خطر على بال أحد الطمع فيه من خارجها.

وتم سن القانون المعروف بقانون الساليك la loi salique ينظمها. كان من بين مقتضياته تنظيم ولاية العهد في تلك الأسر. فصار وظل بموجبه ولاة العهد معروفين مسبقا وبالترتيب من دون الحاجة لتعيين أوّلهم، ولو كان لا يزال في رحم أمه. في هذه الحالة يؤول الحكم لمجلس وصاية يوصي به العاهل الهالك قبل مماته أو يتم الاتفاق على أعضائه حتى بلوغ ولي العهد الصبي سن معينة كي يحكم بنفسه. وفي حال ما انقطع نسل العاهل الجالس على العرش تعود ولاية العهد بموجب القانون نفسه إلى كبير الفرع الأقرب في أسرته. فهذه ظلت هي القاعدة المسلّم بها بكل أوروبا. والأزمات النادرة تؤكد تلك القاعدة. وهكذا ما كان المُلك في أوروبا على النمط الخلدوني. ما كان في أوروبا لا بالغلب ولا من نصيب العصبية الأقوى من بين عصبيات تتنافس عليه. الصراعات التي كانت تحدث في تلك القارة بين تلك الممالك المتجاورة، وما أكثرها وما أعنفها، كانت صراعات وحروب تحركها أطماع توسُّعية في الأقاليم الحدودية لاكتساب المزيد من القوة على حساب بعضها البعض.

مطمئنون على عروشهم وعلى ولاة عهدهم، ما كان ملوك أوروبا في حاجة إلى الأموال إلا لتوسيع ممالكهم على حساب الممالك المجاورة أو لتخويفها حتى لا تتوسع على حسابها. وفي خضم تلك الأطماع التوسعية الدائمة، كانت من باب الضرورة تنفق أموال الجباية في تجهيز الجيوش وتطويرها باستمرار وفي استعراض العضلات ببناء المعالم العمرانية المبهرة من قصور وقلاع وقناطر وطرق وحواضر غنية وعصرية وجد متقدمة. وكان يترتب عن ذلك ضغط ضريبي فاحش كذلك. وكان يقع بالأساس على عاتق الطبقة البرجوازية بتلك الحواضر الغنية من دون النبلاء الذين كانوا يتمتعون من جهتهم بامتياز امتلاك واستغلال إقطاعيات مقابل تعزيز قوات الملك العسكرية عند الحاجة في الحروب التوسعية الدائمة، ومن دون مساهمة إقطاعيات الكنيسة رغم غناها الفاحش، في مقابل ضمان مباركة الرب لتلك الممالك.

لكن حواضرها احتفظت من الإمبراطورية الرومانية البائدة بالحكم الذاتي بواسطة مجالس بلدية منتخبة municipe. كان أعضاؤها من كبار رجال المال والأعمال البرجوازيين فيها. وبفضل اطمئنانهم على عروشهم ما كان الملوك في حاجة إلى اكتناز أموال الجبايات المجحفة؛ بل كانت تنفقها كلها وتحتاج إلى المزيد الذي كانت تقترضه من أبناك كبار رجال المال بحواضرها البرجوازية أو من غيرها بالخارج. هكذا، كانت تعود محاصيل تلك الجبايات إلى الحواضر نفسها التي خرجت منها في مقابل الصفقات التجارية والعمرانية والصناعية الهائلة التي كانت تتطلبها الدولة في تنافس مع باقي الممالك من حولها. وبالجري من وراء الدفاع عن مصالحها وتوسيعها ظلت تلك الممالك الأوروبية تتطور في كل المجالات العلمية والتجارية والصناعية إلى أن توسعت الصراعات فيما بينها على استعمار بلدان ما وراء البحار، ومنها احتلال الشواطئ المغربية منذ بدايات القرن الخامس عشر، وقبل سقوط الأندلس في آخره. وذلك كان قدر ممالك دول أوروبا الذي منحها بالتدريج دولة ذات نظام حكم مستقر وقوي وفعال فتقدمت. أما عموم العالم العربي فقد عرف كما تقدم قدرا مغايرا فظل يتخلف.

لكن قدرها، كما نراه اليوم بأم العين، قد تغيّر في ما تبقى فيها من الأنظمة الملكية والإمارات، حيث صار ولا يزال حتى يومنا هذا يسود الاحتكام لقوة القانون في اعتلاء العروش وكراسي الإمارات وفي ولاية العهد. وهي التي، بفضل ذلك، تعرف الاستقرار والأمن المنشودين مع ما يرافقهما من ازدهار بمقدار مقدرات كل منها الطبيعية والبشرية وبمقدار السياسات الرشيدة المتبعة فيها. وذلك بالمقارنة مع أحوال عموم الجمهوريات العربية الأقل استقرارا ونموا بالرغم من الحجم الهائل للمقدرات الطبيعية والبشرية في البعض منها. فعلى غرار عموم الجمهوريات الإفريقية وبعض الجمهوريات الآسيوية، لا يزال فيها، مع الأسف الشديد، الاحتكام لقوة القانون في اعتلاء سدة الحكم لم يستتب كما ينبغي مثل ما هو قائم بعموم الأنظمة الجمهورية بباقي العالم المتقدم؛ بل اتضح أنه حتى بالعالم المتقدم ما تبقى فيه من الأنظمة الملكية هي أكثر استقرارا وأمنا ونموا من الجمهوريات فيه. كيف ذلك؟

واقع عموم جمهوريات وعموم مَلكيات العالم الحديث بميزان الأمن والاستقرار

بخلاف العالم الغربي، الأنظمة الجمهورية بالعالم العربي مستحدثة فقط في القرن الماضي، حيث عوّضت الأنظمة الملكية. ولما نقارن اليوم بين الاستقرار في ما تبقى من هذه من جهة وتكرار الفتن في البعض من تلك من جهة ثانية، فكأنما عموم العرب استأنسوا وتعوّدوا على الاعتراف فقط بالشرعية الدينية للملوك والأمراء، مع التشكيك في مصداقية وفعالية الأنظمة الجمهورية المستحدثة. لكن اطمئنان الشعوب للأنظمة الملكية لا يخص العرب وحدهم؛ بل ظل يطبع حتى غالبية الشعوب بغرب أوروبا التي احتفظت بها. وهي كذلك أكثر استقرارا من عموم الأنظمة الجمهورية حتى بالعالم المتقدم.

للتذكير، الديمقراطية ببريطانيا العظمى مثلا، قد نشأت بالتدريج في ظل الملكية منذ سنّ الميثاق العظيم Magna Carta سنة 1215. وقد استكملت مسيرتها إثر فشل تجربة جمهورية الديكتاتور كرومويل لمدة قصيرة ما بين 1649 و1660 من بعد إعدام الملك شارل الأول في بدايتها. وانتهت تلك المسيرة بنشأة وثبات الملكية الدستورية بفضل الثورة المجيدة سنة 1689.

حصل ذلك قرنا من الزمن قبل الثورة الفرنسية التي أعدمت الملك لويز السادس عشر وأسقطت النظام الملكي وعوضته بنظام جمهوري. النظام الذي سرعان ما تدهور وظهر فشله من بعد ما سادت فيه الفوضى مع قطع عدد مهول من رؤوس كبار الثوار بالمقصلة. ثم ظلت البلاد تتقلب في الفتن بين الإمبراطورية وعودة الملكية وعودة الجمهورية ثم الإمبراطورية من جديد، ثم الجمهورية الثانية والثالثة والرابعة وأخيرا الخامسة التي صارت اليوم بدورها، مع تعدد الأزمات الحالية، محط التشكيك في فاعليتها والتفكير في تطويرها كذلك. وذلك مع وجود التيارات المطالبة بعودة النظام الملكي وحتى النظام الإمبراطوري. وقد كان بعض الفرنسيين منبهرين بالرئيس ميتران لما ظهر لهم يتصرف كأمير أو ملك.

ومن كان يتوقع الفتنة التي حدثت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالولايات المتحدة؟ فتنة لا يزال يُخشى من مخاطر تكرارها في الاستحقاقات الرئاسية الموالية إلى درجة جعلت الرئيس الحالي يقول بمناسبة إعلان ترشحه لولاية ثانية إن كل جيل لديه لحظة يتعين عليه فيها الدفاع عن الديمقراطية وعن الحريات الأساسية. ناهيك عن الصخب القوي الذي طغى على الانتخابات الرئاسية الأخيرة بالبرازيل.

ولا تسمع بمثل تلك الاضطرابات بالأنظمة الملكية الدستورية العشرة المتبقية بغرب أوروبا؛ وذلك بلا شك لصلابتها. ومن بينها إسبانيا التي فضلت استعادة الملكية كرمز لوحدة البلاد من بعد وفاة الرئيس فرانكو الذي ورث فيها الحكم إثر مشاركته وانتصاره في الحرب الأهلية إبان عهد الجمهورية في الثلاثينيات من القرن الماضي. والملك كارلوس هو الذي حال سنة 1981 دون الانقلاب العسكري على الديمقراطية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة. فإذا صح ما تقدم، وبمعيار الأمن والاستقرار، تكون شعوب عموم الملكيات والإمارات بكل العالم أوفر حظا من شعوب عموم الجمهوريات.

ولعل ذلك ما يُفسّر خبر خروج بعض الليبيين المطالبين بالعودة إلى الشرعية الدستورية الملكية وتبني خيار تفعيل “دستور الاستقلال” لحل الأزمة الحالية، ودعوة الأمير محمد الحسن السنوسي لتسلم مهامه ملكًا دستوريًّا للبلاد؛ لكنه بلا شك الأمر المستبعد لا في ليبيا ولا في غيرها. فيبقى المعوّل على الأجيال الصاعدة في عموم الجمهوريات العربية وغيرها كي ترتقي بها بإذن الله إلى مصاف الدول المتقدمة كي تنعم أخيرا بالأمن والاستقرار وبما يتبع ذلك من رخاء وازدهار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Amaghrabi
    الثلاثاء 9 ماي 2023 - 21:06

    قال الشهرستاني”لم تسل دماء عند المسلمين كما سالت من اجل الخلافة او الحكم” وما زلنا الى اليوم ومع الاسف لاننا لا نعترف بصناديق الاقتراع وبالتالي وحتى لو اعترفنا بالديموقراطية ودعونا الى الانتخابات فان كانت مزورة قبلناها وان كانت نزيهة اخرجنا من ينقلب عليها ويرمي الفائزين في السجون او تعيش الدولة الحرب الاهلية بين الفرق المتنازعة عن الحكم.فهذا ليست سنة الاهية اسلامية ولكن المسلمين ومع الاسف جعلوها سنة الاهية وبالتالي لا قدرة مع قضاء الله

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 1

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة