أحداث 16 مايو والمجالس العلمية

أحداث 16 مايو والمجالس العلمية
الجمعة 10 ماي 2013 - 11:48

شكلت المجالس العلمية امتداد لطبقة العلماء، ونتاج لراسب بنيوي داخل حياة الملوك والسلاطين الذين حكموا المغرب. فارتباط الدين بالسياسة في الحكم بالمغرب جعل السلاطين يعتمدون في إرساء حكمهم و شرعنته على طبقة العلماء، وكان لهذا الاعتماد أساليبه وطرقه،(كالمال والنسب والقهر…)، فتطورت المناظرات التي كانت تنظم في حضرة السلطان لتأخذ شكل مجالس سلطانية علمية مع توالي السلاطين،وسيزداد اهتمام النظام بهذه الطبقة ولا سيما بعد ظهور الحركات اليسارية بشكل قوي بمختلف منظماتها وأحزابها و نقاباتها، وكذا بداية تمكن بعض الحركات الإسلامية من فرض إيديولوجياتها داخل المجتمع جعلنا أمام جماعات إسلامية متعددة ومختلفة في فعلها الديني، ومتنوعة في أدائها السياسي، الأمر الذي يستلزم الحديث عن جماعات إسلامية بصيغة الجمع عوض الحديث عن حركة إسلامية مغربية موحدة..ولمواجهة تيارات الإسلام الحركي بالمغرب، سنتالمؤسسة الملكية للحفاظ على مشروعيتها الدينية مجموعة من قرارات لتنظيم الحقل الديني.نذكر على سبيل المثال :

• قرار إحداث مجالس العلماء سنة(1980). وهذا هو جوهر أطروحتنا .

• وقرار تنظيم الولوج إلى المساجد سنة (1986).

• وإعادة هيكلة أدوات تأطير المجال الديني سنة (1989 و1996 و2000 و 2003).

• وظهير يقضي بإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى وبإحداث الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء (2004).

ويبدو أن الهدف من قرار إنشاء المجالس العلمية كان يتجلى في دعم المجال الديني الرسمي من خلال تجديد مؤسساته وتقويتها، حيث أن الفرضية السائدة التي كانت تستند عليها النظرية السياسية والتحاليل الجارية، بل والممارسة السياسية، تقول إن العلماء فيما قبل كانوا يشكلون مؤسسة سياسية تقوم بدعم الحكم وإضفاء الشرعية عليه من خلال تزكية قراراته السياسية وتكريس نفوذه داخل النظام السياسي المغربي.

ونلمس هذا في خطاب العاهل المغربي فيفاتح فبراير 1980: “… أصبحتم حضرات العلماء غائبين عن الميدان اليومي في المغرب، ولست أدري ولا أريد أن أدري هل أنتم أو الإدارة أم السياسة أم البرامج، بل يمكنني أن أقول، أنكم أصبحتم غرباء… أصبح الإسلام وتدريس الإسلام في الجامعات وفي المدارس الثانوية لا يعدو أن يكون دروس تعليم نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة، فأين هو تحليل النظام الاقتصادي-الاجتماعي… إن الدين هو قبل كل شيء معاملات… الشورى في البرلمان حتى معاملات السلطة مع الرعية هي معاملة الرعية مع الأقلية منها… هكذا فإن السلطة السياسية ترى أن غياب العلماء كان سببا ضمنيا لانتشار حركات إسلامية حاولت أن تستغل هذا الفراغ وتحاول ملأه؛ وكان من الضروري تقوية وخلق مجالس علمية تتولى الانتشار في مختلف الأقاليم؛ وهذا ما أكده الخطاب الملكي التوجيهي: “… إذ جعلنا في ظهيرنا إمكانية خلق مجالس علمية في كل إقليم كلما توفر الإقليم على الأطر الصالحة التي يمكنها أن تبلغ وتحسن التبليغ….

وعلى منوال هذا القرار جاءت جل القرارات التي تلته ورسمت الأهداف والآليات والتقنيات.

بعد أحداث 11شتنبر2001 وما تلاها من محطات إرهابية بباقي أقطار العالم،ثم الحرب على الإرهاب وغزو العراق وأفغانستان من اجل إسقاط حكم الطالبان، باعتبار أن نظام الطالبان هو القلب النابض والمحرك الرئيسي لتنظيم القاعدة وهو المنظم للعمليات الإرهابية التي تقع بجل الدول، شكلت هذه المعطيات إقبالا كبيرا من لدن المجتمعات والمهتمين بالسياسة والأدب والفن على دراسة الإسلام ومراجعته وتحديد علاقته بالإرهاب،مما دفع بالنظام من جديد إلى مراجعة القرارات التي أتحدت منذ 1980 في الشأن الديني ليجدد الحقل الديني عامة و المؤسسة العلمية بالخصوص ،ليحد من اكتساح الإسلاميين للعمل الاجتماعي والسياسي،ويدخل المغرب ضمن الدول الإسلامية المعتدلة والرافضة لكل أنواع التطرف والغلو والإرهاب.

ويمكن اعتبار أحداث 16ماي 2003 التي وقعت بالدار البيضاء بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس لينطلق النظام في سن ترسانة من الظهائر والقوانين المنظمة لشأن الديني بالمغرب لكن هذا المعطى وحده غير كافي لتقييم السياقات السياسية التي ساهمت في إعادة الهيكلة للمؤسسة العلمية ، فلابد من استحضار تنامي المد الإسلامي بالمغرب منذ تسعينيات القرن الماضي من خلال اكتساح الإسلاميين للجامعة وسيطرتهم عليها،ثم تمكنهم من تأطير طبقة واسعة وشرائح مختلفة من المجتمع جعل النظام يبحث عن طرائق وسبل لمواجهة هذا الاكتساح ، فبدأ بإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى ، فأحدث به كتابة عامة ورفع عدد المجالس العلمية المحلية، وقرر إشراك المرأة العالمة وتقنين الفتوى بإحداث هيئة للإفتاء تابعة للمجلس العلمي الأعلى إلى سياسة محكمة من طرف النظام لسحب البساط من تحت أقدام الحركة الإسلامية والحد من مفعولها السياسي،وبالخصوص جماعة العدل والإحسان التي تنافس الملك في مشروعيته السياسية والدينية.وكذا حزب العدالة والتنمية الجناح السياسي لحركة الإصلاح والتوحيد الذي ينادي بعض قياداته بضرورة الملكية البرلمانية وسيادة القانون.

أما الجماعات السلفية باختلاف أسمائها بين وهابية وجهادية وقتالية فإن كانت تنعم بالدفء في عهد الراحل الحسن الثاني الذي كان يرى بأنها لا تشكل أي خطر على الاستقرار السياسي بالبلاد،فان انخراط المغرب في الحرب العالمية على الإرهاب حسب القاموس الأمريكي أصبحت لهذه الجماعات ثأتيراتها السياسية والدولية، مما جعل النظام يواجهها بقانون الإرهاب ثم حثه المؤسسة العلمية على العمل لتصحيح كل الأفكار الهدامة والمتطرفة وفي هذا الصدد يقول الملك محمد السادس :(…وتجسيدا لما أعلنا عنه في خطاب العرش الأخير وخطاب 30ابريل2003 بالدار البيضاء،وما اتخذناه من إجراءات وتدابير لازمة لذلك،ها نحن اليوم،نشرع في إرساء وتفعيل ما سهرنا على إعداده من إستراتجية مندمجة وشمولية،متعددة الأبعاد، ثلاثية الأركان،لتأهيل الحقل الديني وتجديده،تحصينا للمغرب من نوازع التطرف والإرهاب ،وحفاظا على هويته المتميزة بالوسطية والاعتدال والتسامح)..وكانت هذه الإستراتيجية الشمولية المكونة من ثلاثة أركان هي كالأتي

– الركن الأول: إحداث المندوبيات الجهوية والإقليمية للشؤون الإسلامية ويقول الملك في نفس الخطاب(وقد أمرنا بتعيين مندوبين جهويين للوزارة،ليسهروا على التدبير الميداني للشؤون الإسلامية)

– الركن الثاني :الأوقاف ويقول الملك في نفس الخطاب بخصوص هذا الركن(…مؤكدين على إحياء مؤسسة الأوقاف،وعقلنة تسييرها ،لتظل وفية لمقاصدها الشرعية والتضامنية الاجتماعية،ومتنامية بإسهام المحسنين فيها)

– الركن الثالث:المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية يقول الملك بخصوص تعيين هذه المجالس(لقد وضعنا طابعنا الشريف،على ظهائر تعيين أعضاء المجالس العلمية،في تركيبتها الجديدة،مكلفين وزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنصيبها ،لتقوم من خلال انتشارها عبر التراب الوطني،بتدبير الشأن الديني عن قرب ،…حاثين إياهم على الإصغاء إلى المواطنين،ولاسيما الشباب منهم،بما يحمي عقيدتهم وعقولهم من الضالين المضلين،حريصين على إشراك المرأة المتفقهة في هذه المجالس ،إنصافا لها ،ومساواة مع شقيقها الرجل).

بعد هذه التوجيهات التي مرت عليها أزيد من عشر سنوات يمكن أن نخلص أن المؤسسة العلمية تمكنت من تمثيلية شاملة ومتكاملة عبر امتداد التراب الوطني برمته، وتمكنت من تشكيل نخبة من العلماء يتميزون بالانضباط التام لخطابها الرسمي ،كما أصبحت المؤسسة العلمية حاضرة في أجندات المؤسسات العمومية عبر مجالسها العلمية المحلية المتواجد على صعيد كل إقليم. وأضحت تشكل عقبة في وجه الإسلام الحركي بالمغرب، بل تشكل تجربة فريدة في العالم الإسلامي قاطبة ، وتشكل تجربة ناجحة لدى دول المغرب العربي كتونس وموريتانية اللتين تعملان على استراد هذه التجربة.

ولكسب رهان الإصلاح الديني بالمغرب لابد من خطوات من قبيل تجديد دور العلماء باجتهادات معاصرة ، و خاصة الاجتهادات المرسخة للقيم الكونية،والداعية للحريات الفردية، والمواكبة للمواثيق الدولية.

فهل ستخطو المؤسسة العلمية هذه الخطوات ؟ أم ستبقى وفية لأسلوبها الحالي؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • anfb
    الجمعة 10 ماي 2013 - 15:13

    Vraiment si bonne article quoi je vois sous jeur. . Bon
    Souvint..aydoudi…

  • khalid aydodi
    السبت 11 ماي 2013 - 01:50

    اصبت الحق
    اصبت الصواب اللدليل

  • foad
    السبت 11 ماي 2013 - 10:41

    صحيح إنها مقالة جديجة تقتحم مجال خاص والكتابات فيه محددة,,, فالسياسة الدينية بالمغرب شبه مغيبة ومنسية ونحن في حاجة ماسة إلى المزيد من الأقلام التي تكتب في وعن ولي الشأن الديني المغربي شكرا هيسسسسريس

صوت وصورة
الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 11:07 8

الأرصفة تتحول إلى مسارات للدراجات

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30 1

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 2

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 4

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 9

مضامين التزامات حكومة المنصوري