أسرة التونسي أنيس العامري: هكذا تغيّرت حياتنا بعد اعتداء برلين

أسرة التونسي أنيس العامري: هكذا تغيّرت حياتنا بعد اعتداء برلين
الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 05:30

استقبلت أسرة أنيس العامري، منفذ اعتداء برلين، بسعادة بالغة رسالة وجهتها إليها أم أحد الضحايا التي رغبت بفتح صفحة جديدة ملؤها الاحترام والتعايش السلمي. وأكد الطرفان استعدادهما الكامل للقاءٍ يخفّف القليل من أوجاع الهجوم.

بعد عامٍ على اعتداء برلين الذي أودى بحياة 12 شخصاً فضلاً عن عشرات الجرحى، تعود الكثير من الأسئلة حول دوافع وحيثيات وتداعيات هذا الهجوم الذي نفذه طالب لجوء تونسي، اسمه أنيس العامري، باستخدام شاحنة ضخمة دهس بها تجمعا بشريا في أحد ساحات أعياد الميلاد بالعاصمة الألمانية برلين.

12 شهراً على مأساة خلّفت حزناً كبيراً، تجاوز صداه ألمانيا نظرا لجنسيات الضحايا المتعددة، ونظرا لكونه أعنف هجوم إرهابي تشهده ألمانيا الموّحدة. تطوّرات كثيرة وقعت خلال الأشهر الأخيرة، إذ شدّدت السلطات الألمانية إجراءات المراقبة وباتت أكثر صرامة في التعامل مع المشتبه في تطرّفهم، لكن بعيداً عن الجانب الأمني، يبدو الجُرح الكامن في أفئدة الضحايا أبعد عن الاندمال، فالحياة انقلبت رأساً على عقب بعد الاعتداء.

تعاملوا مع الأوروبيين كإخوانكم

بصوت يملؤه الألم، خنقته بين الفينة والأخرى دموعها، تحدثت والدة أنيس العامري، نور الهدى، لـ DWعربية، عن طريق الهاتف. كان الوصول إليها صعباً للغاية إذ رفضت الأسرة طوال الأسابيع الماضية عدة محاولات من صحفيين للحديث معها، كما وقع مع وكالة الأنباء الألمانية بداية هذا الشهر. تلّقت الأم، القاطنة في بلدة الوسلاتية، بولاية القيروان، بفرح كبير الرسالة التي وجهتها لها أم أحد القتلى، الراغبة في التعرّف عليها: “الله يرحم ابنها والله يصبرها، كما الله يصبرني على رحيل ابني”.

أردفت الأم أنها لن ترفض أبداً اللقاء بالأمهات اللائي فقدن أبناءً في الحادث حتى تتعرّف بهن وتبني علاقات معهن، مؤكدة أن باب بيتها في تونس مفتوح لكل أمهات الضحايا، كما أنها لن تمانع أن تزورهن في بيوتهن في ألمانيا أو في أيّ دولة أخرى. بين الحين والآخر كانت تؤكد أنها تحسّ بآلام أمهات القتلى، وأن وجعها على ما وقع لا يمكن تصوّره، فهي كذلك “أم فقدت ابنها، وألمها يكبر عندما تستحضر أن ابنها مسؤول عن مقتل أبناءٍ آخرين”.

تحكي لـDW عربية أن ابنها أنيس “غُرّر به ووقع له غسيل دماغ لمّا عاش في إيطاليا”، إذ تحيل على أن أنيس غادر إلى أوروبا وهو في سن 18 عاماً، وأنه لم يعطِ أبداً أيّ إشارات على كونه شخصا متطرفاً. وترّجح الأم أن يكون ابنها قد تغيّر عندما سُجن لبضعة سنوات في إيطاليا، حيث تقول إنه من الممكن أن يكون قد التقى بمن لعبوا بدماغه (قالت دمغجوه باللهجة التونسية). لكنها تعود لتشدّد أنها لم تحسّ أبدا في الأشهر الأخيرة من حياته أنه تطرّف: “كان يتصل بنا دائما، واستمر يرسل لي شهريا مساعدات مالية.. لم يحكِ لنا أبدا أنه غيّر أفكاره”.

وتضيف نور الهدى أن حياتها تغيرّت كليةً بعد الهجوم:” فقدتُ طعم الفرح. النار لا تزال مشتعلة في قلبي حزناً على ابني وعلى القتلى، ولولا المساندة التي لقيتها من أبنائي الآخرين لكانت الأمور أكثر صعوبة”. لأنيس ثماني إخوة: ثلاثة ذكور، وخمس إناث. واحدة منهن هي من لا تزال تعيش مع أمها.

عندما سألنا الأم ما هي الوصية التي ستقدمها لأحد أبنائها لو رغب في الهجرة إلى أوربا، ردّت:” لو كان الأمر بيدي لطلبت منه ألّا يهاجر وأن يعيش معنا في تونس، فهذه الهجرة ستذكرني أكثر بأنيس.. لكن لو كانت الهجرة قدره، فسأوصيه أن يتعامل مع الألمان والأوربيين كإخوانه تماماً”.

تُردف الأم: “لو كنت بقرب أنيس في سنواته الأخيرة، فالأكيد أنني كنت سأمنع أيّ غسيل دماغ يحدث له. لكن لم يكن بيدي حيلة وأنا بعيدة عنه”. أدت الأسرة ما يصل إلى 11 ألف دينار (حوالي 3.7 ألف يورو) لأجل جلب جثمان أنيس ودفنه في تونس. التكاليف كانت باهظة بالنسبة لأسرة فقيرة حسب ما تؤكده الأم: “هاجر ابني هرباً من الفقر وبحثا عن العمل، فعاد لي في صندوق”.

تطلب الأم من أمهات الضحايا عدم لومها على ما حصل: “أتألم منذ ذلك اليوم.. لم تعد عندي أيّ قوة، صرت ضعيفة جداً”، كما تنتقد السلطات التونسية على عدم مساعدة الأسرة بأيّ شيء لتجاوز الظرف الصعب: “قررنا منذ مدة عدم الحديث إلى الإعلام لأننا اكتشفنا أن لا أحد يكترث بنا، تُركنا للألم وحدنا”، تقول نور الهدى.

نطلب الصفح من أمهات الضحايا

لم يخف محمد، شقيق أنيس، فرحه الكبير عندما سمع بوجود رسالة من أم ألمانية ترغب بالتعرّف على والدته حتى تتجاوزان بعض تداعيات الهجوم: “الأسرة كلها فرحت بهذا الخبر.. هذه فرصة حتى نتعرّف على أمهات الضحايا ونطلب منهن السماح ونخفف عليهن”، يقول محمد لـDW عربية، مضيفًا: “الألمان بصفة عامة ناس واعون، وأنا متيقن أنهم لن يُسقطوا ما وقع على كل العائلة. تماماً كأسر الضحايا، لم نعلم بما جرى إلّا عبر الأخبار، ولا مسؤولية لنا أبداً”.

يؤكد محمد أن شقيقه ترّبى بشكل عادٍ مثله مثل بقية أشقائه وجميع شباب الحي الذي نشأ فيه، فالهاجس الوحيد لأفراد الأسرة هو تحصيل لقمة العيش والعودة للبيت ليلاً، حسب قول محمد، الذي يؤكد أن الأسرة تعيش في حيرة كبيرة منذ الهجوم، إذ تحاول أن تفهم لماذا نفذ أنيس الهجوم وما هي الأسباب التي دعته لذلك. لكن ما واجهته بعد الهجوم كان مؤلماً وأثر على كل أفرادها نفسانياً: “هناك من وجه إلينا اللوم وسألنا لماذا لم تعرفوا مسبقاً أن أنيس يخطط لهجوم.. الآن يُكتب عني في السجلات الرسمية أنني شقيق الإرهابي”.

يتذكر محمد كيف اتصل به أنيس ثلاثة أيام قبل الهجوم: “تكلمنا طويلا، وكان كعادته إنساناُ مرحاُ.. لم تظهر لي أيّ مؤشرات على أنه يخطط لأمر ما، ولو كنت أعلم أن أخي يرغب في الموت، لكنت أوّل من يوقفه. لو علمت أن أخي كان شخصا متطرّفا، لكنت أوّل تونسي يبلغ السلطات عنه”. في نهاية حديثه إلى الموقع، يؤكد محمد أن من يعرفون الأسرة جيداً لم يغيّروا نظرتهم إليها، فهم يعلمون أنها “بعيدة تماماً عن التطرّف”، وأن ما جرى مع أنيس، لم يتخيله أحد بمن فيه أقرب الناس إليه.

جدير بالذكر، أنا أماُ ألمانية، اسمها فريدريكه هيرليش، وجهت رسالة إلى والدة أنيس العامري جاء فيها: “بكل احترام أكلمك اليوم وأريد بكل سرور التعرف عليك وأريد تبادل الحديث معك. وربما سيُفتح لنا باب يمكننا من خلاله اكتشاف طريق جديد يقودنا إلى التعايش مع بعضنا البعض”.

وتحيى ألمانيا غداً الثلاثاء 19 ديسمبر 2018 الذكرى الأولى للاعتداء الذي وُجهت فيه التهمة رسمياً لأنيس العامري، الذي كان يبلغ حينها 24 عاماً. ونفذ أنيس هجومه باستخدام شاحنة دهس بها تجمعاً بشرياً بأحد أسواق أعياد الميلاد في برلين، قبل أن تقتله الشرطة الإيطالية. وقد أعلن تنظيم “داعش” في وقت لاحق تبنيه للاعتداء الذي وصفته السلطات الألمانية بالإرهابي.

*ينشر بموجب اتفاقية شراكة مع DW عربية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • أمازيغ
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 06:58

    كل من يتبع الفكر السلفي الوهابي يمكن أن يتحول فجأة إلى مجرم و هو مشروع ارهابي حاقد على البشرية…و على المسلمين محاربة هذا الفكر المتطرف لأن المسلمين هم أولى ضحاياه هذا الفكر السلفي الوهابي

  • النيبو برلين
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 07:22

    ان دوافع انس العمري ليست دينية بل هو ناتج عن ضغط نفسي فقط لاغير خصوصا ان انس ينحدر من تونس وفي المانيا التونسيون والمغاربيون بصفة عامة ينتظرهم الترحيل الى بلدهم لان حظوظ حصولهم على لجوء منعدمة لان الحكومة العلمانية تعتبر دول المغرب الكبير دول امنة وان وان انس العمري مجرد لاجئ اقتصادي وبحكن اقامتي في المانيا فالمغاربيون طالبي لجوء يتم ارسالهم الى شرق المانيا بالضبط Horst ومعروف ان المناطق الشرقية تعج بالنازيين الجدد ان ماقترفه العمري ليي له علاقة بالتطرف الديني خصوصا ان الاخير حسب اصدقائه يتناول الخمر ويتردد على النوادي الليلية خلاصة القول ليس بمتدين الجرم الدي اقترفه كانت كردة فعل عن طرده من المانيا بالاضافة الى العنصرية التي يعانيها المهاجرين خصوصا في شرق المانيا ولهدا اقول المغاربة صدقوني انا اعيس بالمانيا لن يتم منحكم لجوء نعم سيتركونكم تعيسون لمدة 3 اشهر بعد دلك سيتم ترحيلك ادا اردت المجيئ لالمانيا لديك حل هو تاشيرة دراسة ولكن هدا لاسف هدا ليس في متناول الجميع ماديا

  • غير دايز
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 09:16

    إلى المعلق رقم 1، حتى الألمانية سمحت و تفهمت و أنت تستغل الأمر و تهاجم الدين، إذا كنت لا تدري عن الأمر شيئا فاسكت، حتى المخابرات الألمانية قالت أن أنيس العمري لا علاقة له بالدين لا من بعيد و لا من قريب، و أحيلك على التعليق رقم 3 لتقرأ ما ينفعك من أناس متواجدون بألمانيا كتواجدي بأوروبا. القرآن و السنة لم يعطوا قتل الأبرياء كطريق سريع للجنة هذا قولك أنت و هو جهل بالدين و حتى بقيمة الجنة. الله يعفو على بنادم و خلاص بغيتوا تردونا ماحدين بزز و سير سكون مع الملحدين و فوت عليك ناس لعندهم الآذان 5 مرات في النهار، و غنختم: و الله متم نوره و لو كره الكافرون. صدق الله العظيم

  • أمازيغي أيضا
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 09:31

    الى المعلق 2 الذي ألصق السلفية و الوهابية بالإرهاب ، أولا أنا إنسان عادي مغربي مسلم سني مالكي ولست هنا للأدافع عن أي عمل إرهابي إجرامي يقتل أناس أبرياء ، لكن السلفية بمفهومها الصحيح بعيدة كل البعد عن القتل و الإرهاب فهي نهج السلف الصالح الذي يتبع المنهج النبوي في العبادات و الطاعات و السنن أما مصلح الوهابية الذي لم نكن نسمع به فهو مصلح أستعمل من طرف الإعلام الشيعي مند بداية الربيع العربي وذلك خشية إستعمال مصطلح السنة ، كل هذه المصطلحات تعتبر تميزية و عنصرية فكرية لا تزيد إلا في الغلو و تغدية التطرف ، كما لا يجب إغفال دور اجهزة الإستخبارات الإمبريالية التي تستغل ضعف بعض الشباب لتقضي بهم مصالحها من أجل إقتسام كعكة الشرق الأوسط ، الحل هو أنظمة ديموقراطية تحترم شعوبها وتأمن لهم صحة و تعليم و باقي الحقوق الإنسانية و فتح حوار فكري فلسفي لمعالجة ي شكل من أشكال الغلو و التطرف و العيش في مجتمع مسالم متحضر ٠

  • علي
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 09:32

    ترى كم من أشخاص مثل أنيس العماري يصولون ويجلون في شوارع مدن أوروبا والله وحده أعلم أي نوعية عملية إرهابية يخططون لها

  • شوف اوا
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 10:03

    ومذا تقولون عن الاسلام عندما ادخل للمغرب واسبانيا والجزاىر وتونس وليبا وجميع المناطق التي تعرف الاسﻹم هل دخلها بالطبل والمزمار بالفعل دخلها بالجهاد والسيوف والقتل واصدار الممتلكات اناس ذنبهوم الوحيد ليس مسلمين راجع التاريخ غزوة وراء غزوة…..

  • Monada
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 10:31

    الى الأخ غير دايز،
    لنا لا أهاجم الدين. أنا أقول ان الجهاد في سبيل الله (جهاد الطلب) و اعلاء كلمة الله حتى يكون الدين (الاسلام) كله لله، موثق في القران و الصحيحين و السيرة.
    هذا ليس كلامي بل كلام كل مفسري القران القدامى و المعاصرين مثل القرطبي أو للطبري أو أبن كثير أو الالباني. ابحث في تفاسير سورة الانفال (الغمائم) و سورة التوبة (برائة) و سوف تتاكد من كلامي و يتبين لك ان هذا الإرهابي ضحية.
    كان أيضا ضحية البخاري و مسلم و التشريعات الإرهابية اللاأخلاقية التي تعج بها.
    تقبلتحياتي
    و شكرًا

  • Adilusa
    الثلاثاء 19 دجنبر 2017 - 13:21

    1.أمازيغ
    الفكر السلفي الوهابي هو الحل لجميع قضايا المسلمين.. لأنه يدعوا التشبث بالإسلام الصحيح..
    أما المفجرون و الإرهابيون لا علاقة لهم لا بسلفية و لا وهابية. هم إما خوارج أو مرضى عقليا.

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش