في أعقاب سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في عام 2024 بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، شرع السوريون، فردًا فردًا، في رحلة شاقة للبحث عن مصير عشرات الآلاف من أحبائهم الذين اختفوا في قبضة الأجهزة الأمنية.
ومع دخول البلاد عامها الثاني من المرحلة الانتقالية، تتكشّف يومًا بعد يوم أدلة جديدة على حملة منهجية للتستر على جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام. تحقيق موسّع أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”، استمر قرابة عام، كشف عن مدى تعقيد تلك المنظومة القمعية وكيف خطط النظام لإخفاء فظائعه التي يصفها كثيرون بأنها “أرشيف للموت”.
وفقًا للوثائق التي تم جمعها ومراجعتها، والمقابلات التي أُجريت مع أكثر من خمسين مسؤولًا أمنيًا، وطبيبًا شرعيًا، ومحققًا، وسجانًا، فإن النظام عمد إلى إخفاء الأدلة لا فقط خوفًا من المحاسبة الدولية، بل أيضًا لإحكام قبضته الداخلية حتى الرمق الأخير.
منذ بدايات الانتفاضة عام 2011، تحوّلت الأجهزة الأمنية إلى ما يشبه آلة قتل بيروقراطية، تُوثّق كل شيء بدقة مفرطة: كل اعتقال، كل استجواب، كل وفاة، بل وحتى كل جثة وُثقت برقمين على جبينها؛ أحدهما يدل على الفرع الأمني، والآخر على هوية المعتقل.
لكن هذه السجلات تحولت لاحقًا من “ضمان” قانوني داخلي، إلى “قنبلة مؤجلة”، تهدد بفضح حقيقة ما جرى خلف جدران سجون تدمر، وصيدنايا، وفرع فلسطين، وغيرها من رموز الرعب في سوريا. الوثائق الداخلية التي وُجدت بعد سقوط النظام تؤكد أن الأسد ومستشاريه الأمنيين أدركوا باكرًا خطورة هذه الأدلة.
ففي اجتماع حاسم عُقد في قصر الرئاسة عام 2018، وبحضور قادة أبرز الأجهزة الأمنية، وعلى رأسهم اللواء علي مملوك، تقرر اعتماد سياسة منهجية لمحو آثار الجرائم.
أحد أبرز هذه الأساليب تمثّل في وقف إرسال بيانات كاملة مع الجثث إلى المشافي العسكرية. فعلى سبيل المثال، امتنع فرع 248 وفرع فلسطين عن إرسال رقم الفرع أو رقم المعتقل عند تحويل الجثث، ما يجعل تتبّع مسؤولية الوفاة مهمة شبه مستحيلة.
في الوقت ذاته، صدرت تعليمات مزورة بتوثيق اعترافات وهمية لمعتقلين توفوا تحت التعذيب، مع إدراج تهم مثل “الانتماء لتنظيمات إرهابية” أو “التخطيط لعمليات تخريبية”، في محاولة لإضفاء شرعية على وفاتهم.
ولم تقتصر الجهود على تزوير الوثائق، بل شملت كذلك التعامل مع مقابر جماعية كأنها عبء يجب إزالته من الوجود. في عام 2019، وبعد ظهور صور أقمار صناعية كشفت عن مقبرة جماعية قرب بلدة قطيفة، أمر العقيد مازن إسمنذر، المكلف بنقل جثث الضحايا، ببدء عملية واسعة لنقلها إلى موقع سري في صحراء الضمير.
الشهادات التي جمعتها الصحيفة الأمريكية توثق مشاهد مروعة: جثث لمدنيين، وعسكريين، ومسنين، بل حتى أطفال، جُرّت بالجرافات إلى شاحنات مغطاة، ثم دُفنت في حُفر بعيدة عن الأنظار، في مشهد يختصر سنوات من الإفلات من العقاب.
رغم هذه الجهود المحمومة، كانت الحقيقة تتسرّب شيئًا فشيئًا. ففي عام 2014، سرّب “قيصر”، وهو اسم مستعار لمصوّر عسكري سوري منشق، صورًا لأكثر من 6,000 جثة، معظمها لمعتقلين قضوا تحت التعذيب. هذه الصور شكّلت أول دليل مادي صلب على جرائم النظام، ودفعت الولايات المتحدة إلى سنّ قانون “قيصر” عام 2019، الذي فرض عقوبات اقتصادية شديدة على النظام السوري وأعوانه.
لكن العقوبات، بحسب ما يكشفه التحقيق، لم تردع النظام، بل دفعت بعض الفروع الأمنية إلى التصعيد في أساليب التعذيب، كرد فعل غاضب على تدهور قيمة الرواتب والانهيار الاقتصادي.
المقابلات مع ثمانية محققين سابقين في فروع أمنية مختلفة تؤكد أن التعذيب لم يتوقف. لم تُصدر القيادة أي أوامر بتقليص أساليب التعذيب، بل على العكس، كان هناك قلق متزايد من أن أي معتقل يُفرج عنه قد يصبح شاهدًا لدى منظمات حقوق الإنسان. لذلك، فضّل بعض المحققين إبقاء المعتقلين حتى الوفاة، حتى لا “يُطلقوا سراح الذاكرة”، بحسب تعبير أحد المحققين.
في سياق متصل، تكشف المذكرات الداخلية من عام 2020 عن جدل داخل أجهزة الأمن حول ما إذا كان يجب إخطار العائلات بوفاة أقربائهم. بعض المسؤولين رأى أن تسجيل الوفيات في السجلات المدنية قد يمنح الأهالي بعض “الإغلاق العاطفي”، في حين حذّر آخرون، وعلى رأسهم رئيس القضاء العسكري اللواء محمد كنجو الحسن، من أن ذلك قد يُشعل موجات غضب واحتجاج شعبي، وهو ما لا يمكن تحمّله في ظل العقوبات الأمريكية.
رغم محاولات المحو، كانت العدالة تطارد النظام من الخارج. في عام 2023، أصدرت محكمة فرنسية مذكرات توقيف بحق عدد من كبار المسؤولين، بينهم علي مملوك وماهر الأسد، بتهم تتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية، والتعذيب، والاختفاء القسري.
كما أُدين ضابطان سابقان في محكمة ألمانية، وحُكم عليهما بالسجن مدى الحياة. هذه الخطوات القانونية، وإن بدت محدودة حتى الآن، تؤشر إلى تحوّل عالمي في التعامل مع جرائم الحرب، ورفض تركها طيّ النسيان.
على الأرض، لا تزال العائلات تفتّش في أوراق السجون المهجورة، والصور القديمة، والسجلات المحترقة، بحثًا عن أثر يقود إلى قبر، أو اسم، أو رقم ملف. في سجن صيدنايا، الذي تحوّل إلى رمز للرعب في عهد الأسد، جثا أبو الهادي العلي فوق كومة من الأوراق المتناثرة، يبحث عن أي أثر لشقيقه منعم، الذي اختفى منذ عام 2013. دفعت العائلة آلاف الدولارات لوسطاء من أجل معلومات، لكنها لم تحصل سوى على صمتٍ موحش وأسئلة بلا أجوبة.
وتؤكد “نيويورك تايمز” أن الجرح السوري المفتوح، الذي يمتد من أقبية التعذيب إلى المقابر السرية، لا يُمكن تجاوزه دون محاسبة. فما كُشف حتى الآن ليس إلا قمة جبل الجليد، إذ لا تزال آلاف الوثائق والصور قابعة في ملفات الدولة المفككة، تحمل في طياتها روايات الألم، والظلم، والدم.
وأشار المصدر ذاته إلى أن “العدالة، وإن تأخرت، قد تأتي يومًا، لكن إلى أن تصل، سيبقى آلاف السوريين يتنقّلون بين الملاجئ، والمحاكم، والمقابر، بحثًا عن الحقيقة، عن الأسماء، عن السلام الذي لا يمكن أن يأتي إلا بإنصاف الضحايا وكشف من دفنهم حيًّا”.
سوريا ما بعد الأسد لن تعرف العدالة ،الحاكم الجديد له عقلية الحاكم القديم و الفرق في تصريف الحكم فقط.الكل يريد تطبيق ما يفكر فيه هو و لتحقيق أهداف محددة حسب خلفياته و…و…و…..فالحاكم القديم و الحاكم الجديد متساوون في قلة الحيلة و البصيرة ،سوريا في حاجة لقوانين تستوعب الجميع و لا تنطلق سوى مما هو موجود كعرقيات و عقائد و انتماءات عشاءرية…….كل هذه الاطياف عليها الجلوس الى طاولة واحدة و تحرير بنود قانون يحتوي الجميع يكون هو دستور البلاد و منه تستخرج القوانين المنظمة لحياة الناس ،قوانين لا تحابي طرفا و لا تغفل طرفا ،قوانين خالية من المرجعيات الدينية و الانتماءات السياسية….قوانين لتنظيم حياة الناس يحتكم إليها الجميع و تطبق على الجميع…..قوانين تحرسها العدالة على الطريقة الغربية حيث لا أحد بأمر القضاء حتى الدولة بنفسها لا تأمر القضاء و حيث الجيش و الشرطة و المخابرات تعمل لحماية الوطن و المواطن و ليست بيد من يحكم و بيد من يسمون انفسهم موظفون سامون….الكل قابل للمحاسبة…