إشباع الحاجة الجمالية للإنسان؟

إشباع الحاجة الجمالية للإنسان؟
الإثنين 31 مارس 2025 - 01:26

بالطبع، هي قابلة للإشباع، ولكن بصورة نسبية. وكل المجالات الموجودة في الكون داخلة في هذا الإشباع. فبما أن الإنسان مُركَّبٌ وصورةٌ مختزلةٌ عن الكون، فمن الطبيعي أن تتعدد حاجاته بتعدد مجالات وجوده الفيزيقي ووجوده الميتافيزيقي، ولا حاجز بين الوجودين؛ فهما كِفتا كينونته. ولأجل هذا، كان مفهوم الجمال غير خاضع لمبدأ الغائية، كما هو الأمر عند كثير من الفلاسفة، وعلى رأسهم سقراط، الذي يرى أن الجميل هو ما كان له فائدة للإنسان، وأن موقع حُسن الشيء من الروعة ما تتناسب غاياته مع غاية النفع التي تُصيب الإنسان. بل هو كينونةُ الوجود وحقائقه المنعكسة في نفوس البشر كما هي، حتى ولو أن بعضهم لم يدركها.

إن الشغل الشاغل للرؤية الصوفية للجمال هو تقديم مظاهر الكون – بكل مكوناته – على نحو أكثر شفافيةً، وأعمق دلالةً، مما يمكن أن يكون له وقعٌ في عامة الناس، بحيث يدركونها ويُدركون حاجاتهم إليها. فالحاجات الثقافية والجمالية – بالخصوص – هي وليدة الإدراك والتربية؛ إذ كلما اتسع أفق التربية، اتسعت حاجات الإنسان الجمالية، واشتعل اشتياقه لإشباعها. ومن هنا، عُدَّتْ على أنها ليست هبةً من الطبيعة، كما تزعم الثقافة التقليدية والإيديولوجية الكارِيزماتية (charismatique). فقد أقرت الأبحاث الميدانية بأن زيارة المتاحف والمعارض – على اختلاف ألوانها – وحضور العروض السينمائية والمسرحية، والحفلات الموسيقية والرياضية، وندوات الفكر والقراءة، مرتبطةٌ أشدَّ ما يكون الارتباط بالمستوى الدراسي وبالأصول الاجتماعية، حيث يختلف تأثير التربية الأسرية نسبيًّا عن تأثير التربية المدرسية.

فالفنون – بكل أنواعها وأشكالها – تمنح الوضع الجمالي ميدانًا متميزًا. ومع ذلك، لا يوجد ميدان للممارسة لا تتجلى فيه نية إخضاع الحاجات الجمالية والدوافع الأولية للتفنُّن وللإعلاء. إذ لا شيء أكثر تصنيفًا وتمييزًا وتأنقًا من القدرة على التشكيل الجمالي للموضوعات – بل وحتى “المبتذلة” – أو للوجود المألوف، كما هو الشأن في مجال الطبخ والملابس والزخرفة… إلخ، عبر قلبٍ تامٍّ للتوجه المعتاد. وفي هذا، ضربٌ من الإشباع منجدلٌ مع الحياة والصيرورة.

ولا تأتي الحاجة الجمالية – رغم كونها أساسيةً عامةً وشاملةً – إلا عقب الحاجات الانتفاعية، كالمأكل والملبس والمسكن والعمل. وقد تطور وعي الإنسان بوعي هذه الحاجة في الزمان والمكان، ولا يمكن لأي باحث أو محلل أو دارس لأي موضوع في الوجود الخاص والعام أن يتناوله بعيدًا عن الوعي الجمالي الكائن في بنية المتناول نفسه، وفي بنية الموضوع المتناول. وينبغي ألا نظن أن الحاجة الجمالية إنما تقاس بالمجهود وبالمبالغ التي تُنفق في سبيل كفايتها وإشباعها، بل ينبغي كذلك أن نأخذ في الحسبان الحاجات الجمالية التي لا يتيسر إشباعها. فتقييم الحاجة الجمالية له أوجهٌ اجتماعية بالغة الخطورة إن نحن أخذنا بعين الاعتبار هذه الحاجات غير المشبعة؛ أي إن نحن فكرنا بحالات البؤس والشقاء الناجمة عن نمطٍ في العيش رازحٍ تحت وطأة القبح والبشاعة والحرمان من أي مظهر من مظاهر الجمال في إطار السعي والحياة.

إن إشباع الحاجات الجمالية لمختلف الأفراد، ولمختلف المجتمعات، وفي مختلف الأوقات، يتباين بتباين الثقافات والبُنى الذهنية والمواقع في سلم الحياة. فهناك من يكون إشباع حاجاته الجمالية في المدار الميتافيزيقي للحقيقة بكل أوجهها وتمظهراتها، وهناك من يجد هذا الإشباع في الآداب والفنون والرياضيات التي تعطيه معنى الشجاعة والحماسة والسمو والنبل والأحاسيس الإنسانية الصافية، وهنالك من يراه في القوة المحرِّكة والمستشرفة والمبدعة في مختلف ميادين النشاط الإنساني. كما أن هنالك أيضًا من يُلفيه في الإطار الروحاني والمعنوي الأسمى، وفي المجاهدة الأبدية لإعطاء معنى إضافيٍّ جديدٍ لمغامرة الوجود. ولكل هذا، كانت الحاجة الجمالية هي السمة الراسخة التي تميز الكائن البشري، وهي أكثر حاجاته ثباتًا وقوةً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Lamya
    الإثنين 31 مارس 2025 - 08:20

    يلعب التصوف دورا هاما في إشباع الحاجة الجمالية للإنسان من خلال التأمل العميق
    والتفكر في جمال الكون المستمد من الجمال المطلق للخالق و التركيز على الجمال الباطني وأيضا من خلال الفنون الروحانية كالموسيقى و الرقص الصوفي و الشعر و الأدب الروحاني و تعكس الزخرفة الاسلاميةجمال الكون و تناغمه…

  • خروج سريع .
    الخميس 3 أبريل 2025 - 13:07

    الاشباع غاية لا يمكن تحقيقها . فلو أعطي ابن آدم واديا من فضة، لكان يريد واديا آخر من ذهب . وما يملأ فم ابن آدم إلا التراب أو مثل التراب . عش ما تشاء ، كما تشاء ، فإنك ميت . واحبب من تشاء ، كما تشاء ، فإنك مفارق .

  • ادم والاشباع .
    الأحد 13 أبريل 2025 - 01:29

    ما هو الاشباع وهل الاشباع الى ما لانهاية هناك من تزوجت او تزوج عن حب ولكن بعد ثلاث أو أربع سنوات بحث عن البديل . الانسان يضل يبحث عن الاشباع ولكنه يضل جاءعا الى ان يموت لان هذه طبيعة بشرية فالانسان قال له الله كل من كل شجر الجنة ولكنه لم ير الاشباع الا في الأكل من الشجرة المحرمة.

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية