إمارة المؤمنين ورعاية التصوف

إمارة المؤمنين ورعاية التصوف
الخميس 14 غشت 2025 - 12:47

في ظل التحولات التي يشهدها الحقل الديني بالمغرب يبرز التصوف كرافد أصيل من روافد الهوية الروحية والوطنية، وكفضاء تربوي يُسهم في ترسيخ القيم الإسلامية السمحة، ومواجهة مظاهر الغلو والانغلاق. غير أن هذا الرصيد التاريخي والروحي لا يمكن أن يُترك عرضة للتأويلات أو التجاذبات، خصوصًا في ظل ما تشهده بعض الزوايا من ارتباك في مشيختها، وتنازع حول شرعية قيادتها.

الزوايا، بما لها من تأثير روحي واجتماعي، لا يمكن أن تكون خارج سلطة المؤسسة الدينية الرسمية، التي يمثلها أمير المؤمنين، ضامن الشرعية وحامي الملة والدين. فالتصوف المغربي، في نموذجه السني المعتدل، لا يكتمل إلا في إطار من الانسجام مع الدولة، وتحت إشرافها المباشر، بما يضمن له الاستمرار والفاعلية، ويُحصّنه من الانزلاق أو التسييس.

وقد تطورت العلاقة بين الدولة والزوايا من التوقير الرمزي إلى التأطير المؤسسي، في نموذج يجمع بين التزكية الروحية والتعيين الرسمي، ويُجسّد خصوصية التصوف المغربي في ارتباطه بالسلطة الدينية الشرعية.

الجذور التاريخية لرعاية التصوف

منذ العصور الإسلامية الأولى كانت العلاقة بين السلطان والزوايا الصوفية علاقة تكامل وتوقير. وبدأت ملامح التنظيم الرسمي تظهر بوضوح في عهد الدولة المرينية، حيث صدرت أولى ظهائر التوقير التي تُمنح لشيوخ الطرق الصوفية، وتُعبر عن الاعتراف السلطاني بمكانتهم الروحية.

في عهد الدولة السعدية استُخدمت الزوايا كقوة اجتماعية لمواجهة التدخلات الأجنبية، وكان التصوف يُعد عنصرًا من عناصر الوحدة الوطنية.

أما في عهد الدولة العلوية فترسّخ هذا الدور بشكل مؤسسي، خصوصًا في عهد السلطان مولاي سليمان، الذي رعى الطريقة التيجانية، وأصدر ظهائر تُنظّم علاقتها بالسلطة، وتُحدد مهام شيوخها.

نحو مأسسة التصوف: من الدعم الرمزي إلى التنظيم المؤسساتي

في القرن العشرين، وخصوصًا في عهد الملك الحسن الثاني، استمر دعم التصوف ضمن رؤية متوازنة بين الروحانية والمؤسساتية. وفي عهد الملك محمد السادس شهد التصوف نقلة نوعية نحو المأسسة الواضحة، من خلال ظهائر شريفة تُعيّن شيوخ الطرق، وتُعيد هيكلة المشيخات، تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

من الوراثة الروحية إلى التأطير المتوازن: قراءة في النموذج المغربي

الزوايا الكبرى مثل الدلائية والفاسية والناصرية كانت مراكز علمية وروحية متكاملة، تُنافس الجامعات، وتُنتج المعرفة، وتحظى بتوقير سلطاني. الزاوية الدلائية نافست القرويين، والزاوية الفاسية ارتبطت بأعلام كبار، والناصرية جمعت بين التصوف والفقه والتاريخ.

وفي المقابل لم تكن الزاوية البودشيشية، التي نشأت في القرن العشرين، امتدادًا لزاوية علمية تقليدية، بل ظهرت في سياق اجتماعي وروحي مختلف، وركّزت على التربية والسلوك دون إنتاج علمي يُضاهي الزوايا التاريخية؛ ورغم انتشارها الواسع واجهت تحديات تتعلق بـ:

* غياب التأطير العلمي الصارم.

* توسّع غير مضبوط في المشيخة.

* توظيفات إعلامية أو سياسية غير منسجمة مع روح التصوف السني.

وقد كشفت الرسالة الاستعطافية التي وجهها مريدو الزاوية البودشيشية إلى أمير المؤمنين، ونُشرت علنًا، عن حالة من التشويش والارتباك في مسألة مشيخة الطريقة، والطعن في شرعية الشيخ الحالي، ومحاولات استبداله بغير ذي سند واضح. هذا الوضع يُبرز الحاجة إلى آليات أكثر وضوحًا ونجاعة في تدبير انتقال المشيخة، بما يضمن وحدة الصف، ويحفظ المكانة الروحية للزاوية، ويُجنّبها التنازع الداخلي.

وفي هذا السياق يبدو من الطبيعي، في ظل النموذج المغربي الذي يجمع بين الروحانية والمؤسساتية، أن يُعاد التفكير في سبل تعزيز الانسجام بين التزكية الروحية والتأطير الرسمي، من خلال إشراك المرجعية الدينية العليا، ممثلة في أمير المؤمنين، في ضبط هذا المسار؛ فبوصفه أميرًا لجميع المؤمنين، وسلطانًا على المال كما هو سلطان على المعنى، تظل إشاراته وتوجيهاته مصدرًا للثقة والقبول، ومظلة جامعة تضمن الاستقرار الروحي، وتُحصّن الزوايا من الانزلاق أو التوظيف المغرض.

بل إن تدخل إمارة المؤمنين يصبح حتميًا حين يطرأ خلل في ولاء “وارث السر”، أو حين تظهر مؤشرات على ارتباطه بجهات خارجية أو ولاءات متناقضة مع الثوابت الوطنية والروحية. فهنا لا يكون الأمر مجرد خلاف داخلي، بل تهديدًا للرواية المغربية في التصوف، وللوحدة الدينية، ولأمن الوطن الروحي. ومن ثم فإن حماية الملة والدين والوطن والرواية تقتضي تدخلًا حازمًا من المرجعية العليا، بما يضمن استمرار التصوف المغربي في مساره المتوازن، ويُبقيه في حضن الأمة لا على هامشها.

ليس المقصود هنا فرض نمط معين، بل اقتراح عقلاني يُراعي خصوصية التصوف المغربي، ويُسهم في بناء نموذج متوازن يجمع بين الوفاء للسند الروحي والانضباط للمؤسسة الدينية، في إطار من التكامل لا التنازع، ومن الحكمة لا الإقصاء.

التزكية الصوفية والشرعية الرسمية: تكامل لا تعارض

في التصوف التقليدي يُمنح الشيخ تزكية من شيخه السابق عبر سند روحي، يُعبّر عن انتقال السر وتوارث التربية. غير أن هذا السند، رغم أهميته، لا يُعد كافيًا في السياق المغربي الحديث، حيث أصبح التصوف جزءًا من الحقل الديني الرسمي، ويخضع لضوابط مؤسساتية تُشرف عليها الدولة.

ففي النموذج المغربي لا تُمنح المشيخة فقط بناءً على الوراثة الروحية، بل تُعزَّز بتعيين رسمي من أمير المؤمنين، لضمان الشرعية، وضبط المهام، وتحديد المسؤوليات. وهذا الجمع بين التزكية الروحية والتزكية السلطانية يُجسّد خصوصية التصوف المغربي، الذي يربط بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في إطار من الانسجام والتكامل.

وهذا ما يُفسّر الحاجة إلى تدخل المرجعية العليا في حالات الارتباك أو التنازع، كما ظهر في نموذج الزاوية البودشيشية، حيث لم يكن الخلاف مجرد مسألة داخلية، بل تجاوز ذلك إلى تهديد محتمل لوحدة الصف الروحي، ما يستدعي ضبطًا مؤسساتيًا يُعيد التوازن، ويُحصّن الزوايا من الانزلاق أو التوظيف المغرض.

التصوف كرافد من روافد الثوابت الدينية

التصوف المغربي يتميز بارتباطه الوثيق بالسنة النبوية، ويُعرف بـ“التصوف السني”، الذي يُركّز على التربية الروحية، التزكية الأخلاقية، والسلوك المتوازن. وقد لعبت الزوايا دورًا محوريًا في:

* نشر القيم الإسلامية المعتدلة.

* مقاومة التطرف والغلو.

* تعزيز الانتماء الوطني والولاء للثوابت.

ومن هنا فإن رعاية إمارة المؤمنين للتصوف لا تقتصر على التعيين أو التنظيم، بل تُعد جزءًا من حماية الثوابت الدينية: العقيدة الأشعرية، المذهب المالكي، والتصوف السني، وهي المكونات الثلاثة التي تُشكّل الهوية الدينية المغربية.

وهذا ما يجعل من ضبط المشيخة، وتحصين الزوايا، وتوجيهها نحو خدمة الأمة، ضرورة وطنية، لا مجرد خيار تنظيمي. فالتصوف، حين يُدمج في إطار مؤسساتي منسجم مع الثوابت، يُصبح قوة تربوية وروحية تُسهم في بناء الإنسان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الجمعة 15 غشت 2025 - 06:12

    “إذا كان الفقه يشرح كيف نعبد الله، فإن التصوف يعلّمنا كيف نعبد الله كما لو كنا نراه. فالأول يبني الجسد، والثاني يحيي الروح”

    أستاذي،

    قرأت مقالكم القيم عن التصوف السني ودوره المحوري في الحفاظ على الهوية الروحية للمغرب، فوجدته كالشمس الساطعة التي تنير دروب الفهم الصحيح للإسلام. لقد أجدتَ وأفدتَ حين ربطتم بين التصوف الأصيل وبين مقومات الشخصية المغربية الأصيلة، تلك الشخصية التي تتكئ على ثلاثية عريقة: العقيدة الأشعرية في الاعتقاد، والمذهب المالكي في الفقه، والتصوف السني في السلوك والتربية.

    لقد صدقتم حين أشرتم إلى أن التصوف السني يشكل مع العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي نسيجا متكاملا يحفظ للمغرب تماسكه الديني والاجتماعي. فهذه الثلاثية المباركة هي التي جعلت من المغرب نموذجاً للوسطية والاعتدال وحصّنته من رياح التطرف والغلو التي تهبّ على المنطقة من كل صوب.
    إن التصوف السني، بتركيزه على تزكية النفوس وتربية القلوب وبناء الأخلاق، هو أقوى سلاح نواجه به ظواهر التطرف والانغلاق.

    “التصوف ليس حِكراً على الأذكار والأوراد، بل هو أخلاقٌ تُزَكى، وقلوبٌ تُرقى، ومجتمعٌ يُبنى على المحبة والوئام”

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الجمعة 15 غشت 2025 - 09:12

    هذا هو حال المغرب والمغاربة ,الوراثة الروحية تلعب بعقول المغاربة وتسيطر على حريتهم واستخدام عقولهم ليحرروا انفسهم من العادات المتوارثة لان التدين المغربي عامة اصبح عادة وليس عبادة

  • يونس
    الجمعة 15 غشت 2025 - 11:11

    السلام عليكم،
    يقع إجماع أهل التصوف سلوكاً وذوقا في أن الشيخ المربي هو أساس وظيفة التزكية التي تعود أصالة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووراثة إلى صنف الصديقين من أمته الذين لا يخلوا منهم زمان إلى قيام الساعة.
    هؤلاء الشيوخ من صنف الصديقين يتميزون عن علماء الشريعة والوعاظ والمفكرين في أن الله حرّرهم من رقّ وعبودية أنفسهم إلى أن تحققوا عملا وحالا وذوقا ومعرفة بالعبودية لله وحده، ثم بعد ذلك جعلهم ربهم وأذن لهم في دلالة العباد إلى الله.
    هذا الصنف يجب اتباعه وتصديقه – من باب الإيمان بالغيب – فيما يشير على الخلق بمن له خلافة سر التزكية من بعده، ذلك أن أمر خلافة السر عند هذا الصنف ليس من عِندِيته بل هو شأن رباني صرف لا دخل للأهواء والرغبات فيه؛ وإلا لما كان لحديث الولي الوارد في الصحيح أي معنى: “فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به،…”. فهل ترى أن من يسمع بالله ويبصر في الله يأتي في آخر عمره وعهده بقرب لقاء ربه فيكذب ويعيّن وارثا لسره عن رغبته وهواه ؟ أبدا والله.
    لذا، فإن الوراثة الروحية في الطريقة القادرية البودشيشية مسألة محسومة منذ وقت طويل تواتر عليها جميع شيوخها.
    والسلام.

  • Younes Younes
    الجمعة 15 غشت 2025 - 11:29

    ادّعائه بأن الطريقة القادرية البودشيشية تفتقر لتأطير علمي صارم، وهذا ينمّ عن عدم معرفة بالطريقة وأدوارها الجهادية والعلمية.
    وحتى لا أطيل، فإن الإنتاجات العلمية والفكرية لعلماء الطريقة البودشيشية يمكن وحدها أن تشكل مكتبة مستقلة، بل وصلت بعض الإنتاجات الفكرية لهؤلاء العلماء حد الثورة الفكرية والفلسفية (الفيلسوف المجدد الدكتور طه عبد الرحمن، الفقيه الموسوعي الإقتصادي الدكتور أحمد لسان الحق، …)
    ناهيك أن أغلب مجالس الذكر تتخللها الدروس العلمية والشرعية في شتى المجالات. والله على ما نقول وكيل
    ناهيك عن التكوينات العلمية الصارمة في الزاوية الأم بمداغ خصوصا بمناسبة اعتكافي شهر غشت وشهر رمضان..
    ولا ننسى مناسبة الملتقى العالمي للتصوف الذي وصل هذه السنة إلى نسخته العشرين، والذي يُعدّ منارة علمية وفكرية ومعرفية تحظى بحضور ثلة ثقيلة ووازنة لعلماء ومفكرين من شتى المشارب والمجالات والآتين من مختلف القارات الخمس.
    فكفوا رحمكم الله عن الكلام بغير علم في أمور الطريقة، فليس شيئا أفسد على الناس تفكيرهم مثل الأحكام المسبقة والمغلفة والمُغرضة.
    والسلام.

  • Samir Boujdayane
    الجمعة 27 مارس 2026 - 01:35

    المقال أصاب كبد الحقيقة حين لفت النظر إلى التحولات التي عرفتها الزاوية القادرية البودشيشية في السنوات الأخيرة، تحت إشراف منير القادري بودشيش. فبدل أن تبقى الزاوية منارةً للذكر والصفاء والتزكية كما كانت في عهد أجداده الكرام، انزلقت تدريجيا نحو مظاهر تنظيمية وبروتوكولية طغت على روحها الباطنية.
    لقد كان شيوخ الطريق الأوائل — أمثال سيدي حمزة رحمه الله — حريصين على تربية المريد على الإخلاص، والتجرد من الهوى، والتمسك بشريعة الله في ظاهر السلوك وباطنه. أما اليوم، فالمتتبع لأنشطة الزاوية يلحظ اختلاط الروحاني بالسياسي، وتوسيعاً للنطاق الدعائي والتنظيمي على حساب الصفاء الروحي. وهذا الانحراف لا ينسجم مع وصية الأوائل الذين جعلوا الطريق وسيلة لله لا غاية دنيوية.
    إن حماية التصوف من الاستغلال أو التسييس ليست طعناً في أحد، بل هي دعوة للعودة إلى العهد الأول: عهد المراقبة والتقوى، حيث كان الشيخ مرشداً لا زعيماً، والمريد خادماً للحقيقة لا تابعاً للوجاهة. ومن هذا المنطلق، فإن محاسبة الانحرافات وإصلاح المسار هو واجب شرعي وأخلاقي لصون التصوف من التميع والتحريف.

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32

صقور السعودية في سماء مراكش

صوت وصورة
لشكر وحكومة المنصوري
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:57 8

لشكر وحكومة المنصوري

صوت وصورة
جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء
السبت 10 أكتوبر 2026 - 13:37 9

جزارون يشتكون غلاء اللحوم الحمراء

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 3

ليلة رعب في أولاد عياد