‪هكذا تتخلص المراكز الاستشفائية المغربية من نفايات "كورونا" الطبية‬

‪هكذا تتخلص المراكز الاستشفائية المغربية من نفايات "كورونا" الطبية‬
صور: أيوب اجوادي
الأحد 1 ماي 2022 - 10:00

داخل قسم الإنعاش بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، يَنهمكُ أحمد في تجميع القفازات والإبر والمَحاقن ومخلفات المرضى داخل وحدات العزل المخصصة للمصابين بفيروس “كورونا” المستجد، وهو يرتدي عباءةً واقية وقناعاً تنفسياً جراحياً وقفازات طبية أثناء العملية.

المُمرض أحمد لم يعد متوجّساً من تجميع ونقل وتخزين نفايات الرعاية الصحية لمرضى “كوفيد-19″، بمعية أطقمه التمريضية المُساعِدة، بل بات يتعامل مع المخلّفات الطبية بمُرونة يومية، تبعاً للبروتوكول الصحي الصّارم المُنتهج من لدن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية للتخلّص من النفايات الطبية.

ككلّ يوم، حينَ يلِجُ أحمد قسم الإنعاش، يتعاملُ بحذر شديد مع النفايات الطبية المُعدية بوحدات عزل الحالات الحرجة والصعبة المصابة بالفيروس التاجي، حيث يقوم بفرز تلك النفايات حسب نوعيتها، ليجمعها في أكياس بلاستيكية، قبل أن يضعها في غرفة خاصة؛ وذلك بحذر شديد.

نفايات الرعاية الصحية مسألة معروفة لدى المستشفيات في الأيام العادية، لكن مع تفشي فيروس “كورونا” المستجد ازداد حجم تلك النفايات، ومعها ازداد الحذر من أن تصبح سبباً في تفاقم الوضع إذا لم يتم التخلص منها. وبناءً على ذلك، يأتي التساؤل المحوري: كيف تعاملت السلطات الصحية المغربية مع “نفايات كوفيد” طيلة الجائحة؟.

حاويات بألوان مختلفة

في ظل تفشي الفيروس التاجي بالمملكة، حتى المآزر والكمامات والقفازات والقلانس صُنّفت كلها ضمن ما بات يُعرف بالنفايات الطبية المعدية. هنا في المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء تُعبّأ النفايات الطبية في أكياس، ثم في حاويات مغلقة، ليتم تخزينها في مكان خاص لا يلجه أحد.

هسبريس واكبت رحلة التخلص الآمن من نفايات “كورونا” الطبية بجناح الإنعاش، الذي بدا لنا شبه فارغ تقريباً من الحالات الحرجة بسبب استقرار الحالة الوبائية، ووقَفت عند طريقة اشتغال الأطر الصحية التي تقوم بفصل وتعبئة وجمع وتخزين النفايات منذ إنتاجها إلى غاية نقلها لوحدة المعالجة بمدينة بوسكورة.

قبل دخول جناح الإنعاش بأكبر مركز استشفائي جامعي في المملكة، ارتدينا قفازات اليدين والقدمين، إلى جانب غطاء الرأس والسّترة الواقية من الفيروس التاجي، ووضعنا القناع التنفسي على وجهنا. وعند ولوج الجناح، لاحظنا أن إدارة المستشفى وضعت حاويات عديدة ذات ترميز لوني داخل وخارج وحدات العزل لجمع النفايات.

وعن ذلك، يقول لنا أحمد بوسكري، ممرض رئيسي بجناح الإنعاش رقم 17 بالمركز الاستشفائي، إن “الأكياس البلاستيكية ذات اللون الأخضر تُخصص للنفايات شبه المنزلية، والأكياس البلاستيكية ذات اللون الأحمر تُفرد للنفايات الخطرة المعدية، بينما تُخصّص العلب الصفراء للأدوات الحادة”.

اشتراطات تجميع النفايات

ينتبه الممرض أحمد منذ اللحظة الأولى لإرشادات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لمكافحة عدوى فيروس “كورونا” قبل ولوج وحدات العزل، حيث يُعقّم يديه بشكل جيد، ويشرع بعدها في فرز النفايات الطبية داخل الوحدة تبعاً لقواعد حازمة لا تقبل الخطأ، وذلك بمعية طاقمه التمريضي المساعد.

أولى القواعد، حسب مُعاينات هسبريس، تتمثل في تجميع نفايات الرعاية الصحية وفقاً للكميات التي يتم إنتاجها في المنشأة الصحية خلال أوقات مناسبة. والقاعدة الثانية تتجلى في فصل النفايات العادية عن النفايات الخطرة أثناء الجمع في أكياس مختلفة حسب الترميز اللوني.

والقاعدة الثالثة هي عدم إغلاق الأكياس البلاستيكية بأي دبابيس حادة، بل تُستخدم أربطة بلاستيكية لهذا الغرض. وفي هذا الإطار، توضع النفايات شبه المنزلية غير الخطرة في أكياس خضراء (كمامات، أقنعة، مناديل التنظيف)، بينما تُجمع النفايات الخطرة التعفنية في أكياسٍ حمراء (أنابيب التغذية الوريدية، أنسجة بشرية).

تلك الأكياس البلاستيكية توضع بدورها في حاويات خضراء، تتضمن علامة الشركة ورمزاً (code barre) يُمكن من معرفة نوع النفايات والوزن وتاريخ الجمع، على أساس أن تكون مُحكمة الغلق لتفادي العدوى؛ وتنضاف إليها حاويات صفراء سميكة مُقاوِمة للثقب بوحدات العزل، وتتضمن النفايات الحادة الملوثة (إبر، محاقن، شفرات)، وهي غير مُنفذة للسوائل.

مواصفات غرف التخزين

نفايات الرعاية الصحية لفيروس “كوفيد-19” يتم تخزينها بجناح الإنعاش نفسه بالمركز الاستشفائي ابن رشد، بعيداً عن المرضى في مكان خاص، إلى حين نقلها إلى مستودع التجميع النهائي، ومن ثمّ إلى وحدة المعالجة النهائية ببوسكورة. وتعليقا على ذلك، يوضح الممرض أحمد بوسكري أن “كل وحدة عزل تتوفر على 3 حاويات لتخزين النفايات، تُغلق بإحكام بعد امتلائها، وتنقلها الشركة المفوض لها تدبير هذه المسألة”.

ويمضي محدّثنا مستطردا: “العملية الأساسية في التخلص من النفايات هي الفرز، وبالتالي فهامش الخطأ ممنوع، وهو ما نقوم به بدقة شديدة في جناح الإنعاش بواسطة الأكياس البلاستيكية ذات الترميز اللوني، لتقوم الشركة الخاصة بما تبقى من خطوات ميدانية لنقل النفايات الطبية إلى وحدة المعالجة”.

وقد تعاقد المركز الاستشفائي مع شركة خاصة لتدبير ومعالجة النفايات الطبية منذ سنوات، قبل حلول الجائحة، مهمتها التخلص من النفايات بطريقة صحيحة. وبشأن هذه العملية، يبرزُ محمد أوحادوس، رئيس مصلحة حفظ الصحة الاستشفائية، أن “المصلحة تسهم في إعداد دفتر التحملات الخاص بشركة المناولة عبر تقنيين متخصصين في كل ما يتعلق بالأخطار البيئية”.

ويتابع المسؤول الصحي ذاته بالمركز الاستشفائي ابن رشد، في دردشة مع هسبريس، بأن “المصلحة تعمل على التتبع اليومي لمدى احترام دفتر التحملات من طرف شركة المناولة، وتسهر كذلك على عمليات فرز النفايات، وتقوم أيضاً بزيارات إلى المستودع النهائي بالمشفى، أو محطة المعالجة ببوسكورة، قصد الوقوف على درجة احترام نظافة المكان”.

مسارات نقل النفايات

بعد تخزين حاويات “نفايات كورونا” داخل موقع خاص بجناح الإنعاش، يتم نقلها تبعاً لمسار محدد إلى المستودع النهائي. وهنا يبدأ دور الشركة التي تعاقد معها المركز الاستشفائي، إذ تُنقل الحاويات مرتين في اليوم عن طريق طاقم يتكون من شخصين؛ أحدهما يُطهّر الحاويات ومكان التخزين معاً، وثانيهما يحمل تلك الحاويات إلى مركبة صغيرة خارج الجناح.

طاقم الخدمات الناقل للنفايات الطبية يحمل هذه الأخيرة إلى المستودع النهائي وفقاً لمسارٍ صارم، وهو يرتدي ملابس واقية ضد العدوى، وذلك خلال وقت زمني محدد أيضاً، إذ يتم وزنها عند مصلحة تابعة للشركة، ويتم تحديد نوع النفايات وتاريخ تسليمها. ويبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الأكياس البلاستيكية الخضراء نحو 0.55 درهم، فيما يصل سعر الكيلوغرام الواحد من الأكياس البلاستيكية الحمراء إلى 10 دراهم.

وفي هذا السياق، يوضح لنَا محمد أوحادوس، رئيس مصلحة حفظ الصحة الاستشفائية بالمركز الاستشفائي ابن رشد، أن “الشركة المفوض لها تدبير القطاع ملزمة بنقل النفايات الطبية إلى معمل المعالجة ببوسكورة مرتين في الأسبوع على الأقل، حيث تتم إزالة الأخطار منها بمجرد وصولها، لتُصبح نفايات شبه طبية”.

ويكشف المسؤول الصحي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أنه “يتم تطهير الحاويات قبل إعادتها إلى المركز الاستشفائي”، ليردف بأن “المصلحة تقوم بزيارات ميدانية مفاجئة إلى المعمل للوقوف عند طرق تنظيف حاويات النفايات، وتقوم باختبارات علمية للنفايات شبه الطبية التي تمت معالجتها للتأكد من غياب العدوى قبل التخلص منها”.

بروتوكولات تدبيرية بالمشافي

منظومة التخلص من النفايات الطبية ليست وليدة الجائحة، بل تعود إلى 17 سنة، حيث لجأ المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء إلى التدبير المفوض قبل صدور القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، وغيرها من القوانين التي أفضت إلى تحسين ممارسات إدارة النفايات.

وبهذا الخصوص، يوردُ الحسين بارو، رئيس قسم الإنعاش بالمستشفى الجامعي ابن رشد: “تدبير النفايات مسألة بدأناها قبل كوفيد-19، إذ توجد نفايات طبية أخطر من كوفيد نفسه”، ليلفتَ إلى أن “المستشفى يعتمد بروتوكولات واضحة للتخلص من النفايات، يتم تحيينها عبر الدورات التكوينية الدورية للأطقم الصحية”.

ويُنتج المغرب أزيد من 22600 طن من النفايات الطبية في السنة؛ منها 7642 طنا من النفايات الخطرة، حسب مصدر مطلع من وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. وتتوزع تلك النفايات الخطرة بدورها بين القطاع العمومي (4352 طنا سنوياً) والقطاع الخاص (3290 طنا سنوياً).

ولا يوجد نظام موحد لتدبير النفايات بالمستشفيات الوطنية التي تتعاقد مع شركات خاصة مرخص لها من طرف وزارة الصحة (يبلغ عددها حالياً 13 شركة)، على أساس أن السعة الإجمالية للمرافق التي تم تشييدها لمعالجة النفايات الطبية تصل إلى 33116 طنا سنوياً، يضيف المصدر الوزاري عينه.

تحديات بيئية وصحية

يُشير القانون رقم 28.00 المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها إلى أنه يحظر رمي النفايات الطبية والصيدلية، التي تتوزع إلى نفايات مماثلة للنفايات المنزلية (تمثل نسبة 80 بالمائة تقريباً من الحجم الكلي للنفايات)، ونفايات خطرة (تمثل نسبة 20 بالمائة تقريباً من الحجم الكلي للنفايات)، خارج الأماكن المبينة في المخططات المديرية الجهوية.

ويخضع جمع النفايات الطبية والصيدلية ونقلها لترخيص يُمنح من طرف الإدارة لمدة أقصاها خمس سنوات قابلة للتجديد. وبالنسبة إلى المركز الاستشفائي ابن رشد بالدار البيضاء، تشرف شركة “Athisa Maroc” على تدبير ومعالجة النفايات الطبية الخطرة بطرق تضمن المحافظة على البيئة.

لهذا السبب، شيّدت وحدة لمعالجة النفايات الطبية بمدينة بوسكورة، بما يشمل “نفايات كورونا”، حيث تتكون من مرفق لتلقي حاويات النفايات الطبية، ومرفق لمعالجة وتعقيم النفايات، ومرفق لطحنها، ومرفق لتنظيف الحاويات البلاستيكية، ومرفق لتنظيف شاحنات النقل، ومرفق لتخزين الحاويات المنظفة في انتظار إرسالها للمؤسسات الصحية، ومرفق للتبريد من أجل تخزين النفايات في انتظار معالجتها.

ويتم نقل نفايات الرعاية الصحية من المركز الاستشفائي ابن رشد عبر عربات خاصة صوب الوحدة، وفقاً لمعاينات هسبريس، إذ توضع النفايات شبه المنزلية والنفايات الخطرة في شحن مختلفة؛ وبعد وصولها إلى المعمل، تخضع للتعقيم من أجل القضاء على الجراثيم المسببة للأمراض باستعمال درجة حرارة وضغط مختارين، ولا يتم حرقها لتفادي انبعاث الغازات المضرة بصحة الإنسان والبيئة.

وبعد عملية التعقيم، تُنقل “نفايات كورونا” المُعالجة إلى مرفق الطحن، حيث تُطحن قبل إرسالها إلى مطرح النفايات. كما توجد مراقبة داخلية من لدن الشركة أثناء عملية التعقيم، وكذا مراقبة خارجية من طرف مختبر محلف معين من طرف وزارة الصحة، تبعاً لإفادات مصدر مسؤول من الشركة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • متطوع في المسيرة الخضراء
    الأحد 1 ماي 2022 - 12:43

    الأغلبية المطلقة من المغاربة تاقلموا مع وباء كورونا بنوع من الثقة بالنفس ولم يستطيعوا التأقلم مع الاطقم السياسية الدين سيطروا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في وطننا الحبيب ..// وبناء عليه فإن وباء كورونا ارحم من وباء المسؤولين الفاقدين للشرعية الدستورية والأخلاقية حسبنا الله ونعم الوكيل

  • جميل
    الأحد 1 ماي 2022 - 12:54

    هادشي كلش جميل و خاصو يدار….و لكن فين لغة الوطن العربية في الإرشادات…..واش حنا مغاربة أو فرنسيين ….هادو في الصور كلهم مغاربة….غريب أمركم يا مسؤولين.

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 4

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة