ما إن تغلق صناديق الاقتراع حتى تبدأ السياسة في معناها الأصعب. فالانتخابات تحدد الأحجام وترتب القوى وتمنح حزبا موقع الصدارة وتدفع بغيره إلى المعارضة، لكنها تترك السؤال الأثقل لليوم التالي. ماذا نفعل بالنتيجة؟
بعد 23 شتنبر عرف المغاربة من تصدر الانتخابات. أما ما لم تحسمه الصناديق فهو طبيعة الأغلبية التي ستقود المرحلة والمرجعية التي ستجمع أطرافها. الأرقام تخبرنا أي تحالف يملك العدد لكنها لا تخبرنا أي تحالف يملك سببا سياسيا مقنعا لكي يوجد. لذلك قبل أن ننشغل بمن سيدخل الحكومة يعنينا أن نعرف لماذا سيجتمع هؤلاء معا وما الذي سيجمعهم حين تظهر أول قضية لا تكفي لحسمها لغة البرنامج الحكومي ولا تسويات الحقائب.
وحزب الأصالة والمعاصرة يعرف هذا السؤال جيدا فقد طرحه على نفسه قبل عشر سنوات. في انتخابات 2016 كانت الخريطة الحزبية مفتوحة على أكثر من احتمال وكان بإمكان الحزب أن يتعامل مع التحالفات بمنطق الحساب. لكن إلياس العماري أعلن قبل الاقتراع أن التحالفات تقوم على المرجعية وجعل من محدداتها الهوية المغربية والمناصفة والحداثة. وكان الجمع بين الحزبين اللذين احتلا المرتبتين الأولى والثانية كافيا عدديا لتشكيل أغلبية مريحة، لكن البام اختار المعارضة ولم يبحث عن طريق يلتف به على المعيار الذي أعلنه قبل أن يعرف موقعه في النتائج. وأثبت يومها أن المعارضة ليست منفى وأنها قد تكون أصدق لفكرة الحزب من مقعد وزاري يدفع ثمنه من هويته.
في 2016 كان على البام أن يعرف مع من لا يريد أن يحكم. وفي 2026 صار عليه أن يحدد مع من يريد أن يقود الدولة وعلى أي أرضية.
ونطرح هذا السؤال من داخل البيت. فنحن لم نر في البام مجرد حزب آخر في المشهد السياسي بل انتمينا إلى مشروع يضع المغرب في المركز. فقد عرف هذا المشهد تيارات حملت مرجعياتها من أماكن أخرى وكان المغرب في بعض تصوراتها مجرد محطة داخل مشروع أوسع أو امتدادا لقضايا تقع مراكزها بعيدا عنه. ويضع البعض البام في يسار الوسط ويضعه آخرون في وسط اليمين أو في الوسط الليبرالي. أما نحن فنراه يمينا وطنيا مغربيا. ولا نتوقف كثيرا عند التسمية لأن ما يعنينا في النهاية هو أن يكون المغرب نقطة الانطلاق والعودة.
من هذا المنطلق نرى أن أمام المغرب مجالا لبناء قطب لليمين الوطني الحداثي تتقاطع داخله قوى سياسية تختلف في تاريخها وتقديراتها لكنها تلتقي حول الدولة الوطنية والمبادرة والاستثمار وخلق الثروة، وتقبل بأن يكون الدستور والمؤسسات والمصلحة المغربية هي المرجع الأخير عند الاختلاف.
ولا نبحث هنا عن أحزاب متطابقة. لو كان التطابق شرطا لما احتاجت الديمقراطيات إلى الائتلافات أصلا. يستطيع الليبرالي والمحافظ أن يختلفا حول الضرائب وحجم تدخل الدولة وطريقة توجيه الدعم ثم يلتقيا عند تسوية. هذه خلافات تحتملها الحكومة وقد تكون مفيدة لها لأنها تمنع الأغلبية من أن تتحول إلى صدى لصوت واحد.
لكن الخلاف الذي يعنينا يقع في طبقة أعمق ولا يظهر في جداول المقاعد. من يملك الكلمة الأخيرة حين يتعذر الاتفاق؟ هل تكون للدستور والمؤسسات والمصلحة المغربية أم لمرجعية تتجاوز الدولة الوطنية؟
السؤال في النهاية هو سؤال ولاء سياسي عند لحظة التعارض. هل يكون الولاء للوطن أم للجماعة؟ للدولة الوطنية أم للمشروع الأيديولوجي العابر للحدود؟ بالنسبة إلينا لا تحتمل هذه المسألة منطقة رمادية. من يشارك في حكم المغرب يجب أن تكون مرجعيته الأخيرة هي المغرب ودستوره ومؤسساته ومصالحه.
وبالمعيار نفسه يصعب علينا تصور تحالف يقوده البام مع أي حزب يجعل مرجعيته النهائية خارج الدولة الوطنية، أيا كان موقعه الأيديولوجي. من حق هذه التيارات أن توجد وتنافس وتعارض، فالديمقراطية لا تفرض على الجميع أن يتحالفوا مع الجميع. لكن من يدخل الحكومة لا يقتسم الوزارات فقط. إنه يقتسم القرار السيادي والتعليم وقضايا الأسرة والسياسة الخارجية والتصور العام للمجتمع. وهذه ملفات يصعب تدبيرها مع شريك توجد بوصلته الأخيرة خارج الدولة الوطنية.
ويظهر أثر هذا التناقض بوضوح في السياسة الخارجية. نرى في الشارع احتجاجات على بعض اختيارات الدولة في علاقاتها الإقليمية والدولية وعلى التطبيع والشراكة مع الولايات المتحدة. والقضايا العادلة تستحق التعاطف ولا نشكك في صدق مشاعر كثير من المشاركين، لكن الإشكال يبدأ حين يشارك حزب في صناعة اختيار داخل الحكومة ثم يتحول خطابه أو جزء من قواعده إلى معارضة الاختيار نفسه في الشارع.
عندها نصبح أمام أغلبية تتحدث بلسانين، وهو تناقض يصعب تحمله حين يتعلق الأمر بمصالح الدولة وشراكاتها الخارجية.
والظرف الدولي يجعل هذا الوضوح أكثر ضرورة. للمغرب شراكات استراتيجية وفي مقدمتها علاقته بالولايات المتحدة، وله قضية وطنية أولى هي الصحراء. لذلك لا نريد حكومة يجد أحد مكوناتها نفسه كل مرة بين سياسة الدولة التي يشارك في صنعها وبين مرجعية حزبية أو أيديولوجية تعتبر تلك السياسة خطأ من أصلها.
وتزداد الحاجة إلى الانسجام لأن الحكومة المقبلة ستدير سنوات مهمة في حياة البلد. سيواصل المغرب خلالها الاستعداد لمونديال 2030 ثم ينتقل إلى احتضانه، بما يرافق ذلك من أوراش في البنية التحتية والنقل والمدن والاستثمار وصورة البلد أمام العالم. مغرب ما بعد 2030 لن يكون هو مغرب ما قبله. والتحول السريع يحتاج إلى أغلبية تعرف اتجاهها منذ البداية، لا إلى حكومة تعيد اكتشاف سبب وجودها عند كل قرار.
لهذا نريد أن يقود البام الحكومة من موقع يمين وطني عنوانه الواضح المغرب أولا. ونعني باليمين الوطني هنا يمينا ينطلق من الخصوصية المغربية لا من نماذج مستوردة، ويضع الدولة الوطنية والمبادرة وخلق الثروة في صلب اختياراته من دون التخلي عن مسؤوليتها الاجتماعية. وهو يمين يستمد هويته من تاريخ المغرب وعمقه الأمازيغي.
وتتولى امرأة اليوم قيادة مشاورات تشكيل الحكومة، وهذا يمنح اللحظة دلالة خاصة بالنسبة إلى حزب جعل المناصفة ومكانة النساء جزءا من خطابه السياسي منذ سنوات. لكن قيمة هذا الحضور لن تقاس بالصورة وحدها، بل بما إذا كان سيترجم إلى حضور أوسع للنساء في القرار وإلى تقدم فعلي في المساواة أمام القانون.
وأتذكر هنا مداخلة لي في إحدى دورات المجلس الوطني. قلت يومها إن البام مشروع قبل أن يكون حزبا، وإن انتماءنا إلى المشروع يسبق انتماءنا إلى التنظيم، وإن خرج الحزب يوما عن مشروعه فواجبنا أن نوجهه لا أن نتبعه. كانت فاطمة الزهراء المنصوري تترأس المجلس. وحين انتهيت وقفت وصفقت، وقرأت في تصفيقها تقديرا لفكرة تضع المشروع فوق التنظيم.
اليوم لم تعد تلك الجملة مجرد مداخلة قيلت داخل المجلس الوطني. فالبام يوجد أمام الاختبار الذي تحدثنا عنه يومها. حين يكون الحزب بعيدا عن قيادة الحكومة يسهل عليه الدفاع عن مشروعه، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين يصبح مطالبا ببناء أغلبية وتقديم تنازلات وضمان الاستقرار.
وهنا تحديدا يجب أن نتذكر أن المشروع يحمى من إغراء السلطة لا من الخصوم وحدهم. فالحزب قد يبدأ مشروعا ثم ينتهي جهازا، وقد يصبح الحفاظ على موقعه في الحكم أهم من الأسباب التي أوصلته إليه. وإذا قاد البام الحكومة ثم ذاب داخل أغلبية لا يظهر فيها أثر واضح لمشروعه، فسيكون قد وصل إلى موقع متقدم في الدولة من دون أن يدفع في الاتجاه الذي دافع عنه طوال سنوات.
لهذا ننتظر من المشاورات أكثر من اتفاق على توزيع الحقائب. نريد عقدا سياسيا واضحا يفسر لماذا اجتمعت هذه الأحزاب بالذات وما الذي سيجمعها حين تبدأ الخلافات.
أما المرجعية فلا ينبغي أن تكون من التفاصيل.
إذا كان هذا الاتفاق موجودا تصبح الحقائب جزءا من تفاهم سياسي أوسع. وإذا غاب فلن تعوضه براعة توزيع الوزارات. فالحكومة لا تدير ميزانيات ومرافق فقط، بل تتخذ قرارات تكشف مع الوقت أي دولة تريد وأي مجتمع تسعى إلى بنائه.
وستنتهي هذه الحكومة يوما كما تنتهي الحكومات كلها. ستنسى أسماء وزراء وتتغير المواقع وربما تتغير التحالفات. لكن الذي سيبقى هو الأثر الذي تركته في اتجاه الدولة والمجتمع.
هل استطاع البام أن يجعل من تامغربيت قاعدة لثقة أكبر في الأمة المغربية وفي تاريخها ومصالحها؟ هل أسهم في بناء اقتصاد يخلق الثروة ويوسع المبادرة ويقوي الطبقة الوسطى من دون أن تتخلى الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية؟ وهل دفع المغرب نحو دولة أكثر حداثة وحرية وكفاءة، منفتحة على العالم من دون أن تفقد شخصيتها؟
ويبقى السؤال الأهم. هل عرف الحزب كيف يصل إلى السلطة من دون أن يترك مشروعه عند بابها؟
هذا هو الفرق بين أغلبية تجمع المقاعد وأغلبية تؤسس لمغرب المستقبل.
وهذا هو التحالف الذي نريده.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.