"إسناين" .. احتفالات في أعراس جنوب شرق المغرب تواجه "مظاهر دخيلة"

"إسناين" .. احتفالات في أعراس جنوب شرق المغرب تواجه "مظاهر دخيلة"
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
الخميس 13 غشت 2026 - 05:00

لم تكن أعراس الجنوب الشرقي يوما مجرد احتفال، بل كانت مدرسة للقيم والأعراف، ومن بين أبرز طقوسها “إسناين”، ذلك الوفد الذي يخرج من بيت العريس مرفوع الرأس ليجلب العروس إلى بيت الزوجية، في مشهد يختزل معنى الكرامة والرمزية.

كان التعرض لوفد “إسناين” لا يهدف إلا إلى تكريس قيمة العروس، وتذكير الجميع بأنها غالية عند أهلها، وكان المرح فيه بريئا لا يمس هيبة أحد، فكان “إسناين” يستقبلون بالأهازيج والزغاريد، وتطلب منهم “شروط” رمزية على سبيل الممازحة وصلة الرحم، في أجواء يسودها الاحترام المتبادل.

وتفيد تصريحات كبار السن الذين تواصلت معهم جريدة هسبريس الإلكترونية بأن التعرض لوفد “إسناين” سابقا لم يكن الهدف منه الإهانة ولا الإذلال، بل إضفاء طابع هيبة على الموكب وتأكيد أن خروج العروس من بيت أبيها حدث عظيم يستحق التقدير، هكذا ظل هذا العرف لعقود جسرا للتواصل بين العائلتين، وعنوانا لرجولة تصان وكرامة تحفظ.

لكن ما نشهده اليوم يبعث على القلق، وفق ما أكده عمي علي باسو، البالغ من العمر 90 سنة من أحد دواوير إقليم تنغير، موردا أن تلك الطقوس الراسخة تحولت إلى ساحة لممارسات دخيلة، من إلباس “وزراء العريس” زي النساء ووضع “المكياج” وفرض شروط مهينة عليهم وتمس كرامتهم، إلى الصخب والمفرقعات التي تروع الآمنين.

وأضاف عمي علي أن “هذه المشاهد تمس بكرامة الرجل وتضرب في صميم عاداتنا، وتدفعنا للتساؤل هل ضاعت البوصلة؟ وهل صار التشبه والتفاهة بديلا عن الوقار؟ إنها دعوة صادقة للعودة إلى الأصل قبل أن نبدل موروثا عريقا بسراب لا يشبهنا”، بحسب إفادته.

وشهدت مجموعة من مناطق الجنوب الشرقي المغربي خلال السنوات الأخيرة تحولا مقلقا في طقوس الأعراس، بعد أن تحولت عادات عريقة كانت تقام بروح المرح والتآخي إلى مشاهد مستفزة تخدش الحياء وتضرب في عمق القيم المجتمعية.

أمنية الوالي، سيدة من جماعة واكليم، قالت إن “إسناين” تقليد رمزي ضارب في القدم، و”إسناين” هم الوفد الذي يرسله أهل العريس لجلب العروس إلى بيت الزوجية، مضيفة أن التعرض للوفد في الطريق لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال التكريم، ورسالة مشفرة مفادها أن للعروس قيمة ومكانة عند أهلها ولن تمنح بسهولة.

وذكرت أمينة، في تصريح خاص لهسبريس، أن الشروط التي يطلبها “وزراء العريس” آنذاك كانت بسيطة ومضحكة، هدفها إضفاء جو من الفرح وصلة الرحم، دون أن تمس بكرامة أحد، وزادت: “كان الأمر يقتصر على بعض الشروط، أو دفع الهدية الرمزية، في إطار احترام متبادل بين العائلتين”.

وأكدت المتحدثة أن الأمر اليوم تجاوز كل الحدود، وأصبح بعض الشباب يستغلون هذه المناسبة لفرض ممارسات دخيلة ومخالفة للشرع والقانون، تحت ذريعة “التسلية” و”الموضة”، من خلال فرض شروط تعجيزية أو إلباس أعضاء الوفد لباسا نسائيا أو جعلهم يرقصون كالنساء أو يقومون بحركات بهلوانية تمس كرامتهم وتخدش هيبتهم.

وحسب العديد من المواطنين الذين استقت جريدة هسبريس الإلكترونية آراءهم في هذا الموضوع، فإن أبرز هذه التجاوزات تتمثل في إلزام “وزراء العريس” بارتداء أزياء النساء، ووضع “المكياج” أو رميهم بالصباغة أو الدقيق، والقيام بحركات وتصرفات تمس بشكل مباشر بكرامة الرجل وهيبته، في مشاهد يتم توثيقها ونشرها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل.

ولم تتوقف الظاهرة عند هذا الحد، وفق هؤلاء المصرحين، بل امتدت لتشمل مظاهر أخرى بعيدة كل البعد عن روح العرس الأصيل، كالصخب المفرط، والموسيقى المرتفعة في أوقات متأخرة، واستعمال المفرقعات والألعاب النارية التي تروع الأطفال والمرضى وكبار السن.

محمد أولحميد، فاعل جمعوي من الرشيدية، قال إن هذه السلوكيات لا تمت لثقافة وتقاليد الجنوب الشرقي بصلة، مضيفا أن الموروث الثقافي لهذه المناطق قائم على الوقار والاحترام، وعلى قيم الرجولة والنخوة، وعلى إعطاء العرس مكانته كميثاق مقدس وليس كمسرح للسخرية والاستهزاء.

وأردف أولحميد أن “هذا الواقع يطرح سؤالا مؤلما: هل تبخرت عاداتنا وتقاليدنا القديمة؟ وهل حل محلها التشبه والتقليد الأعمى الذي يمس بالهوية أم إن الأمر لا يعدو أن يكون انحرافا لفئة قليلة لا تمثل عموم شباب المنطقة؟”، مجيبا بأنه “مهما تكن الإجابة، فإن الصمت عن هذه الظاهرة سيجعلها تتفاقم وتتحول إلى عرف جديد مفروض يحتذى به وتتناقله الأجيال القادمة، فنفقد بذلك جزءا أصيلا من ذاكرتنا الجماعية”.

وشدد المتحدث ذاته على أنه أمام هذا الوضع، تستوجب المسألة وقفة جادة ومسؤولة من جميع الفاعلين. فعلى الأسر أن تستعيد دورها في التربية والتأطير، وأن ترفض بشكل قاطع هذه الممارسات داخل أعراسها، لأنها المسؤولة الأولى عن حفظ حرمة المناسبة.

في المقابل، ترى خديجة، فضلت عدم البوح باسمها العائلي، من جماعة إكنيون، أن للمجتمع المدني والوجهاء وشيوخ القبائل دورا محوريا في التوعية وإعادة الاعتبار للأعراف الحميدة، ونبذ كل ما هو دخيل ومشين، من خلال مجالس ولقاءات تعيد الاعتبار لمعنى “إسناين” الحقيقي.

وأضافت أنه لا يمكن إغفال دور السلطات المحلية والأمنية في تطبيق القانون بصرامة ضد كل من يخل بالنظام العام، أو يستعمل المفرقعات، أو يقوم بأفعال تخدش الحياء العام، أو قطع الطريق العمومية بحجة المرح والتسلية، حتى لا تتحول الأعراس إلى مصدر إزعاج ومس بالكرامة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • موحى سلامة
    الخميس 13 غشت 2026 - 05:42

    بيت شعري أمازيغي يقال عندما يقترب وزراء العريس من منزل العروس:
    آ مايدا تيوم أيا كار امسناين
    فيجيب وزراء العريس:
    آ كل شيء بهدات أكليد إم تازرلط

    مع الأسف انقرض كل ما هو أصيل وجميل

    تحياتي

  • الورزازي
    الخميس 13 غشت 2026 - 07:49

    شكرا على غيرتكم على تراثنا الشعبي، و هي دعوة للحفاظ عليه من التحريف و التشويه الذي ينتقص من قيمته الرمزية.
    و لعل من أفضل الطرق لتحقيق هذا الغرض توثيق هذا التقليد بكافة تفاصيله من ألفها إلى يائها مباشرة من أفواه من بقي من الشيوخ قبل أن يرحلوا عنا، و يتركونا كالأيتام.

  • ملاحظ
    الخميس 13 غشت 2026 - 09:42

    عموما الاعراس في كل المغرب و التي تقام في البيوت او فوق السطوح او في الشارع (لخزانة التي تقطع الطريق) و بمكبرات صوت عالية جدا (فوق اي حد مسموح به طبيا في ركن من العالم) كلها امور تدخل في اطار الاعتداء على السكينة و الهدوء و خصوصا نوع الموسيقى للشعبية المتردية ، احيانا عرسين او اكثر في نفس الشارع او الحي و خلال ايام الاسبوع او ليلة الاثنين حيث الكثيرون يريدون النوم للذهاب الى العمل فلا يستطيعون لان “الحيحة” تبدأ مع منتصف الليل و لا تنتهي الا فجرا ..
    يجب اصدار قوانين تمنع بصرامة اقامة الاعراس العشوائية في الاحياء و يقتصر اقامتها في قاعات الحفلات المخصصة.

  • الجنوب الشرقي
    الخميس 13 غشت 2026 - 10:22

    فعلا، مع الأسف، تغيرت الطقوس و مظاهر الإحتفال، ليس فقط في الأعراس، بل في كل المناسبات. مأدبة العقيقة مثلا، لم تعد تقام بالإعتماد على البراح الذي كان إلى زمن قريب ينادي بصوت عال: آتربحم أيايت إغرم ولا مايدي يسلان، إنياون فلان ( أب المولود الجديد) أنا يران الطعام نربي يدود مرحبا نس). كما انقرضت ألعاب الأطفال و الشباب، و انقرض أحيدوس أو فقد كثيرا من مميزاته الأصلية، و تغير اللباس عند الذكور و الإناث، و تغير الطبخ…. خوفي أن يفقد الجنوب الشرقي هويته الأصيلة، و أن يقع ضحية لعولمة طاغية نتيجة تهاون الأجيال الجديدة في الحفاظ على ثقافة الأجداد….. شكرا على إثارة هذا الموضوع.

  • مواطن2
    الخميس 13 غشت 2026 - 17:14

    بكل تاكيد…الاعراس في البادية تواجه مظاهر دخيلة بل يمكن القول بان لا علاقة للقديم مع الجديد.انا من الجيل القديم وشاهدت طقوس الاعراس زمن الستينات والى الثمانينات..كانت تخضع للطابع التقليدي دون زينة او خروج عن الاعراف..حتى الاختلاط كان مرفوضا..لا زلت اتذكر انشطة العرس في ” الحوش ” او ” المرح ” والذكور فوق السطوح بعيدا عن الاختلاط..و ” الفرايجية ‘” بالزي التقليدي البسيط في الغالب بلون ابيض. وكان هؤلاء يستهلون نشاطهم بتلاوة الفاتحة والدعاء لأهل العروس وللحاضرين باليمن والبركة..وكانت ” قلة الحياء ” منعدمة..الشيء الذي لم يعد قائما حاليا.اكثر من ذلك اصبح الاختلاط امرا عاديا..بل يقال بان الاعراس حاليا في البوادي اصبحت لا تختلف عنها في المدن..ولا اريد ذكر ما يخدش الحياء من اختلاط وغير ذلك..على كل حال…كل شيء تغير. ولا من يبالي.

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 2

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 5

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 3

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"