ورقة من زمن طفولي ولى!

ورقة من زمن طفولي ولى!
الثلاثاء 4 نونبر 2025 - 23:27

في أواسط الستينيات من القرن الماضي، كانت هناك عرصةٌ لأحد أثرياء مدينة فاس، تم تحويلها – بعد ترميمات – إلى مدرسة، دُعيت فيما بعد باسم الحي الزربطانة، تتوسَّط غرب مدينة فاس العتيقة، بجوارها بوابة تفضي إلى منزل أثري فخم من الطراز الفاسي، أُعدّ طابقه السفلي ليكون مقرًّا لإدارة المدرسة، ومقصَدًا للراغبين في التبرُّك بسحنة المدير والنَّيل من تمائمه، والتي غالبًا ما كان يسطرها بمداد الصمغ على أقراص من الخبز. يشتغل تحت إمرته حراسٌ وشوَّاشون ونقَّاشون (بستانيون). تأوي المدرسة فصولًا مرتَّبة من التحضيري إلى المتوسط الثاني، ذات فناء رَحِب تحده حديقة بطابقين دائمة الاخضرار بأشجار الرمان والزيتون. لها بوابتان، إحداهما موالية لمقبرة عائلية مهجورة، عادة ما كانت عتبتها مقعده المفضَّل في انتظار أوان الدخول، فإذا انتهى إلى مسامعه دوي مزلاج الباب انتفض واقفًا، وسط لغط وضجيج الغلمان من التلاميذ، كلٌّ يريد الالتحاق بحجرته.

كانت حصة مادة “الحساب” ومعلمها أبغض الساعات إليه، سيِّما بفترة الصباح، حينما تستهل حصة الدرس باستظهار جداول الضرب بشكل عشوائي. كان المعلم يباغت ضحاياه، فيسأل: “7 في 5، كم؟” فإن تلكَّأ أحدهم في الإجابة أو أخطأ، أسرع إليه بمسطرة معدنية، وضرب بها جَمْع أنامل يده، وكم منهم من انشقت أظافره وهو يتلقى العقاب، سيِّما في أيام يناير الباردة!

ولا يعلم كيف تظافرت الظروف حتى أصبح أول تلميذ بالصف يحصل على أعلى نقطة في مادة الحساب، وكيف أهلته هذه “المهارة” ليتمكن من حل المسائل الحسابية، مهما تعقَّدت معطياتها. ولا يزال يتذكر استدعاءه من قبل أترابه وأصدقائه لينضم إلى جلسة فك رموز مسائل حسابية ذات مجاهيل معقَّدة، لدرجة من الجسارة، تحدى بها كراسة مسائل شهيرة بعنوان (Les 1300 problemes) “P.JOREZ & G.KOËLL”.

أصحاب “الخبزة”

بالنظر لوضعيته الأسرية، أدرجوه في قوائم المسموح لهم “بالإطعام”، أو ما كان يطلق عليه استخفافًا “أصحاب الخبزة”. بيد أن هذه الخبزة “الكُومِيرا البنية” وبقرار فَوقي تحولت إلى مطعم بوجبة كاملة، تُمنح على مدى أيام الأسبوع وحتى أوقات العطل المدرسية. يقع المطعم بحي البطحاء مجاورًا لمقر البريد، ولتحاشي الوقوف طويلًا في الطابور الذي كان يمتد خارج المطعم، كان بمجرد سماع رنين الجرس تعقد خيوط الأحذية وتحزم المحافظ.. لتنطلق السيقان في سباق جماعي محموم، أشبه بمسافة المايل، وتخاله أحيانًا شبيها بالكوريدا، تجوب دروبًا متعرجة، عابرة المركز الثقافي البريطاني.. إلى مقر المطعم، بمسافة تزيد قليلاً أو تنقص عن الكيلومتر الواحد. وكم كان إحساسه بنشوة “السبق” وهو يتسلم أطباق الوجبة وأنفاسه ما زالت تتلاحق لهثًا.

الهدر المدرسي

أحيانًا يتناهى إلى أسماعهم وهم ينتظرون ولوج المعلم إلى الحجرة، بأن عليهم المغادرة لغياب مفاجئ، فينضم إلى فيالق “زَهِدَت” في الدراسة. يلتقي جميعهم في “خربة” هناك، إما لتتبُّع مشاهد مسرحية لعنترة بن شداد، أو مسرح موليير. يتطوَّع بعضهم لجلب الإكسسوارات والماكياج وأسلحة خشبية، كانت محدودة في الخناجر والسيوف والدروع.. كانت مشاهد ممتعة، وهم يقتعدون حافة الصور، يتتبَّعون بشغف كبير فصولًا في “العنتريات”، بلغة عربية جد فصيحة. والمفارقة أن هؤلاء الممثلين “التلاميذ” يُحسبون في اللائحة السوداء، لمروقهم ونفورهم من الدراسة وميلهم “الفطري” إلى اللهو والتمثيل.

التنمر والفصل فيه

كعادته، يبدو منطويًا على نفسه، بعيدًا عن دوامات الشغب. جلّ أوقاته داخل الفصل، سيِّما في فترات الاستراحة أو انتظار المعلم، كان يمضيها في الرسم على السبورة بالطباشير الملون. وكم كان يستهويه رسم غلاف الكراسات آنذاك من قبيل “الشجاع”! فيرسم الفارس ممتطياً صهوة جواده وبألوان زاهية… نالت إعجاب الكثيرين، ممن منهم المراقب العام الذي وقف يومًا يتأمَّل تلك الرسوم بنظرات لا تخفي إعجابه.. فيلتفت إلى جماعة القسم ويسأل بنبرة ودية:

“من صاحب هذه الرسوم؟” حينها تنبري الأصابع مشيرة إليه قاعدًا في الصفوف الخلفية، فيقرضه بكلمات، ويعرض عليه تكبير صور!

ولفرط هدوئه وانغلاقه على نفسه، كثيرًا ما كان بعض المتنمرين يسطو على حصته الغذائية، فيزدردها أمام الجميع بغطرسة عالية. بيد أن نظرات المواساة لم تفتأ تلاحقه فيئس منها، خلافًا لآخرين كانوا يبادلونه نظرة اشمئزاز لصمته أمام هذه “الحِكْرَة”. كانوا أحيانًا يتحلَّقون من حوله ويسائلونه بنبرات لا تخلو من تحقير:
“مالك أصاحبي.. ما عندك نفس؟!”

“علاش ما تقجو.. واش خايف منو..؟!”

فأصبح مشحونًا بما فيه الكفاية، وانقسم من حوله إلى فريقين: فريق يؤازره ويدعوه إلى الانتقام، وفريق موال للمتنمرين، يصول ويجول بين التلاميذ بكل عنجهية ووقاحة.

وقد جرت العادة بين أطفال الحارة؛ إذا ما لاحظ أحدهم اعتداء سافِرًا عليه، أو محاولة إسقاطه أرضًا، يخاطب خصمه بهذه العبارة: “هاكارتك..!” والتي تعني مقابلة للعراك والفصل بينهما وسط شهود. وهو ما جرى مع صديقنا “الهندسي” كما كانوا يدعونه، فاتَّفق الفريقان على أن تكون “المصلى” ملتقاهم خارج المدينة، لتشهد نزالاً بين “الهندسي” وكبير المشاغبين وزعيم المتنمرين “الخمَّار”، بعد منتصف الظهيرة.

وفي الغد، طرق باب منزله ثلة من أنصاره، اتجهوا جميعًا صوب المصلى حيث ينتظر الفريق الخصم بزعامة الخمَّار.

تجرد كل منهما من الأحذية واندفع بكلتي يديه إلى الخصم، تذرَّعا حِينًا فسقطا، ثم نهضا، وتبادلا اللكم والركل وسط هتافات الفريقين:
“اعطيه لراسو.. ضربو لكرشو.. ازويه.. مترخيلوش.. يالله آلخمَّار.. عنداك آلهندسي..!”.

كان صاحبنا “الهندسي” لا يفتر، بين الحين والآخر، يوجِّه لكماته، فلم يستمر العراك أكثر من بضعة دقائق حتى؛ وعلى حين غفلة؛ صوَّب له نطحة فأسقطه أرضًا.. غير قادر على النهوض، فتعالى الصفير والهتافات، وتحلَّق الأنصار بالهندسي، وهم يبادلونه نظرات الإعجاب والشهامة، فيما تشرذم الفريق الآخر وذهب يجر أذيال الخيبة، تاركًا خلفه “الخمَّار” يترنَّح في مشيته صاغرًا.ه صاغرا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الأربعاء 5 نونبر 2025 - 16:35

    “Sometimes, it’s better to bunk a class and enjoy time with friends, because today, when I look back, marks never make me laugh, but memories do”

    “في بعض الأحيان، من الأفضل التغيب عن الحصص والاستمتاع بالوقت مع الأصدقاء، لأنني اليوم، عندما أنظر إلى الماضي، لا تجعلني النقط أضحك، بل الذكريات تفعل ذلك.”

    Abdul Kalam
    (1931-1915)
    (عالم هندي و رئيس من عام 2002 حتى 2007)

    أستاذي،

    لقد حملتنا كلماتك في مقالتك ورقة من زمن طفولي ولى إلى عوالم الطفولة المغربية كما عاشها جيل الستينيات، حيث المدرسة كانت معبداً صغيراً تصنع فيه الملامح الأولى للإنسان، وحيث كانت العصا أحياناً أداة خوف ولكنها أيضاً شرارة تفوق. رسمتَ بوجدان حيّ صمت الأطفال، وجوعهم، وانكساراتهم الصغيرة وهي تتبدّل شيئاً فشيئاً إلى عزيمةٍ ونباهةٍ وشهامة.

    إن نصك ليس مجرد حنينٍ إلى ماضٍ جميل، بل هو درس في كيف يتحول الألم إلى بصيرة، وكيف يكون التعليم الحقيقيّ ذاك الذي يمنح النفس قدرة النهوض بعد السقوط. ولعل أجمل ما كتبته دون أن تُصرّح هو أن الطفولة المغربية، رغم قسوتها، خرجت من بين الأيدي الخشنة أكثر نضجاً وإيماناً بالحياة.

    ALHOCEIMA

  • KITAB
    الأربعاء 5 نونبر 2025 - 16:36

    إطلالة على زمن لا كاﻷزمنة ، زمن كانت فيها الطفولة بنضج اندثرت معالمه بيننا ، فرغم قلة الوسائل والفرص التي كانت متاحة أمام التلاميذ استطاعوا وفي معظمهم تخطي الصعاب ونيل أعلى الدرجات في الكد والاجتهاد والابتكار ، فها قد ساقنا الكاتب إلى فسحة كانت فيها قصص العنترية تشخص من قبل التلاميذ وبمشاهد رائعة كما سمح لنا بالإطلالة على الصرامة التي كان يبديها معلمي ذلك الزمان الثر ولو عن حسن نية كحرصهم على التأكد من التعلمات التي كلنوا يلقنونها ولو بطرق بيداغوجية متخلفة جد قاسية في أساليبها كالضرب على جمع اﻷنامل في أيام البرد القارس ، برأيي هذه الورقة تصلح للتشخيص أمام تلاميذ هذا الزمان اﻷرعن ، ليعلموا النجاح وثمنه ومقدار الصبر والتحمل الذي يستوجبه من صاحبه ، سلمات

  • À MC
    الأربعاء 5 نونبر 2025 - 19:19

    تحية، واﻷجدر بي أن ٱحيي فيك شغفك بالقراءة بل والنهم لها ، وكذا تعليقاتك الثرية التي تذهب دوما في تعميق النقاش ، بلغة حضارية جميلة حسناء حسن مدينة الحسيمية التي أمضيت فيها ردحا من الزمن ، كانت ملهمتي في طرح تساؤلات فلسفية وأركيولوجية حول إنسان يسكن منطقة تجمع تضاريسها بين الصخور والبحار ، كيف له التميز إذا شئنا المفاضلة بين الناضوري والوجدي والحسيمي… نعم أشاطرك الرأي في أن الكاتب أطل علينا من زمن (ولى) كان الكد فيه والابتكار ميزة لا يمكن إغغفالها ، وكانت قيم التساكن واالتسامح والتنافس البريء…مقارنة مع هذاا الزمن الذي وإن تعددت فيه أساليب وأدوات التعلم والمعرفة ، فإن أبناءنا على النقيض من ذلك يعيشون خواء معرفيا رهيبا ، في ظل انحسار قيم المعرفة والإبداع، وقد قدم صورا مشبعة بالجلد والتحمل والاجتهاد ، صرنا نعدها الآن من الزمن الجميل الغابر، وشكرا

  • amaghrabi
    الأربعاء 5 نونبر 2025 - 20:14

    اولا تشكراتي للستاذ المتميز عبد اللطيف لان مقالاته متنوعة تحمل مواضيع مختلفة تحوم بنا حول اعمال وتقاليد وابداعات بشرية وثانيا اشكر المعلقون الثلاثة الذي كان تجاوبهم ايجابي جدا كعادتهم مع ما يكتبه الاستاذ عبد اللطيف المحترم ومع ذلك ادلي بدلوي واقول ولو جملة لان الكلام على الطفولة سبق ايه كبار الكتاب وبالمناسبة كان هناك كتاب لعبد المجيد بن جلون عنوانه الطفولة والكتاب الذي كان مقررا في المدارس الابتدائية والاعدادية كان يحمل فقرات مشرقة يستفيد منها الاطفال ويتجاوبون مع الحكايات التي عاشها الكاتب وتدخل الفرحة والسعادة والنشاط على الاجيال الاحقة وبالتالي فالتذكير بالتاريخ الاجتماعي والقصص التراثية وخاصة ما كان يهتم به الاطفال محبوب وجميل جدا التذكير به والاهتمام به من طرف كتابنا الكرام مثل الاستاذ عبد اللطيف جزاه الله عنا خيرا

  • MC
    الأربعاء 5 نونبر 2025 - 22:27

    إلى 3

    “Livet kan bare forstås baklengs, men det må leves forlengs”

    “لا يمكن فهم الحياة إلا بالنظر إلى الوراء، ولكن يجب أن تُعاش إلى الأمام.”

    Søren K
    (1813-1855)

    أخي العزيز،
    أشاركك الرأي في المقارنة بين زمن الكاتب وزمننا الحالي. الكاتب لم يكتب فقط عن ذكرياته، بل قدم درساً عملياً في كيفية تحويل القسوة المدرسية والفقر إلى وقود للتفوق والشهامة. هذه القيم – الجلد، التنافس البريء، والقدرة على النهوض بعد السقوط (كما في نزال “الهندسي”) – هي ما نفتقده اليوم.

    إن تساؤلاتك الفلسفية حول هوية المنطقة وتمييز أبنائها (الناضوري، الوجدي، الحسيمي..) تفتح باباً مهماً: هل يمكن لأدوات المعرفة الحديثة أن تعوض قيمة التحمل التي فرضتها الحياة القاسية سابقاً؟ أعتقد أن واجبنا الآن هو دمج هذا الإرث الروحي من الصمود مع ثروة المعلومات المتاحة، لإنتاج جيل لا يعرف “الخواء المعرفي”.
    أُنهي دائماً إجاباتي باسم الحسيمة الجميلة، رغم بعدي عنها، لأنني أجد أن شمس مدينتي تملك القوة الفلسفية التي تنسيني وتجعلني أتجاوز عتمة وبرد الشتاء الإسكندنافي الأسود القارس.

    تحية من
    OSLO
    لك
    و للمغرب الحبيب
    ولمدينتي

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 1

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ23 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 9

سعر الدجاج بـ23 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 6

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57 12

لشكر وحكومة المنصوري

صوت وصورة
جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:37 10

جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء