يُحتفل عالميًّـا باللِّسان العربيّ في الثامن عشر من دُجنبر من كل سنةٍ. ولعلّ مِـمّا يَنبغي أن يُلْتفَت إليه، بهذه المُناسبة، تأكيد مدى حاجة اللِّسان العربيّ إلى الاجتهاد المُؤسَّس لإيجاد حُلولٍ مُناسبة لأهمّ المُشْكلات التي ترتبط بـﭑستعماله والتي من أهمّها وَضْع مُصطلَحاتٍ تُواكب ما يُستجدّ في الألسن العالَميّة (بالخصوص منها الإنجليزيّ، والفرنسيّ، والإسبانيّ).
وبما أَنّني ﭐستعملتُ في مَقالي الأخير لفظَ «الدَّارِهة» في مُقابل اللّفظ الأجنبيّ «Drone» (من خلال ترجمة عُنوان كتاب “نعوم تشومسكي”: «عن الاسْترهاب الغربيّ: من هِيرُوشيما إلى حرب الدَّارِهة» [2013])، فرُبّما يَكُون توضيحُ مُقْتضيات هذا الاستعمال مُساهمةً في الاحتفال باللِّسان العربيّ على الوجه الذي يُعزِّز حُضورَه في الحياة المُعاصرة لسانًـا للنّاس فيه مصلحةٌ عمليّةٌ.
من الشّائع أن يُقال «طائرةٌ بدون طَيّار» في ترجمة اللّفظ الإنجليزيّ «دْرُونْ» (Drone)، إنْ لم يُكْتف بـﭑستعمال هذا اللّفظ المُعرَّب نفسه. ويَدُلّ لفظ «دْرُونْ» في أصل ﭐستعماله على «ذَكَر ﭐلنَّحْل» الذي صُمِّمتِ الطائرةُ المَعْنيّة وصُنعتْ بمُحاكاة صُورته وبِنْيته. ويَتعلّق الأمرُ بطائرةٍ يُتحكّم فيها عن بُعْدٍ وتُستعملُ عسكريًّــا للهُجوم المُباغت كما هو معروف. فما الذي يُوجب ﭐعتمادَ لفظ «الدَّارِهة» بَدَلًا من الاكتفاء باللّفظ المُعرَّب «دْرُونْ» أو ﭐستعمال لفظ «الزَّنّانة» مُقابِلًا له كما عند الفلسطينيِّين الذين يُعَدُّون من أبرز ضحايا الاستخدام العسكريّ لتلكـ الطائرة؟
لا بدّ، أوّلا، من تأكيد أنّ أيَّ لفظٍ مُعرَّب لا يَفْرِض نفسه لُغويًّـا إِلّا حينما يَشيع ﭐستعمالُه بالشّكل الذي يُصعِّب وَضْعَ مُقابلٍ مُناسب له بالاشتقاق أو الاستعارة أو النّحْت. وبالتالي، فكُلّما أمكن توليدُ مُصطلَحٍ بإحدى هذه الأدوات لا يَبقى ثَمّةَ مُبرِّرٌ لاستعمال المُعرَّب، وبالخصوص إِذَا ﭐرتبط بلفظه معنًى سَلْبيٌّ كما هو الحال بالنِّسبة للفظ «دْرُونْ» الذي يُحيل بصورته الصّوتيّة/الصّرفيّة إلى كلمة «دَرَنٌ» بمعنى «وَسَخٌ»، بل إنّ نُطْقَه على صيغة «فَعُولٌ» («دَرُونٌ») يَجْعلُه أشبهَ بـ«صفة المُبالغة» من «دَرِنَ» (على الرّغم من أنّه فعلٌ لازمٌ بمعنى «وَسِخَ وتَلطّخ»). أمّا لفظ «الزَّنّانة»، فتسميةٌ عاميّةٌ تَدُلّ على المُسمّى بالإشارة إلى صَوْته (في الإنجليزيّة فعل «to drone» مُرادف «to buzz» بمعنى «طَنَّ/أَزَّ» للدّلالة على صوت النّحْل والذُّباب) وتختلط باللّفظ الفصيح «الزَّنّان» الدّالّ إمّا على «التُّهَمة» (مَنْ يُكْثِـرُ من الاتِّهام) وإمّا على «مَنْ يُكْثِـر من حَقْن أو حَبْس بَوْله». والحالُ أنّ صوتَ تلكـ الطّائرة أقربُ إلى صوت النّحْل والذُّباب والزّنابير، وهو ما يُسمّى عُموما «الأَزِيزُ» (من «أَزَّ، يَـئِـزُّ/يَـأُزُّ» بمعنى «تَحَرّكـ وﭐضْطرب» أو «صَوَّت من شِدّة الحَرَكة») أو «الطَّنِينُ» (من «طَنَّ، يَطِنُّ»).
ومن ثَمّ، فإنّ كونَ لفظ «دَارِهةٌ» صفةً مُشْتقّةً من فعل «دَرَهَ» (يُقال «دَرَه عليهم» بمعنى «طَلَع عليهم وهَجَم من غير أن يَشْعُروا به») وثُبوتَ ﭐستعماله بمعنى «دَاهيَةُ أو هاجِمةُ ﭐلدَّهْر» (يُقال «دَارِهةُ ﭐلدَّهْر»)، فضلًا عن قُرْبه الصّوْتيّ/الصّرْفيّ من اللّفظ الأجنبيّ «Drone» (يَشْتركان في صوتيْ «الدّال» و«الرّاء»)، وأيضا مُماثَلته للَفظ «الطّائرة» في الصِّيغة («الفَاعِـلة»، مع إدْراكـ أنّ صيغةَ «الصِّفة» هذه حينما تَتحوّل إلى «الاسم» تَزْدوج بـ«معنى المُبالَغة» كما في «الدّاهية» و«الوَاقعة» و«الظّاهرة» و«الحَاقّة» و«الصاخّة») يَجعلُه أنسبَ من غيره لأداء معنى العبارة الشّارحة «طائرة من دون طيّار». وإلَّا، فإنّ لفظَ «الدّارهة» يُعبِّر بشكل جيِّدٍ عن معنى «الطّائرة المُهاجِمة والمُباغِـتة التي يُتحكَّم فيها بُعْديًّـا» (مُثَنّاها «دارِهتانِ»، وجمعُها «دارِهاتٌ» أو «دَوَارِهٌ»).
وهكذا، فإنْ من يَعْنِيه أمرُ اللِّسان العربيّ لن يَستسلم للعبارة الشّارحة «طائرة من دون طيّار» (مُقابِـلُها الإنجليزيّ: Unmanned Aerial Vehicle) ولن يُغْرِيَهُ رَنينُ اللَّفظ المُعَرَّب «دْرُونْ» (الذي يَخْرِق القاعدة الصوتيّة/الصّرْفيّة في العربيّة: عدم البدء بساكنٍ!)، بل سيُبادر إلى ﭐستعمال كلمة «الدّارِهة» إِلَّـا أن يَظْهَر له ما يَدْعوهُ إلى النُّهوض بواجب الاجتهاد للإتْيان بمُصطلحٍ أفضل منه تعليلًا وأجدر بالإعمال. وأمّا مَنْ كان لا يَهتمّ بهذا اللِّسان إِلَّـا على سبيل «المِـثال النّقيض» الذي يُسْعِفُه لتبرير ما يَعُدّه رهانَ حياته، فلا يُطْلَب منه شيءٌ أكثر من أن يَتْرُكـ اللِّسان العربيّ كشأنٍ لا يَعْنيه.
وإنّه لمن الحيويّ للِّسان العربيّ أَلَّا يُتوانى في الاجتهاد المُؤسَّس لوَضْع المُصطلَحات أو لمُراجَعتها تَمْحيصًا نَقْديًّـا وتَصْويبًـا منهجيًّـا. وإنْ شاء اللّـهُ تعالى، ستَأتي مَقالاتٌ أُخرى تَتناوَلُ بعضَ المُصطلَحات مثل «ﭐسْترهاب» (في تَميُّزه عن «إرْهاب») و«مُقاصَّةٌ» (كــﭑسْمٍ بصيغة «مُفاعَلة» مُشْتقّ من فعل «قَاصَّ») و«نَفْس/ذِهْن/عَقْل» (تحديد الفُرُوق الدّلاليّة والاصطلاحيّة بينها، وبيان مُقابِلاتها الأجنبيّة) و«المَعْرِفة/العِرْفان/التَّعَرُّف/الاعْتراف» (تحديد الفُرُوق الدّلاليّة والاصطلاحيّة بينها، وبيان مُقابِلاتها الأجنبيّة).
مشكلتنا اننا نقدس لغتنا ،وكل مقدس نهاب تجديده بل تعتبر كل محاولة تروم تجديده إساءة له صادرة عن عدو له .
كصيغة صرفية، وكبناء دلالي مشتق من فعل "دره"، يعد الامر مقبولا بل إنك مأجور على اجتهادك، لكن كاصطلاح فـ"الدارهة" بالمعنى الذي يحمله الأصل "دره" تحتمل اكثر مما يحتمله التعبير "طائرة بدون طيار" الذي يحيلنا على آلة للتجسس تتسم بالسرية وتبتعد عن عنصر المباغتة والهجوم المصحوب بالجلبة وليس الطنين فحسب. هذا بالإضافة إلى أنه من الناحية التداولية يصعب إقناع اللناطق بالعربية بالتخلي عن "المتعارف" لصالح "المبتدع" فكثير من الاخطاء الشائعة أصبحة أقوى لغويا من الصواب. أنا أروم إلى وجوب احتضان اللغة العربية للألفاظ المستعملة بشكل عفوي وتحويرها لغويا ونحويا حتى يتسع لها القاموس عوض ابتداع كلمات جديدة تحتاج وقتا طويلا ليتعرف عليها جمهور اللغة في الوطن العربي وخارجه. وتحية أخوية لكم أستاذ عبد الجليل.
يقول "لودفيج فيتجينشتاين" ان لغة العامة ، لغة الحس المشتارك ،هي الخزان الحقيقي للمفاهيم الفلسفية ، وبما ان اللغة العربية ليست لغة العامة ، بدون خزان ، من المفروض عليها ان تستعين بخزانات غيرها تجنبا لتلعثم لسانها اوتصلبه وينكف عن الكلام نهائيا ، الكلمة لا تأخذ دلالتها الا في سياق لسان الولادة ، لذلك يقال ان الترجمة مشروع فاشل ، رداءة "المنتوج" الفكري العربي مرده الى توظيف مصطلحات ومفاهيم ليست من صلب اللغة العربية …من وصف اللغة العربية بالبحر لم يكن مخطئا بالنظر الى كثرة الاسماء والصفات وقلة الافعال …الدرس الابستيمولوجي يقول ان حصر الظاهرة ، فزيائية او لغوية ، في نطاق اضيق هو الخطوة الاولى نحو فهم جيد ومفيد ، لكن
اللغة العربية تعاني من تضخم لفظي فظيع وتعدد معاني اللفظ الواحد بسبب الاقتباسات والترجمات وقلة الاعتماد على النفس وتعب البحث والتسول عند الغير ، قد يمضي المرأ طول حياته دارسا لها دون ان يتمكن من الاحاطة بنصف رصيدها ، لو لم تكن بحرا لما انتجت مدارسنا هذا الكم الهائل من الكسالى ومتسولي المعنى عند الغير الذي سيصبح لاحقا قائد "مؤامرة" ضد لغة اهل الخلاص والجنة …
أصدق معاني الالفاظ هي التي تجد لنفسها في الطبيعة وزنا ، مثل ، خرير مياه ، موء قطة ، زنانة ذبابة او زقزقة عصفور ، محاكاة جيدة لاصوات الطبيعة ، وليست الالفاظ التي ترفع المعنى الى سدرة المنتهى المطهرة من نجاسة نفايات العالم ، الكلمة التي لا وزن لها في تفعيلات الفراهيدي اعتداء غاشم على قدسية اللغة العربية ، لكل مقال مقام ياسيدي ، في حضرة سيد الالفاظ ، "درن" لا تليق بمقامه ، لانها تعني "وسخ"والنظافة من الايمان ، لكن ، في المقهى او في اي مكان بعيد عن مقام الكبار ، قد يقول الواحد منا لصديقه "البارح درنا واحد الماتش واعر ،"درنا" هنا ، لا تعني "وسخ" ، لسبب بسيط ، لا وزن لها في ميزان الذهب الفراهيدي ، من اين سيأتيك المدد ، ياسيدي ، حينما تشل ، عمدا ، قدرتك على التفكير والابداع ؟ يحاصر لغته بقلاع من قواعد اخلاقية ونحوية ، خوفا من اي اختراق ، ويعاتب نفسه على تخلفه وتخلف لغته ، التزاوج من اركان البقاء والاستمرار، اللغة العربية في المغرب لها اكبر احتياطي لغوي في شمال افريقيا ، لكنها تدرك ان نهايتها هي انفتاحها على هذه اللغات ،ستبتلعها ، لذلك يستحفلونهما في الامم المتحدة خوفا عن مصيرها
إلى أن يتفق اعراب تونس ومصر و سوريا و العراق على الاقتراح من الافضل ربحا للوقت استعمال الأنجليزية التي لا يختلف اهلها
اسدي سموها الهدهد
اليس الهدهد طائرا
الم يرسله سليمان في مهمة استخبراتية
تعلمو من الغراب ان شأتم
ولا تكونو كالببغوات
ملاحظات لغوية دقيقة جدا جديرة بالاهتمام، وكم نحن بحاجة إلى مزيد منها في هذا الزمن الذي يعتمد الترجمة التقنية بدل ترجمة المعنى.
أما المعقبون الحاضرون والغائبون الذين لا يَرَوْن فرقا بين الإسم الظرف (فوق) وحرف الجر (على) وبين الكوع والبوع، فلا بأس أن يحتفظوا بالترجمات التقنية الرديئة لأنفسهم أو كما قال الكاتب "مَنْ كان لا يَهتمّ بهذا اللِّسان إِلَّـا على سبيل «المِـثال النّقيض» الذي يُسْعِفُه لتبرير ما يَعُدّه رهانَ حياته، فلا يُطْلَب منه شيءٌ أكثر من أن يَتْرُكـ اللِّسان العربيّ كشأنٍ لا يَعْنيه".
أحيي بداية أخانا عبد الجليل على هذا المقال الطيب، وأهنئه بصفة أخص على هذا المولود الجديد "الدارهة".
صراحة أرجو من الإخوة المهتمين، العناية بتعهد هذا اللفظ حتى يصطلح عليه الناس، وينال حظه من التداول والانتشار بين الألسنة .
أما المنتقصون والبطالون، فليس غريبا ما يصدر عنهم من همز ولمز وتسطيح وشطح، فكل إناء بما فيه ينضح.
ليس مشكل الأمة العربية في ايجاد مقابلات لما تخترعه عقول الغرب ، إنما المطلوب منك يا أستاذ تطوير التكنولوجيا حتى تلحق امتك بالركب بدلا من اغراقها في خلافات لا طائل منها……