أفاية يمخر عباب حوار الثقافات ويرصد مخاطر الأصولية

أفاية يمخر عباب حوار الثقافات ويرصد مخاطر الأصولية
الخميس 16 يونيو 2016 - 07:00

أنتجت الثقافة العربية الإسلامية أشكالا مختلفة من المفارقات، والنقائض، والنزعات. فمن قائل أنها حفّزت على إعمال العقل، ودعت إلى استبعاد الإكراه، وإلى التسامح ونبذ العنف، وشجعت الحوار والمناظرة؛ ولا جدال في أن المرء يجد حالات ازدهرت فيها فرص التحاور والتناظر في أزمنة توهج الحضارة العربية الإسلامية، حيث التنوع الثقافي، والمذهبي والديني كان يشكل واقعة اجتماعية وثقافية شبه بديهية.

وفي هذا السياق يروى، على سبيل المثال، أنه في البصرة كان يجتمع “مجلس لا يعرف مثله: الخليل بن أحمد صاحب العروض سنّي، والسيد محمد الحميري الشاعر رافضي، وصالح بن عبد القدوس ثنوي، وسفيان بن مشاجع صفوي، وبشار بن برد ماجن خليع، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت الشاعر يهودي، وابن نظير النصراني متكلم، وعمرو بن أخت المؤيد مجوسي، وابن سنان الحراني الشاعر صابئي، فتتناشد الجماعة أشعارا و أخبارا”(رواه ابن المثنى، نقلا عن محمد الشيخ، هل كانت الحضارة العربية الاسلامية حضارة حوار؟، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 35-36، 2008).

وعلى العكس من ذلك نجد من يصر على القول أن الثقافة العربية الإسلامية ولّدت التعصب والتشدد، وإقصاء الاختلاف، والقول بتكفير المخالف للملة، وقتل المرتد.

يستشهد القائل الأول بما شهدته بغداد، في الزمن الوسيط، من إشعاع فكري ومن مناظرات، ومن نزعات كلامية وفلسفية، ومن جرأة في القول لدى شعرائها وكتابها، كما لا يكف يستحضر، بحنين مُلغز، التجربة التاريخية للأندلس، وقصص التعايش بين الأديان والعصبيات؛

في حين أن من يشك في هذه الوقائع يستند إلى ما قام به بعض الخلفاء والسلاطين من تمييز في حق المختلفين في الملة، من يهود ونصارى بفرض لباس وعلامات خاصة بهم، وما عرفته الأندلس من إحراق لكتب المنطق والفلسفة، واضطهاد ونفي كلّ من يدعو إلى الحوار العقلاني، وعلى رأس هؤلاء حالة الوليد ابن رشد.

ومع ذلك لا نكفّ نسمع بأن التراث العربي الإسلامي اختزن كثيرا من مبادئ التسامح، وأنتج تقاليد حوارية يتعين استحضارها، اليوم، في أنماط تواصلنا. والحال أن قولا من هذا القبيل يصعب ضمان استقامته بحكم أن الزمن الراهن يتحرك فيه المرء ضمن شروط جديدة في التبادل، و يتنج مقتضيات مختلفة للتفاهم أو النزاع، و أن الحضارة الكونية بلورت لغات وطرق في التفكير والتواصل لا علاقة لها، البتة، بما عملت الحضارات السابقة، كافة، على تجريبه.

تعرضت، وتتعرض كلمة حوار لكثير من الالتباس، والتشويه، وللتمييع غالبا، وتستعمل في كل وقت وحين، حتى وإن عمل مستعملوها على القيام بأدوار تناقض، تماما، ما يدعونه. وتغيب، في الواقع، حينما يكون السياق يتطلب التفاهم، وإنتاج آليات فض النزاعات، الشروط الضرورية للاعتراف.

يقال بأن الحوار دُشّن منذ أن تبادل آدم وحواء العلامات والكلمات الأولى. لعله كان تبادلا عشقيا، أو كان عبارة عن سوء تفاهم أو خصام. لا أحد يمكنه ادعاء معرفة مضمون أو قصدية هذا الحوار. ومنذ هذا الفعل التأسيسي لم تكف البشرية عن ابتداع أساليب وقواعد حوارية. يتكلل البعض منها بالنجاح، كما ينتهي البعض الآخر بالفشل.

وفي ضوء التضخم الخطابي الملحوظ عن الحوار، سيما في زمن الثورة الرقمية وتنوع وسائل الاتصال والتواصل بين الناس، تتراجع فرص الحوار أمام اجتياح نزوعات الهيمنة، ومظاهر الإملاء المختلفة، إما باسم أصولية السوق، أو أصولية الدين- كل الأصوليات الدينية- أو أحيانا، باسم شرعية انتخابية عددية تزرع الوهم لدى من ينطق باسمها أنه ملك الحقيقة والسياسة، والحال أن السياسة لا تعرف المطلقات، أو بالأحرى إذا ألصقها البعض بالمطلقات تنتج كوارث ومحن، وتؤجج عوامل النزاع والمواجهة أكثر ممّا تفرز قواعد التفاهم والتعايش.

ويبدو أن الأحداث والانتفاضات التي جرت، و ما تزال تجري، في البلدان العربية فجّرت من سوء التفاهم، ومظاهر حوار الطرشان، وأشكال عنف جديدة أكثر مما أنتجت مقومات التأسيس للانتقال إلى الحوار العقلاني الذي، وحده، يضع مقومات ما هو مشترك ويحضنه، ويبني شروط إقامة سياسة مدنية عصرية.

قد يقال بأن الخروج من التسلطية عملية شاقة، وزحزحة مرتكزات الاستبداد تستدعي زمنا قد يطول أو يقصر حسب نوعية الفاعلين السياسيين وكفاءتهم، ومدى امتلاكهم لتصورات وبرامج، وحسب ما تسمح به السياسة من ممكنات.

هذا صحيح، غير أن طرق خلخلة أسس الاستبداد، سواء في تونس، ومصر، أو ليبيا أو في غيرها، فتحت باب جهنم لكل الهويات، كانت فرعية، أو مقصية وكانت تشعر بالغبن، باسم اللغة، أو المذهب، أو الطائفة، أو القبيلة، وتحولت فيها بعض هذه النزوعات المنفلتة إلى ” هويات قاتلة”، أو تحمل في أحشائها بذور حرب أهلية تنزع إلى فرض شروطها على الجماعة الوطنية، كيفما كانت الوسائل و الادعاءات.

لا مجال، هنا، للانتقاص من مشروعية الحقوق السياسية أو الثقافية لمختلف مكونات وفئات المجتمع، لكن عقودا من التسلطية، ومن فرض الهوية النمطية الواحدة، وما أفرزته خلخلة بنيات الاستبداد في مسلسلات الانفتاح والعنف المتعرجّة، والمترددة، التي نشهد عليها في مختلف البلدان العربية، أبرزت قوى وظواهر سياسية وثقافية تصرّ على ممارسة السياسة باسم الدين، أو تدبر شؤون الوطن بخلفيات يحكمها منطق المذهب، أو الطائفة، أو “الحزب الأغلبي”.

ويحصل ذلك في سياق عام يتميز بنقص كبير في الثقافة الديمقراطية العصرية، ويفترض درجات عالية من الوعي بضرورة البحث عن التوافقات، وشروط استنبات قيم المجتمع الديمقراطي، بما يستدعيه من تدافع سلمي، ومواجهة الحجة بالحجة، والبحث عن آليات وفضاءات للحوار بمختلف أشكاله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • samir
    الخميس 16 يونيو 2016 - 08:14

    L'islam n'est pas une science monsieur mais c'est une religion et il faut le considérer comme tel
    Quatorze siècles de vide anarchique et assassin

  • اسد اطلس
    الخميس 16 يونيو 2016 - 13:44

    كلام في الصميم لاغبار عليه والفقرة الاخيرة حري بها ان تكتب بماء الذهب ،كما اشكر الاستاذ على استعماله للغة سهلة وفي متناول الجميع عوض التحذلق بالمصطلحات والاسماء،ولعل اهم ما فيه هو مسالة خلط الدين بالسياسة وهنا اريد ان اشير ان الفيصل في هذا الامر هو تاسيس لحوار شامل بين الحداتيين والاسلامبين .فللاسف كل منهما يعيش في جزيرة منعزلة عن الاخر لابد ان تتظافر جهود المتقفين من مفكرين وعلماء والا سيبقى كل فريق يتكلم في نفس الداءرة والا كيف السبيل الى قراءة حداتية للقران دون ان بكون كل طرف على الاقل يستطيع ان يتكلم لغة الطرف الاخر .

  • mohamed sadek
    الخميس 16 يونيو 2016 - 14:00

    لا وجود لحوار الأديان و لا الثقافات لأن الله واحد لم ينزل إلا دينا واحدا ليس مطروحا للنقاش بل للإيمان و العمل بأوامره و اجتناب نواهيه و تدبر معانيه.

  • محمد يعلى
    الخميس 16 يونيو 2016 - 14:46

    قرأت منذ مدة حوارا للأستاذ أفاية يحتج فيه حول فضيحة التوظيف بالزبونية من طرف عميد كلية الآداب بالرباط لموظفة عنده بلجنة على المقاس. نتمنى من هسبريس والأستاذ أن يخبرونا بما انتهت إليه هذه القضية تنويرا للرأي العام ولما يقع في مؤسسة ممولة من طرف الدولة .

  • adnane
    الخميس 16 يونيو 2016 - 17:22

    طيب اذا كان حوار الحضارات امر ممكن فلمذا تطالبنا الدول الديمقراطية بحقوق الانسان المخالفة لعقيدتنا كحق المرأة في التحرر والدفاع عن الإجهاض وعن المثليين أين توجد نقط التقاطع حتى يكون هذا الحوار ممكنا لكل حضارة دون دوبان هذه في الأخرى ام هي مجرد استمالة للامم لكي تدور قي فلك واحد وقطب واحد ولا نستطيع بعد ذلك التمييز بين الخير والشر والفضيلة والرذيلة والظلم والعدل

  • mourad Darkaoui
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 10:14

    au commentaire du dénomme (samir) l'islam est dabord une religion mais aussi un système de normes morales qui a pu prouver son efficacité et on le constate clairement à notre ére ,,,le taux de conversion à l'islam est par milliers en europe et aux états unis ,ce n'est pas le fruit du hasard,,,,toutes ces grandes personnalité provenant de la religion chrétienne et juive et méme les athés ,scientifiques ,,chercheurs ,sportifs artistes et autres ont choisi l'islam aprés un long voyage en recherche de la vérité….je cite le grand savant français roger garody et autres ….
    une chaine de tv française a fait un sondage sur le taux de conversion à l''islam en france ,elle a pu avoir comme résultat 4000 français de souche se converstissent chaque année en france…
    cela renseigne sur la force de l'islam…..
    je rajoute que les vérités scientifiques trouvés dans le coran ont été une preuve indiscutable que le coran est révélé par ALLAH سبحانه وتعالى.
    et enfin allah nous guide dans son chemin.

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟