نعم، الوقت الآن وقت التضامن والتآزر، والزمن الآن زمن تضميد الجراح، وتقديم العزاء في قوافل الشهداء، ومضاعفة الجهود من أجل إنقاذ كل ما يمكن إنقاذه، من أرواح وجرحى تحت الأنقاض؛ الوقت الآن وقت البذل، والصدق في البذل، والترشيد في البذل. ولكن، بعد كل هذا الذي حدث، بعد كل هذا الدمار الذي خلفه الزلزال، وبعد كل هذا التعاطف الرائع والجميل، الذي عبر، وبلا حاجة إلى كثير تعليق، عن طينة المغاربة، وأبان عن حسهم الوطني البديع، ما حذا بالكثيرين منهم، ممن يشكون الفاقة والاحتياج، إلى تقديم كل ما لديهم، بل وما ليس لديهم؛ طعامهم، وكسوتهم، وفراشهم، ودواؤهم، ثم دماؤهم في النهاية، ما يؤكد مرة أخرى أن لدينا شعبا عظيما، يستحق في عمومه هذه الصفة، وأن لدينا مواطنات ومواطنين بالفعل يستحقون الأفضل والأحسن، حقيقة لا ادعاء.. بعد كل هذه المواجع والأحزان، وبعد كل هذه الملاحم التضامنية، التي سطرها المواطنون والمواطنات، علينا أن نعود لنطرح الأسئلة التي يقتضيها المقام، والتي تعنينا، بما نحن بلاد تريد أن تكون متقدمة، ويهمها أن تعالج نقائصها، وتتخلص من عيوبها، الكبيرة والصغيرة، بالشجاعة المطلوبة، والوضوح المفيد.
علينا أن نستفيد، ونحسن الاستفادة، من كل هذا الذي حدث، من مناظر هذه البيوت الواطئة، التي تحولت في لحظات قليلة إلى أكوام من الحجارة والأتربة، من مشاهد هذه المسالك الوعرة والمخيفة، التي تهجرها وسائل النقل، من وجوه هؤلاء المواطنين والمواطنات، وسحناتهم التي تقول الكثير من معاناتهم وآلامهم، التي لا ينتبه إليها أحد، والتي يتاجر بها سماسرة الانتخابات.
كم هي مثيرة للانتباه والأسف هذه المشاهد على القنوات التلفزية عبر العالم. مازال في بلادنا من يسكن بيوتا من تراب، مازالت في بلادنا دواوير نائية، وتجمعات بشرية معزولة، مفصولة عن العالم كلية، أو تكاد؛ مازال في بلادنا مواطنون لا أحد يدري كيف يتدبرون عيشهم، كيف تلد نساؤهم وأين، من أين يأتون بالدواء حين يستبد بهم المرض، ويباغتهم الألم ليلا؛ ماذا يفعلون حين يشتد البرد شتاء، والحر صيفا، ماذا قدم لهم الذين تناوبوا على التدبير، منذ الاستقلال وإلى اليوم.
لست أدري من أين يأتي الكثير من الساسة بكل هذه الجرأة ليتحدثوا في أمر هؤلاء المواطنين. ترى لو كانت الدور غير هذه الدور، مساكن بمواصفات أخرى، لو كانت المسالك طرقا معبدة، لو توفرت المواصلات الصالحة واللائقة، وكانت المستوصفات والمستشفيات بأسرتها وتجهيزاتها وأدويتها وسيارات إسعافها الكافية، أكان حجم الآلام والخسارات سيكون بهذا المستوى والتكلفة، حتى والأمر يتعلق بزلزال مدمر؟ ما نصيب هؤلاء الناس من التنمية ونماذجها؟ مشكلتنا مع المدبرين، وليست مع المواطنين؛ هذا درس يتكرر أمامنا الآن. حزن خلفه الزلزال، وفخر صنعه المواطنات والمواطنون، وأسئلة تنتظر أجوبة وأفعال المدبرين.
للإشارة فقط: السور التاريخي للعاصمة مبني بالتراب، سور مدينة مراكش كذلك وتارودانت وكل المدن العتيقة، بناء المنازل بالتراب طريقة تستعمل في المغرب وتمتد إلى آسيا الوسطى ولا علاقة لها بالفقر، قصبة آيت حدو بُنيت بالتراب. الأساس في إختيار هذا النوع من البناء هو ملأمته لطبيعة المنطقة بما فيه إنعدام الزلازل القوية، الأطلس الكبير مهد الدولة الموحدية أعظم دولة عرفها الغرب الإسلامي، يريد المحافظة على إرثه وثقافته وسوف يدافع عنهما ولا مجال للقرى النموذجية أو الإسمنت لإعادة بناء ما دمره الزلزال، وربما كان على اليونيسكو إعتبار معمار الأطلس الصغير والكبير تراثا عالميا محميا هذا كان سيحمي المنطقة من غزو الإسمنت. المنازل المبنية بالطوب تبدو متواضعة ولكنها جد ملأمة للمنطقة وفقر سكانها يمنعهم من الإهتمام بمظهرها الخارجي لأن البناء بالتراب أو بالأحجار أغلى بكثير من البناء بالإسمنت.