في سالف الدهر والأوان، كان الدخول المدرسي يشكل قطيعة مع الانفلات من اللامعنى للوقت، والتحلل من كل انضباط.
كانت العطلة الصيفية فراغا قاتلا للبعض، حيث الانسداد لكل أفق ترفيهي، وضيق فضاءات التنشيط والمرح الجميل. وهي للبعض الآخر زمنا لتذوق أصنافا من معاني القسوة والشقاء، حيث يُدفع به لامتهان صنعة أو حرفة تستغرق اليوم كله وجزءا من الليل. حينذاك يشد الحنين الجميع إلى مقاعد الفصل الدراسي، وكل الشوق إلى ذلك الزمن المستقطع للظرف بجلسة مع الأقران، وتشنيف الأسماع بوابل من الحكايات والبطولات التي خيضت في العطلة. والركض بين أروقة المدرسة على نغمات ضحكات البراءة، وصياح الشعور بمعاني الحبور. فلكل هذا وغيره، ما إن يهل شتنبر حتى الأعناق مشرئبة لأبواب المدارس استعجالا لفك الأغلال القابضة على أبوابها، والآذان ظمأى، تستعذب الأوان الذي ينساب فيه رنين الجرس بين طبلاتها، فذلك من شأنه أن يُذهب عنهم ما هم فيه من قنوط أو شقاء.
إنه يوم عيد المدرسة، اليوم الأول في المدرسة. وككل الأعياد، لتخليدها يتطلب الأمر ترتيبات واستعدادات ترقى إلى مستوى الحدث، حدث التربية والتعليم والتكوين، بوابة كل ترقي فردي ومجتمعي. فتستعيد المكتبات نشاطها بعد أسابيع من الركود، وتكرس اللوازم المدرسية سيدة العروض التجارية في مختلف المواقع والأسواق، فيأخذ الأطفال والآباء أهبتهم ل «أيام الجد والنشاط» المتجسدة في «العودة إلى المدرسة». هي عناوين لنصوص قرائية من عهد الأستاذ أحمد بوكماخ رحمه الله، وأناشيد احتفالية بالدخول المدرسي، يتردد صداها خارج أسوار المدرسة، لازالت أجيال تعيش على وقع نغماتها. في مثل هذا الوقت تكرس جهود الأسر وميزانيتها لتأمين مستلزمات الدراسة، ويستبد الحديث التربوي بكل والمجالس والمنابر الإعلامية شعبيا ورسميا. حديث أقل ما يرجى منه شحذ الهمم، وتحفيز العزائم للدفع بكل طاقتها نحو التحصيل والتفوق فيه. كما يسعى الفاعلون في الشأن التربوي والمجتمعي لتأطير هذا الدخول بما يستحق من قيم إيجابية، ترفع منسوب الإقبال على التعلم باهتمام وعناية كبيرين.
بين ثنايا هذه الأجواء والطقوس الاحتفالية، تبزغ أصوات قد تفسد العرس التربوي، وتجعل الجميع متوجسا من استكمال مراسمه، في سياق ما يتداول إعلاميا عن أشكال احتجاجية لفئات من الموارد البشرية داخل الجسم التعليمي. وبلاغات توصف بالنارية يصعب التأكد من الجهة الصادرة عنها بالنسبة لبعضها، وجدت في الفضاء الرقمي المفتوح مجالا للنشر والتداول على أوسع نطاق. وهي أخبار إن تبثت صحتها وجديتها من شأنها أن تبعث التوجس والقلق على مصير الأبناء الدراسي، والفتور في التعاطي مع طلائع بشائره الأولى. وخصوصا ونحن لم نبتعد كثيرا عن الحراك التعليمي الذي لم يهدأ لهيب ناره إلا بعد أسابيع عديدة، ولازالت بعض شراراته متطايرة تهدد ما حققه التعديل الذي لحق بعض بنود النظام الأساسي التي لم تنتظر التنزيل في جزء منها.
“مَن طَلَبَ العُلا سَهرَ اللَّيَالِي”
“.He who aspires to greatness must endure sleepless nights”
(جزء من بيت شعر للإمام الشافعي معناه هو أن تحقيق الأهداف السامية (العلا) يتطلب جهدًا وعملًا متواصلًا، حتى السهر في الليل)
“في صمت الجرس المدرسي تكمن نبضات الأمل التي تبعث الحياة في مستقبل الأمم.”
أستاذ عبد الرؤوف،
في مقالتكم الثمينة استحضار عميق للروح التي تميز لحظة الدخول المدرسي، التي كانت ولا تزال رمزًا لفصل من الانضباط والطموح، وخروجًا من فراغ العطلة إلى فضاء التكوين والمعرفة. لقد برأتم المدرسة من كونها مجرد بناء أو مكان، لتجعلوها فضاءً للقاء الطفولة ببهجتها، والطموح بحيويته، والتعلم بروحه. ثم انتقلتم بحكمة لتذكيرنا بأن هذه اللحظة الجميلة قد تظل مهددة إذا ما طغت عليها أصوات الاحتجاج وغياب الاستقرار، وهو أمر يدعو إلى تأمل جدي والمسؤولية المشتركة.
إن المدرسة تحتاج إلى أن يكون فيها الانسجام بين العاملين فيها والمجتمع المحيط، كي يظل الجرس معلناً الفرح والحياة لا القلق والتوتر. فرفعة التعليم في مجتمعاتنا تتوقف على جودة هذا الحوار والالتزام الجماعي بروح التغيير الحقيقي.
ALHOCEIMA