تصفية الحسابات السياسية في لبوس حقوقي

تصفية الحسابات السياسية في لبوس حقوقي
الأربعاء 10 غشت 2022 - 20:15

تعتبر المنظمات الدولة غير الحكومية التي تعنى بحقوق الإنسان فاعلا مهما ومؤثرا في وضعية حقوق الإنسان دوليا، لأنها تقوم بالمساهمة في إنتاج المعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما أنها تنخرط في عمل الآليات الأممية كالمعاهدات والمساطر الخاصة والاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان. ما يجعل منها “الضلع الثالث” في مثلث إنتاج وتنزيل الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وذلك إلى جانب الدول والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

كما تضطلع هذه المنظمات بأدوار مهمة ومؤثرة، من خلال مراقبة وتتبع وتقييم مدى التزام الدول بالآليات الدولية الضامنة لحقوق الإنسان المعترف بها لكل الأفراد بغض النظر عن قناعاتهم وانتماءاتهم السياسية أو الإيديولوجية أو العقدية، ومدى احترام مؤسساتها الوطنية لحقوق الإنسان باستحضار البعد الحقوقي في مراقبة وتتبع السياسيات العمومية للحكومات، خصوصا في شقها المتعلق مباشرة بحقوق الأفراد وأمنهم وسلامتهم.

وفي مقابل الأدوار المهمة لهذه المنظمات في تحديد بعض المؤشرات الحقوقية واقتراح وتنزيل عدد من الآليات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، فإنه يقع على عاتقها تأمين أكبر قدر من المهنية والنزاهة خلال كل مراحل إعداد وصياغة تقاريرها. كما أنه من صميم مسؤولياتها وواجباتها التواصل مع كافة الأطراف والاستماع إلى رواياتهم، والتبع القانوني للإجراءات والمساطر والوثائق الرسمية ذات الصلة بكل ملف وقضية على حدة، وذلك قصد الوقوف على مدى احترامها أولا، للقوانين الوطنية المعمول بها في صلة بحقوق الإنسان، وثانيا، للآليات الحقوقية المعمول بها دوليا.

ومن باب الإنصاف، فإن عددا من المنظمات الحقوقية غير الحكومية الدولية والوطنية تستحضر هذه المنهجية الحقوقية المؤطرة بالتزامات وواجبات مهنية، وتقوم بمجهودات معتبرة في مجال مراقبة وتقييم الأوضاع الحقوقية ببلادنا وتواكب سياسات الدولة ذات الصلة بحقوق الإنسان بهدف تقييمها وتعزيزها، وذلك من خلال التقارير التي تعدها بمهنية وتجرد وتقدمها وفق الضوابط وأخلاقيات عمل المنظمات غير الحكومية المشهود بنزاهتها ومهنيتها، ولا سيما من خلال تحريها الموضوعية والحياد. إلا أن بعض هذه المنظمات الدولية تصر على التمادي في إصرارها على معاكسة المجهود الحقوقي الذي يبذله المغرب وتبخيس التراكم التشريعي والمؤسساتي والفعل المدني للهيئات الحقوقية والسياسية الوطنية طيلة السنوات المنصرمة.

وأنا أطالع التقرير السنوي الصادر أخيرا عن منظمة “هيومن رايتس ووتش”، الدولية، باحثا عن زوايا معالجة جديدة ومتفردة للمسألة الحقوقية ببلادنا، والمساحات الحقوقية التي يكون القائمون على شؤون هذه المنظمة غير الحكومية قد حددوها وسلطوا عليها ما يكفي من الضوء، لإخراجها من مناطق العتمة بهدف تقييم الوضع الحقوقي ببلادنا بطريقة مهنية، محايدة وفعالة، لم أجد جديدا في التقرير ولا مضامينه، اللهم إذا استثنينا الاجتهاد في إعادة صياغة ما تسهب المنظمة في ديباجته، بمناسبة أو بدونها، حول قضايا تصر على اعتبارها مسا بل وخرقا لحقوق الإنسان، مستندة في ذلك على ملفات وقضايا لأشخاص يكادون يعدون على أصابع اليد الواحدة، إما لا تزال تلك القضايا رائجة أمام المحاكمة أو قال القضاء، باعتباره سلطة مستقلة، كلمته فيها. إضافة إلى أن هؤلاء الأشخاص، الذين يعدون على أصابع اليدين، يصرون على لي عنق الحقيقة بما يجعل مواقفهم التي لا علاقة لها بالشأن الحقوقي تتماهى مع تلك التي يتبناها القائمون على هذه المنظمة، التي لا يربطها بالشأن الحقوقي للمغرب إلا الاسم الذي تحمله، وذلك باستدعاء باقة من المصطلحات والتعابير بهدف التأثير على قارئ التقرير وإقناعه بما هو مدبج في التقرير وليس بواقع الوضع الحقوقي ببلادنا.

والحال أن إطلالة على الموقع الإلكتروني الرسمي للمنظمة، يكشف أن أكثر من 80 في المائة من محتوى الركن الخاص بالمغرب على قلة محتواه كما ونوعا، يتمحور حول الأشخاص أنفسهم. ومن أجل التغطية على هذا الخصاص في المحتوى الحقوقي الذي ينتقد مؤسسات وتشريعات المغرب، يجتهد القائمون على تدبير المنظمة مباشرة أو بالوكالة على تنويع ذاك المحتوى بين تقارير ومقالات رأي ودراسات وحتى كبسولات فيديو، والتي تدور جميعها في فلك نفس ملفات الأشخاص الذين يقل عددهم في المجمع عن عدد أصابع اليدين، في محاولة لإيهام المتلقي أن لهذه المنظمة إنتاجات كثيرة كما ومتنوعة على مستوى الشكل تهم جميعها انتقاد الوضعية الحقوقية بالمغرب.

إذا كانت “هيومن رايتس ووتش” باعتبارها منظمة دولية غير حكومية تعنى بحقوق الإنسان، تخصص مواردا بشرية ومالية معتبرة لإعادة صياغة المحتوى نفسه المرتبط بحالات حقوقية متواضعة، والصيغة العنيفة والصدامية التي تصدر بها تقاريرها وما تحمله من غلو في التعابير والمصطلحات البعيدة عن القاموس الحقوقي المتعامل به دوليا، والسعي المفرط حد التطرف على إظهار المغرب كدولة تمعن في خرق حقوق الإنسان، إذا كان هذا هو حال لسان هذه المنظمة، فهل بافتراض إيجاد حلول لهؤلاء الأشخاص تضع حدا لمتابعتهم القانونية، سيوقف التهجم الحقوقي للمنظمة على المغرب، وتغيير مضامين ما تدبجه من تقارير سلبية، وهل سنقرأ للقائمين على شؤون هذه المنظمة تقارير تتغنى بالوضع الحقوقي في المغرب وأنه جنة حقوقية في إفريقيا والعالم؟

واضح أن ما يحرك المنظمة المعنية في علاقتها بالمغرب بعيد عن الدوافع الحقوقية، بدليل غياب الإحالة على التراكم الحقوقي الذي تحقق مغربيا، دون الحديث عن التراكم التشريعي والمؤسساتي وتكوين وتأهيل العنصر البشري، بما يعزز ويجود العرض الحقوقي ببلادنا، بقدر ما يحرك المنظمة ما يشبه أجندات سياسية ترتبط بعضها بمسؤولي المنظمة مركزيا وممثليها بالمغرب، والبعض الآخر يرتبط بمصادر تمويل المنظمة وما تتلقاه من إملاءات تستهدف المسار التنموي للمغرب في شقه الحقوقي، مقابل ما تتحصل عليه إعانات بمختلف أنواعها.

المواقف السياسية لمسؤولين في هذه المنظمة والماسكين بزمامها، هو ما يحركها في علاقتها بالمغرب، وما يجعلها تضطر للوقوع في أخطاء منهجية خلال مختلف مراحل صياغة تقاريرها عن المغرب، بدءا من تجميع المعلومات ورصد ما تعتبرها انتهاكات، التي تفتقر لأساسيات التحقيق الميداني والدقة اللازمة في إعداد تلك التقارير واقتصارها على مصدر وحيد للمعلومات، ناهيك عن زوايا المعالجة والقاموس المستعمل في الصياغة ما يجعله أقرب إلى التقارير السياسية منها إلى الحقوقية، وذلك بسبب افتقادها للصبغة الحقوقية المجردة والموضوعية التي يتطلبها هذا النوع من التقارير من منظمة حقوقية دولية يفترض فيها أن يكون رأس مالها الرمزي مؤسسا على الحياد والتجرد والموضوعية، خلال مختلف مراحل إعداد وصياغة تقاريرها ووثائقها.

إن القائمين على منظمة “هيومن رايتس ووتش” وهم يصدرون تقريرهم الأخير حول الوضع الحقوقي بالمغرب، وإن تعمدوا الفشل، لاعتبارات أضحت جلية، في استحضار أساسيات المنهجية الحقوقية في إعداد مضامينه، إلا أنهم نجحوا في اختبار يقظة وتعبئة منظمات وهيئات حقوقية مدنية وازنة بالمغرب، والتي لم تتردد في المنظمة وما تضمنه تقريرها من إساءات مغرضة للوضع الحقوقي ببلادنا، لأننا إزاء “قضية خاسرة وأمام تحيز واضح طبع عمل هذه المنظمة الأمريكية منذ أمد بعيد”، بتعبير أستاذ القانون مصطفى السحيمي، ردا على مغالطات وحسابات تقرير المنظمة المعنية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • رضى
    الجمعة 12 غشت 2022 - 12:39

    هذه المنظمة معروفة بعدائها للمغرب، والسبب كما ورد في هذه المقالة، المواقف السياسية للمساكين بزمام المنظمة ومن فيها.

    المغرب أولا . . المغرب أخيرا . . ولا غالب إلا الله

  • فريد
    السبت 13 غشت 2022 - 10:45

    الكم الهائل من مقالات المدافعين عن”كل شيء في المغرب يسير على مايُرام” وأن منظمة HRW سياسية أكثر من حقوقية وأن الأوضاع الحقوقية في البلاد على خير،يرجع بنا إلى عهد الحسن الثاني الذي كان يُحب التحدي إلى درجة عنونة كتابه:”التحدي”،وخلال مقابلاته مع الصحافة الفرنسية خصوصا كان يُنكر كل شيء،المهم كان يواجه شخصيا الرأي العام، اليوم خلفه بالكاد تسمع صوته ولكنه سخر آلاف المأجورين للدفاع كل حسب قُدرته، وليدهب كل من يقول أن بلادنا لاتسير في الإتجاه الصحيح وأنه حان الوقت لتقطع ملكيتنا مع رعاية الفساد،

  • محمد أمين
    السبت 13 غشت 2022 - 12:06

    الى السيد “فريد” صاحب التعليق الثاني،
    أنا مع كل الكتابات المدافعة عن المسار والتراكم الحقوقي ببلادنا، ذلك أنه إذا لم نقدر مجهوداتنا في مسار التنمية الشاملة-بكل محالاتها- فلن يقدرها أحد.
    فعلا، هناك الكثير من الاشكالات التي لازالت تعاني منها منظومتنا، في مجالات ومستويات عديدة، لكن الدينامية التنموية لم ولن تتوقف، وسنخطئ ونستفيد من اخطائنا، وسنقع ونقف مرة اخرى،

    لكن المؤكد لدي ولدي العديد من أبناء وبنات الوطن ، أننا لن نقبل بأن يعطينا أيا كان الدروس ويمارس علينا دور الأستاذ ،
    نحن أمة ال12 قرنا وتزيد يا صديقي

  • فريد
    الأحد 14 غشت 2022 - 06:20

    إلى السيد “محمد أمين”:
    تاريخ المغرب لايبتدأ بدخول العرب كما يُلقن في المدارس بل حضارة المغرب الكبير بدأت قبل ذلك بآلاف السنين،نحن جزء من هذا العالم وكبشر فنحن نقارن أنفسنا أو أوضاعنا مع الآخرين، إلى حدود منتصف السبعينات كانت إسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا في وضعية إقتصادية تُشابه وضعيتنا(يكفي أن تسأل “الزماكرية” القدماء من الذين كانوا يعبرون إسبانيا كيف تغير هذا البلد بمجرد رحيل الديكتاتور فرانكو، نفس الشيء وقع في البلدان سالفة الذكر)، نحن توقفنا وهم ساروا لأن منظومتنا لاتعاني من الإشكالات بل هي سبب توقفنا، يمكن أن نعتبر بناء الطرق السيارة والموانيء والTGV والأبراج الشاهقة… دينامية تنموية، ولكنها مشاريع لاتستغل إلا في حدود 54% حسب وزارة التجهيز،في حين أن شق الطرق،تجهيز موانيء الصيد بالتبريد، إيصال السكة الحديدية إلى كل المدن،إعطاء كل الأولويات إلى التعليم العمومي، ولكن دون رفع أجور شغيلته ودون مخططات إستعجالية، ولكن بالتجويد والتجهيز والإجبارية، سيكون أجدى؟

  • Lamya
    الأحد 14 غشت 2022 - 17:58

    الى فريد
    مقارنتك للمغرب اقتصاديا مع تلك البلدان يمكن ان يكون صحيحا, رغم ان تركيا تعاني حاليا من ازمة اقتصادية خانقة و تضخم رهيب لم تشهده البلاد من قبل. و الدول الاخرى التي ذكرتها تنتمي للاتحاد الاوروبي, اذن لا وجه للمقارنة
    و لكن علاقة بموضوعنا, عليك مقارنة المغرب بتركيا و حتى اسبانيا من الناحية الحقوقية. فاردوغان مثلا معروف بانه يواجه خصومه السياسيين و الصحافيين المعارضين بقبضة من حديد و يزيح عن طريقه كل من ينتقده, و لا يكترث لا للمنظمات الحقوقية و لا البرامج التلفزية الالمانية التي تنتقد معاملته لخصومه السياسيين و معارصيه من الصحافيين
    و اسبانيا كيف تعاملت مع حراك كطلونيا للاستقلال عنها? و كيف تعاملت الجزائر مع الحراك الشعبي?
    ام لم يظهر لهذه المنظمة سوى المغرب
    انا في نظري ,على المغرب ايضا ان يفعل كما فعل اردوغان و لا يكترث لهم او مثل ما فعلت اسبانيا مع كطالونيا بالنسبة لمن يعادي وحدته الترابية. ما رايك في هذا الاقتراح اذا كانوا مثلك الاعلى?

  • فريد
    الإثنين 15 غشت 2022 - 07:29

    تركيا،رغم تجاوزات أردوغان الحقوقية،هي القوة ال15 إقتصاديا في العالم،والأتراك لم يعودوا يحلمون بالهجرة إلى ألمانيا كالماضي،كل هذا تحقق بفضل دستور علماني أرجع الجيش إلى ثكناته ومكن المدنيين من قيادة البلاد.ملك إسبانيا لايحكم ولكنه راعي الدستور،وقد عبر عن ذلك مباشرة بعد خروج نتائج الإقتراع الذي نظمه إنفصاليو كاطلونيا وقال بالحرف أنه لن يسمح بأي شيء خارج عن الدستور ليتم بعد ذلك متابعة Puigdemont قضائيا.للتذكير فقط فهناك أُناس في الريف حُكم عليهم ب20 سنة لأنهم طالبوا بحقوقهم المدنية،إرتكبوا بعض الأخطاء كمقاطعة خطيب الجمعة،ولكنهم كانوا أقل عنفا من الكثير مِن مُشجعي بعض فرق كرة القدم المغربية،ومند الإستقلال لازالت الحسيمة مُعَسْكَرة.الوحدة الترابية ستكون كاملة بببناء السور الرملي على الحدود الدولية مع الجزائر وكل من هاجمنا منها سنقصف مواقعه داخلها لأن جميع الدول مُلزمة بمراقبة حدودها وعدم السماح بإستعمالها لمهاجمة الدول الأخرى.وللتذكير فتقارير المنظمات الدولية غير قابلة للطعن،كنتائج الباكلوريا،وكل مايقال بعدها ماهو إلا لغط.

  • Lamya
    الإثنين 15 غشت 2022 - 10:21

    انا بكل صراحة ما لاحظته هو ان هناك من يدافع عن تركيا و هناك من يدافع عن ايران و هناك من يدافع عن الجزائر او يتبنى افكارهم, رغم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان, ضدا في وطنه الام, بدعوى ان لديهم المال او انهم تقدموا اقتصاديا… و هذا يطرح عدة تساؤلات طبعا!

صوت وصورة
احتجاج سائقي طاكسيات الرباط
الأحد 8 نونبر 2026 - 16:22 15

احتجاج سائقي طاكسيات الرباط

صوت وصورة
حقوقيون يحتجون في تيفلت
الأحد 8 نونبر 2026 - 14:35 1

حقوقيون يحتجون في تيفلت

صوت وصورة
المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ
السبت 7 نونبر 2026 - 21:10 2

المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ

صوت وصورة
انطلاقة الموسم الفلاحي
السبت 7 نونبر 2026 - 19:36 1

انطلاقة الموسم الفلاحي

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18 16

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 24

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل