احتجاجات متزامنة تهز تندوف وتضع قيادة "البوليساريو" تحت الضغط

احتجاجات متزامنة تهز تندوف وتضع قيادة "البوليساريو" تحت الضغط
كاريكاتير: مبارك بوعلي
الإثنين 17 غشت 2026 - 21:00

احتج سكان مخيمات تندوف، نهاية الأسبوع المنصرم، في وقفتين منفصلتين، على خلفية ملفات اجتماعية وإنسانية أثارت استياء حادا داخل المخيمات، وسط انتقادات موجهة إلى قيادة جبهة البوليساريو الانفصالية، وعلى رأسها إبراهيم غالي، بشأن طريقة تدبير شؤون السكان، وذلك عقب عودة غالي من الجزائر، حين شارك في افتتاح الدورة الرابعة عشرة للجامعة الصيفية بمدينة بومرداس.

وفي هذا الصدد نُظمت الوقفة الأولى أمام مقر بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث طالب المحتجون بالإنصاف في معالجة ملفات المرضى الراغبين في الاستفادة من عمليات الإجلاء الطبي إلى إسبانيا، احتجاجا على وفاة أحد سكان المخيمات كان يعاني من مرض خطير ولم يتمكن من الاستفادة من العلاج بإسبانيا، فيما وجه محتجون انتقادات بشأن ما اعتبروه تمييزا في الاستفادة من عمليات الإجلاء، لصالح أشخاص تقول مصادر إنهم يحظون بعلاقات مع قيادة الجبهة.

وفي مخيم الرابوني، المركز الإداري لجبهة البوليساريو، نظم محتجون شكلا احتجاجيا ثانيا أمام مكتب إبراهيم غالي، رافعين مطالب تتعلق بالعدالة والكشف عن مصير عدد من أقاربهم الذين تقول عائلاتهم إنهم محتجزون في سجون تابعة للجبهة، إذ طالب المشاركون بتوضيح مصير هؤلاء وتمكين أسرهم من معرفة أوضاعهم، في تحرك يسلط الضوء مجددا على ملفات حقوقية واجتماعية حساسة داخل المخيمات.

حري بالذكر أن هذه الاحتجاجات تأتي بالتزامن مع عودة زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي بعد مشاركته، يوم 11 غشت، في الجامعة الصيفية ببومرداس، وما رافق ظهوره هناك من نقاش بشأن طبيعة الاستقبال الذي حظي به من المسؤولين الجزائريين.

شرعية متآكلة

تعليقا على الموضوع قالت مينة لغزال، منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”، إن الاحتجاجات الأخيرة في مخيمات تندوف، عقب عودة إبراهيم غالي من الجزائر، تعبر عن السخط الاجتماعي، وتطرح، من منظور قانوني وحقوقي، أسئلة جوهرية بشأن حرية التجمع والتعبير، وحق العائلات في معرفة مصير ومكان وجود ذويها المفقودين، ومدى كفاية آليات الحماية الدولية، وفي مقدمتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ونبهت لغزال، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن عطلة نهاية الأسبوع المنصرم شهدت تظاهرتين منفصلتين، لكل منهما مطالب محددة، غير أنهما تلتقيان، وفق تقديرها، عند “الإدراك المتنامي لانهيار آليات المساءلة بين مسؤولي المخيمات والسكان الذين يدعون تمثيلهم”، موضحة أن الاحتجاج الأول أمام مقر المفوضية انصب على عدالة إجراءات الإجلاء الطبي إلى إسبانيا، بينما تمحور الثاني في الرابوني حول مطالبة عائلات بالكشف عن مصير أقاربهم المحتجزين لدى جبهة البوليساريو.

وأكدت الفاعلة المدنية ذاتها أن المطالبة بالإجلاء الطبي العادل ترتبط بالحق في الحصول على العلاج الطبي الطارئ في الخارج باعتباره استحقاقاً وليس منحة، بما يستوجب، بحسبها، احترام مبدئي عدم التمييز والمساواة في الوصول إلى الخدمات الأساسية، معتبرة أن هذه المطالب تمس أيضاً شفافية آليات إدارة المساعدات والرعاية الطبية في دول ثالثة، وزادت: “إن حق العائلات في التماس وتلقي المعلومات المتعلقة بأفراد الأسرة المفقودين هو حق قائم بذاته، ومستقل عن إثبات الجرم الأصلي وغير مشروط به”.

وبخصوص الاحتجاج الثاني سجلت المتحدثة أن مطالب العائلات بالكشف عن مصير أقاربها تثير، في تقديرها، مسألتي المساءلة والحق في معرفة الحقيقة، وقد تتصل بحالات اختفاء قسري. كما ذكرت الباحثة في خبايا نزاع الصحراء أن المشهد الاحتجاجي الحالي تتقاطع فيه ثلاثة عوامل رئيسية، أولها ما وصفته بـ “عجز الحكامة الإنسانية”، في ظل الشكاوى المرتبطة بعدالة الإجلاء الطبي واحتمال وجود الزبونية والمقاربات القبلية في توزيع الخدمات المحدودة العابرة للحدود.

وأوردت لغزال أن العامل الثاني يرتبط بالمساءلة عن المفقودين، مشيرة إلى أن احتجاج الرابوني يعكس مطلبا وثقه تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ومنظمات حقوقية أخرى للحصول على معلومات عن الأقارب، في ظل ممارسة جبهة البوليساريو، وفق قولها، “سيطرة إدارية وأمنية واقعية” على سكان المخيمات.

وأضافت المصرحة نفسها أن العامل الثالث يتعلق بـ “شرعية القيادة تحت الضغط”، مسجلة أن توقيت الاحتجاجات، الذي أعقب مشاركة إبراهيم غالي في الجامعة الصيفية ببومرداس، وما وصف باستقبال فاتر من المسؤولين الجزائريين، يضعها في سياق توتر أوسع بين قيادة البوليساريو وراعيها الخارجي الرئيسي.

واسترسلت الباحثة بأن مسؤولية “سلطة الأمر الواقع” التي تمارسها جبهة البوليساريو تفرض عليها الكشف عن مصير الأشخاص الموجودين تحت عهدتها، وضمان الإجراءات القانونية الواجبة والامتناع عن الاحتجاز التعسفي أو إخفاء المعلومات، مبرزة في الوقت نفسه مركزية مسؤوليات الجزائر بصفتها الدولة المضيفة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بصفتها الجهة المكلفة بالحماية.

وأنهت مينة لغزال حديثها لهسبريس بتأكيدها أن الاحتجاجات الحالية تضع شرعية البوليساريو أمام اختبار على المستويين الإنساني والحقوقي، وأن طريقة الاستجابة لها، عبر الشفافية والتحقيق المستقل والعدالة الإجرائية، ستحدد ما إذا كانت ستظل تعبيرا لحظيا عن المظالم أم ستتحول إلى تحدٍّ مستدام للحكامة الداخلية والمصداقية الخارجية.

تحولات إقليمية

من جانبه سجل حمدات لحسن، باحث في العلاقات الدولية مختص في قضية الصحراء المغربية، أن الاحتجاجات المتواترة داخل مخيمات تندوف تعكس بداية تآكل تدريجي في صفوف جبهة البوليساريو، بفعل التحولات الدولية والإقليمية وفشل السردية التقليدية للجبهة في الحفاظ على الزخم نفسه، إلى جانب تراجع الدعم والاعترافات بمشروعها الانفصالي، وما يرافق ذلك من انتقادات متزايدة لطريقة تدبير الأوضاع داخل المخيمات.

وأضاف حمدات، ضمن تصريح لهسبريس، أن جانباً من الاحتقان يرتبط بالأوضاع الاجتماعية والإنسانية داخل المخيمات، خصوصا ما يثار بشأن تدبير المساعدات الإنسانية وغياب معطيات دقيقة حول أعداد السكان، فضلا عن اتهامات بالفساد الإداري والمالي والزبونية في الاستفادة من بعض الخدمات، ولاسيما إجراءات الحصول على التأشيرات والإجلاء إلى إسبانيا بغرض العلاج، مشيرا إلى أن هذه المطالب تعكس تنامي الرغبة في ضمان حقوق السكان كما تقرها المعايير والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وأكد المتحدث أن الاحتجاجات لا تنفصل عن واقع حقوقي وأمني متوتر داخل المخيمات، لافتا إلى أن المطالب لم تعد تقتصر على الخدمات الاجتماعية، بل امتدت إلى ملفات العدالة والمساءلة والكشف عن مصير عدد من الأشخاص، وهو ما يضع قيادة البوليساريو أمام اختبار حقيقي بشأن قدرتها على الاستجابة للمطالب الداخلية والحفاظ على تماسك المخيمات.

أما بشأن تزامن هذه الاحتجاجات مع عودة إبراهيم غالي من الجزائر فأورد المهتم بنزاع الصحراء أن مشاركة زعيم الجبهة في الجامعة الصيفية ببومرداس وما وصفه باستقبال باهت وفاتر من المسؤولين الجزائريين أعطيا، في نظر سكان المخيمات، مؤشرات على تغير في مستوى الدعم الذي اعتادته القيادة، مشددا على أن هذا التزامن قد يكون شجع أصواتا ناقدة داخل المخيمات على رفع سقف مطالبها المشروعة.

ولفت المصرح ذاته إلى أن تراجع الزخم الدولي والإقليمي المحيط بجبهة البوليساريو تزامن مع تحرك دبلوماسي مغربي مكثف، خصوصا منذ عودة المملكة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، وما أعقب ذلك من اتساع دائرة الدول الداعمة لمغربية الصحراء وافتتاح قنصليات عامة بمدينتي العيون والداخلة، فضلا عن مواقف دول وازنة، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، وهو ما ساهم، بحسبه، في تغيير موازين الدعم السياسي المحيط بالنزاع.

وفي هذا الصدد يرى المتحدث لهسبريس أن تراجع الدعم الذي كانت تقدمه الجزائر لجبهة البوليساريو، سواء على المستوى السياسي أو المالي أو العسكري، لا يمكن فصله عن التحولات التي تعرفها المنطقة، وتعدد الأولويات والضغوط الداخلية في الجزائر، مؤكدا أن المشهد الإقليمي والدولي يتجه نحو تكريس منطق التكتلات والتحالفات والمصالح المشتركة، في مقابل تنامي رفض مشاريع الانفصال والجماعات المسلحة والإرهابية.

وتابع الباحث نفسه: “إن استمرار الاحتجاجات أمام مقرات قيادة الرابوني يعكس انتقال مظاهر الاستياء من مستوى التذمر الاجتماعي إلى مستوى أكثر وضوحا من مساءلة القيادة بشأن الفساد والزبونية وتدبير الخدمات والحقوق الأساسية، خصوصاً مع محدودية قنوات المساءلة المتاحة أمام سكان المخيمات، وهو ما قد يزيد الضغط على قيادة البوليساريو ويضع شرعيتها التمثيلية أمام اختبار داخلي متزايد”.

وخلص لحسن حمدات إلى أن استمرار هذه الاحتجاجات، في ظل التحولات الإقليمية والدولية وتراجع الدعم المحيط بجبهة البوليساريو، قد يجعلها مؤشرا على أزمة أعمق في بنية القيادة والحكامة داخل المخيمات، خصوصا إذا انتقلت المطالب من الاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والإنسانية إلى مساءلة مباشرة عن العدالة والحقوق الأساسية، بما قد يؤثر في صورة الجبهة وموقعها السياسي خلال المرحلة المقبلة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • فؤاد
    الإثنين 17 غشت 2026 - 21:15

    الجزاير بعد فشلها المريع في انتخابات لم يحضرها احد و توالي نكسات البوليزاريو و هزاءهما … جاءت احداث سبتة هدية مجانية لتنفس عليهما لبعض الوقت و قد استغلو الحدث ايما استغلال (شدو البندير) الان ستنتهي هذه الزوبعة و لن يصح الا الصحيح .. و سيعود التركيز على النسار الصحيح للامور ..
    لا اقول انه ليست لدينا مشاكل ، بلا. و يجب ان نحد لها حلول حقيقية، لكن هذه المشاكل لا تعني التشكيك في قوة المغرب الصاعدة و لو دقيقة.

  • mouss
    الإثنين 17 غشت 2026 - 21:19

    وا غير الهضرة زوبعة في فنجان …حنا بغيناها لهيه عاد الاخرين ههههه اما هادو قاتلهم غير جوج .

  • الوهم
    الإثنين 17 غشت 2026 - 21:23

    للفيلسوف الألماني المعروف #نيتشه قول مفاده أن الناس تحب من يخدرها بالأوهام بل وتكافئه. من جهته يقول #جبرا_إبراهيم_جبرا: “لك أن تتمتع بأي وهمٍ تشاء، ما دمت تعلم أنهُ وهم، ولكن حالما تبدأ الظن بأن وهمك حقيقة فأنت في خطر”.
    الصحراء مغربية وعاش المملكة المغربية الشريفة

  • Sos
    الإثنين 17 غشت 2026 - 22:02

    ما بني على باطل فهو باطل البوليساريو منظمة مجرمة يدعمها مجرمون فاسدون و الصحراء مغربية و ستظل مغربية انتهت المسرحية و كل من يقف وارء الخيانة إلى مزبلة التاريخ غدارون و ناكروا الجميل إلى سقر لواحة البشر عاشت المملكة المغربية الاسلامية العلوية الشريفة تحت امارة المؤمنين محمد السادس نصره الله و ايده و شفاه شفاءا لا يغادر معه سقما

  • العائدون من الجحيم
    الإثنين 17 غشت 2026 - 22:02

    المرتزقة مازالوا يتعاملون مع محتجزيهم بقانون الأسرى الذي كان سائدا منذ القديم….انتهاك لأبسط الحقوق،مع القمع المخيف،والتعذيب الوحشي….إنها سياسات الكابرانات القمعية….وفي المقابل يطالبونهم بأن يقولوا العام زين لمنظمات الهلال الأحمر و غوث الاجئين؟؟؟!!!!!!

  • NABIL
    الإثنين 17 غشت 2026 - 23:14

    عصابة البوليساريو مشروع امبريالي اوروبي لنهب تروات افريقيا
    مشروع تنفده الجارية الزازازير عميلة الصهيونية و النصارى
    لن ينتهي هدا النزاع الا بارضاء الغرب و الامم المتحدة
    اما جار السوء فلا وزن و لا هبة لها فهي فقط زوجة فرنسا

  • ناصري عبد الله
    الثلاثاء 18 غشت 2026 - 21:52

    اين هي اقوى منظومة صحية في افريقيا بل في العالم حسب تبون، ما دامت المطالب الرئيسية تتمثل في الإجلاء الطبي العادل و الحصول على العلاج الطبي الطارئ في الخارج، أي فس اسبانيا

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 3

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 6

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما