إعادةُ الرّوح إلى الذّات الوطّنية وتجاوزُ أزمة العقليّات

إعادةُ الرّوح إلى الذّات الوطّنية وتجاوزُ أزمة العقليّات
السبت 4 نونبر 2017 - 11:21

يعيش مجتمعنا، منذ قرابة عقدين، أسوأ أزمة وجودية في تاريخه: إذ لا يزال يُكابد بشدة تداعيات الأزمة الاقتصادية/ المالية العالمية (2008). ونتيجة لذلك، تَهاوتْ كُليا أسُسُه التقليدية، جارفة معها كل ما كانت تُتيحُه من صمّامات أمان… حتى ضمن الأسرة “العصرية” نُعاين تَمَزُقَ الزيجات وتَفَكُّكَ روابط الدم وزوالَ قِيَّمِ التكافل. أما الشباب الصاعد، المتكاثر كالفطر، كما في باقي بلدان العالم الثالث، فقد تَمَّ التَّخَلِّي عنه، وتَرْكِهِ لغرائزه وحَسْبُ. شباب تائه، منطوٍ على ذاته. أُمِّيُّ (بمعنى من المعاني)، لا يقرأ أو لِماما، علاوة على كونه من أكثر شباب العالم إدمانا على وسائل التواصل الحديثة (فضائيات، أنترنيت، هواتف نقالة…). الأمر الذي وَلَّدَ لَدَيْهِ ثقافة مُوَازِيَّة، “عشوائية”، غالبا ما تقوده، بَدَلَ تنمية قُدُراته العقلية، إلى السقوط في التقليد… تقليد “كْلِيشيهات” مُبْتذلة، أو “كَبْسولات رقمية”، “مُعَلَّبة”، “مُلُوَّثة”، مُسْتَجْلَبة من الخارج، أقل ما يقال عنها أنها تحمل (في طياتها) مغالطات و”حقائق كاذبة”، تهدف نَشْرَ “الاسْتلاب” وتكريس الوعي المزيف…

وثمة دوائر من الصمت الثقيل تزحف تدريجيا لخنق القليل مما تبقى من المُتاح لتمدده الحَيَوِي، بحيث لم يعد له من مَهْرب غير الانْغِماس في الماديّات التافهة والمتع العابرة، التي تُشَكل، للأسف، أخطر طاعون يُهدّد مجتمعنا… بل صار مبدأه الوحيد في الحياة: تَحْصيلُ أكبر كمية ممكنة من المال في أقصر مدة زمنية… وهو بهذا المعنى يُحاكي حَرْفيا أخبث تعاليم الرأسمالية المُتَوّحشة… ويُدير الظهر طواعية للمبادئ الأولية التي يقوم عليها وجوده… للحلم الفِرْدَوْسي الذي يحتاجه المغرب، للعلوم والجمال والشعر… حتى الفتيات وَقَعْن، بدرجة ما، في فخ المرايا الخادعة (المال والملذات السهلة)، وتُركْن فريسة للذئاب “المُتأكْسدة”، ولصُدَف الشوارع، مِمّا حوّلَهن حتْما إلى مخلوقات مَنْزوفة، بلا قيمة، بلا غد…

إنه لأمر مُخْز، لأن هذه الشبيبة تَخْتَزن مواهب خلاقة هائلة، لكن تُحَرِّفُها عقليّات “ثُعْبانِيَّة”، مُلْتويّة، مِمّا يُفْقِدُها تماما الوعي الصحيح بذاتها وبالمستقبل (الجماعي) الذي يَلزمُها بناؤه وفق تصورها الخاص… إنها ليست حرة ولا مسؤولة… لهذا، تَتَفَسّخ غارقة في وُحُولِ الأزمة الأخلاقية العامة التي تعذب عقولنا وحواسنا جميعا…

*****

مع توالي السنين، نعاين نُكُوصا لأُسُسِنا الثقافية، تسهم فيه قِوى تعمل بهمّة على قرصنة واختطاف المعان الحقيقية للوجود لفصْل الإنسان عن الأرض، عن محيطه وذاته. طُغْمة من “الغُوريلاَّت المُهَيّجة” جعلت من السباق نحو الربح السريع أولويتها الكبرى، ومن التهافت على تكديس المال واستعراض مظاهر الثروة والإنفاق الباذخ والانتفاعية عقيدتها الأولى…

عوض خلق الثروات لينتفع بها الشعب برمته، نراها تلهث وراء الالتهام المفرط للأراضي العقارية، بغية الإثراء الفردي المحض، مُفاقمة بتصرفها اللاَّمسؤول الأنانيات والأحقاد، إن لم نقل الكراهية… متناسية أن الاستثمار في العقار، بالرغم من عوائده الآنية الخيالية، لا يُنْتج قَطْعا أية قيمة مضافة حقيقية، بل يؤدي بسبب الشراهة إلى اختلالات بيئية/اجتماعية تصعب معالجتها… ولعل أفظع أضراره، تفشي المضاربات الحادة والاستهلاك الترفي الأجوف، والتسابق العبثي/المحموم، بين الناس، حول من يقتني أفضل البُقْعات، أو أضخم “الفيلات”، أو أفخم السيارات… إلى درجة أن الأشد فقرا والأصغر سنا والأقل شطارة (منهم) يسعون، بأي ثمن، إلى تقليد السلوك الاجتماعي الخاطئ لأغنياء العقار الجدد… إنها محاكاة وقحة… التبذير الفاحش، للأموال والطاقات… فبدافع حب الربح السريع، يتحاشى حديثو الثروات الرّيْعية الاستثمار في الاقتصاد المنتج (الصناعات الغذائية، مثلا)… وللعلة ذاتها، أيضا، تتعرض البوادي للإهمال، إذ لم تَعُد المزارع تجد من يتعهدها بالحِراثة والغرس، نظرا لانعدام الوسائل التقنية الملائمة، وهجرة الشباب القروي إلى المدن الآهلة، المُتخبطة أصلا في مختلف مظاهر البؤس والإجرام والانحراف والتلوث…. يوما بعد يوم، تزداد الأمور استفحالا، لكن لا أحد يَأْبَهُ لهذه الأزمة المركبة… أزمة العقليات التي أشار إليها الملك محمد السادس في خطابه الأخير (13/10/2017)، حيث دعا إلى “المساهمة في نشر الوعي بضرورة تغيير العقليات التي تقف حاجزا أمام تحقيق التقدم الشامل الذي نطمح إليه”…..

*****

إن كل الأشياء مترابطة، ومُتّحدة منطقيا، وسيكون من الأجدى لنا لضمان بناء مستقبل خال من المخاطر إعادة التفكير باستمرار في لحمتنا الوطنية، في ذاتنا الجماعية، حتى نَعْرف بوضوح مَنْ نَحْنُ، وماذا نريد تحديدا، كي نَكُونَ غير ما نَحْن، ونَحْيا مثلما نَحْن، بالنظر إلى ما نَحْن فقط … ذلك أن معرفة الذات (الفردية//العامة) هي أم المعرفة، رأس الحكمة… هي ما يمنح الرابطة الجماعية (معنويا) اليقظة والصلابة، القدرة على الانبعاث والتجدد الدائم… ثُمّ علينا ألا نَعْتَبِر الوطن مُجَرَّدَ قِطَع أرضية مُهيأة للغربان النَّهِمَة، أو “عُشّ زنابير” مُتباغضة يتسلى به مُهَيِّجُو النُّعرات… وأخيرا، لا بُد من تقليص شهواتنا القديمة، والحد من هَوَسِ وَهْمِ الإثراء السهل، الذي يُحطم في نفوسنا كل ما يُؤسس لوحدتنا، كل ما يُضيف معنى لوجودنا… وبما أن الذات العامة تستمد كيانها من أفراد الشعب، فتغيير العقليات (الفعلي) يتأتى دوما من الشعب، لأن في الشعب طاقة كافية قادرة على تحريره من عقده ومن اسْتلابه ومن كافة الضغوط الذهنية التي يرزح تحت وطأتها. يكفي أن نوقض فيه تلك الشعلة من الإدراك المُحَرِّر لإنجاز تحريرنا الكامل، بشكل أكيد… وبالتالي، خلق إنسان جديد يستطيع العمل بأخوة لتحقيق السعادة العامة…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • سفيه درجة دكتراه
    السبت 4 نونبر 2017 - 11:56

    المُجتمع شاب طائش لا يمكن إستمالته بالخطاب العُدواني
    ثقافة العصر هي الأنترنيت هي مدرسة الحاضر و المستقبل ؛ هي نافذة العالم..
    ،و سرعان ما ستُقفَل المدارس العتيقة و الكتاتيب و المساجد لأنّها كبَّلَت عُقول الشباب و عزلتهم عن العالم.

  • دباج حسن
    الأحد 5 نونبر 2017 - 02:08

    استادي الكريم.مند ان تحول المعلم من مربي الى موظف اصيب المجتمع بنكسة مدوية.
    اريد للجيل الحالي ان يبقى عبدا للواتصاب والفايس بوك وغيره من وسائل الاتصال الرقمي .ان يبقى مجرد مفعول به تائه دون ملكة النقد العاقل.
    مجتمعنا اصيب بتفسخ و مسخ وتدجين مند ان اعطى الناشئة ظهورهم للكتاب.
    كم هم محضوضون فامهات الكتب اثمنتها ما بين 20 و60 درهم مرورا بياسمنة خضرة وبالساك وتولستوى وصولا الى الجابري وبشلار وطه عبد الرحمان وامين ومعلوف وغيرهم.
    امهات الكتب معروضة بوفرة على قارعة الطريق ولا احد يلتفت اليها.
    كيف لامة لاتقرا ان تخطو للامام.
    كيف لامة اميوها رؤساء مجالسها وبرلمانها.
    كيف لامة ان تتقدم وميزانيات البحث العلمي اقب من 1 في المائة من ميزانياتها………

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17 6

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36 2

ضيوف من الفضاء