أكاديمي مغربي يرسم "الحدود الملتبسة" بين الحوار والتفاوض

أكاديمي مغربي يرسم "الحدود الملتبسة" بين الحوار والتفاوض
الإثنين 20 يونيو 2016 - 05:30

لا جدال في أن مصطلح الحوار تحيط به التباسات عديدة، خصوصا حين تتداخل معه بعض الكلمات المجاورة له من حيث الدلالة والأداء.

ليس الحوار هو الحديث أو المحادثة لسبب رئيس هو أن المحادثة، باعتبارها كفاية تواصلية، لا تخضع لنفس القواعد التي يستلزمها الحوار. فهي أسلوب من التواصل عفوي وحرّ، يسمح بالخلط بين الأنواع، والأصوات، وبالاحتمالات غير المتوقعة أثناء تبادل الحديث. فالمحادثة لا استراتيجية لها، لأنها تسمح للمتحدثين بالتعرف على بعضهم البعض، وبخلق نوع من “الاستمتاع الاجتماعي”. غير أن الأمر لا يمنع المحادثة من احترام اشتراطات الأعراف الاجتماعية، لأن أنماط تدبيرها قد تختزن بعض الإكراهات التي يستدعيها هذا الوسط الاجتماعي أو ذاك.

إذا كان الأمر كذلك في حالة المحادثة، أو الحديث الحرّ، فإن الحوار، من منطلق إرادة الإنصات التي يفترضها، والجهد الإقناعي الذي يبذله المشارك فيه، يتجاوز الأعراف المعتادة، والأساليب الرتيبة، لأنه يعمل على فتح آفاق جديدة. قد يهم الحوار شخصان أو مجموعة أشخاص، لكنه يتطلب التزام المشارك بأخلاقيات الإنصات اليقظ، وإلا سيتحول إلى محادثة وتنتفي مقتضيات الحوار والهدف من ورائه.

الحوار، من جهة أخرى، ليس هو التفاوض. قد يشتركان في كون الأشخاص المنخرطين في الحوار أو التفاوض يقبلون مبدأ اللقاء، وتبادل الآراء، وإجراء مباحثات قصد الوصول إلى نوع ما من أنواع التفاهم، متفقين، مبدئيا، على التخلي عن العنف المادي لمواجهة أو معالجة القضايا التي تهمّ نزاعاتهم أو خلافاتهم، بطرق موضوعية وعقلانية. غير أن التفاوض والحوار يفترقان في مجموعة من الأمور، منها أن التفاوض يجري في إطار موازين القوى، ومصالح متضاربة. لذلك قد يتضمن التفاوض عنفا لفظيا، أو إرادة للتمويه، أو المزايدة، وأحيانا التهديد. والمفاوض لا يتردد في إخفاء مقاصده، والتركيز على نقط ضعف الخصم، في حين أن الحوار، ولا سيما في إطار الحوار المدني، يتقدم بوصفه مواجهة بين أشخاص لا ينظر إلى بعضهم البعض كأنهم خصوم وإنما شركاء.

فالمفاوض غالبا ما يكون له موقع رسمي، يدافع عن مصالح معسكر أو مجموعة، أو منظمة ما. ينسى آراءه الشخصية لأنه يتدخل باسم الآخرين، وباسم من يمثلهم، ومن هو ملزم بتقديم الحساب لهم. في حين أن المشارك في الحوار، على العكس من ذلك، يتقدم اعتبارا لمسؤوليته الشخصية. ليست له صفة رسمية، أو مخوّل للتحدث باسم الآخرين، بدون أن يعني ذلك انسلاخه التام عن انتمائه الثقافي، أو الديني، أو الاجتماعي.

تبرز لغة المساومة في الفعل التفاوضي في بحثه عن التفاهم، كما هو الشأن بالنسبة لنقابة تتطلع إلى توقيع اتفاق يهمّ المأجورين، أو في حالة التفاوض على انتشار الأسلحة الفتاكة. يبحث المفاوض عن أفضل حلّ يكون لصالحه ولصالح من يمثلهم، ولأجل ذلك يعمل، بكل ما يملك من دهاء وحنكة، على دفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات.

في حين أن المنخرط في الحوار، على العكس من ذلك، لا تحرّكه مصالح مباشرة، بالضرورة، لأنه يبحث عن الحقيقة، أو عن حقائق يريد كشفها، كما قد يقوده الحوار إلى البحث عن العدالة، أو الاعتراف، فضلا عن أنه لا يسعى إلى إضعاف الآخر.

يتحرك المفاوض بهدف الوصول إلى اتفاق محدد، أو إلى صفقة تجمع مصالح متضاربة للتحكم في مسار نزاع، أو إيجاد حلّ له. في حين أن الحوار لا حدود له، لأنه يبقى مفتوحا لتحصيل الفهم أو الإفهام، وتقاسم القناعات الفكرية، وبناء المعنى مع الآخرين. لذلك يفترض الانخراط والمشاركة وليس تقديم تنازلات لإبرام صفقات.

هكذا يتبدى أن التفاوض والحوار ينتميان لمرجعيتين مختلفتين في التواصل، غير أن الممارسة تنتج وضعيات أكثر تعقيدا لأنه يمكن الانتقال، أحيانا وبدون سابق قرار، من منطق الحوار إلى استعمال آليات التفاوض، أو أن يبدأ التفاوض وينتهي إلى محادثات وحوار، سيما أن مجرى التبادل يجعل التعارف بين الناس أسهل، وقد يتولّد عنه تعاطفا، أو إعجابا متبادلا ليتحوّل إلى نوع من “الحوار بين الأشخاص”، الأمر الذي يسهل الوصول، أحيانا، إلى اتفاقات بين الفرقاء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • LA CULTURE PETRODOLLARD
    الإثنين 20 يونيو 2016 - 09:40

    Ce qui se passe dans le monde Arabe nous donne l'impression que la langue Arabe ne devient plus une langue commune de communication, ce sont les fusils ou parfois les couteaux qui ont leurs derniers mots, à la télé tout le monde paraît cohérent et compréhensible, or l'un des deux éléments du conflit dit de mensonge ! or cet état de tromperie pourrait durer une quarantaine d'année et plus ! le plus dangereux est que ce sont les riches qui pourront fonder une chaîne de télé . Maintenant l'édition de Moscou n'a plus d'argent pour payer le papier de ses livres Marxistes, alors que les Occidentaux ont des sommes colossaux pour diffuser n'importe quoi ! sans oublier les pays du golfe qui nous inondent par des livres de culture obscurantiste! LA CULTURE PETRODOLLARD

  • DIALOGUE AVEC DES TRAITRES
    الإثنين 20 يونيو 2016 - 10:52

    Mais que voulons dire par trahir le patrie, une phrase que tout le monde pourrait dire sans vraiment déterminer la signification, veut-elle seulement dire la collaboration avec l'étranger pour faire du mal à son patrie, entre 30 de nos partie, il en a 3 ou 4 qui sont vraiment Marocains alors que les autres aiment leur pays au bout de leur langue ; une fois qu'on est d'accord sur le sens de la trahison on va vite découvreur le menteur ; la falsification des urnes n'est-elle pas un trahison ? cacher l'identité de certains propriété économique et envoyer de l'argent en suisse sont aussi de la trahison ? alors que dire de ceux qui permet la trahison des ouvriers ?

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟