الأدب الإسلامي: قريبا من الإيديولوجيا، بعيدا عن الفن

الأدب الإسلامي: قريبا من الإيديولوجيا، بعيدا عن الفن
الإثنين 9 ماي 2022 - 00:45

الأدب أدبٌ، خيطٌ مُشِّعٌ يخرج رقيقا رفيعا بديعا ملونا من أعطاف الرؤية والرؤيا، والتجربة. شعاعٌ بنفسجي، بل شعاع قُزَحي بكل ألوان الطيف، ينبثق ـ فجأة ـ في مثل الحالة الإشراقية، والنزول الإلهامي، أو في مثل الحالة الأليمة المشبعة بالمكابدة، وإطالة النظر في الذات وهي تنوس بين الماضي والحاضر والآتي. وينبجس من عين الشعور، ومَسَامِّ الأحاسيس، وغُلاَلات الحلم ليبنيَ بيتا: حجارته الخيال، وزواياه الجمال، وسقفه الجلال، ومحيطه الحق والإبدال، إبدال بموازاة واقع آسن، طاحن، ينسحق فيه المرء انسحاقا، ويتسلع فيه تسليعا. لاَ نَسَبٌ للأدب إلا اللغة، واشتعال الخيال، وبرّية الحرية والانطلاق كمثل مُهْرٍ نادَاه المضمار، وحقول النوار، وأفق لاَزَوَرْديٌّ يومض بلا قرار، ويغمر الفضاء والرحب بالأزرق والاخضرار. لم يعرف تاريخ الأدب العربي ما سُميَ ب ” الأدب الإسلامي ” كدمغة واصفة في كل أطواره وأحقابه الذهبية، وتحولاته التجديدية المتفردة، إلا في وَجازَة زمنية انطفأت قبل أن تشتعل وهي زمنية الدعوة المحمدية. فقد ظل الأدب ـ والشعر في مقدمته ـ معنيا بالدرجة الأولى، باللغة والصورة والإيقاع، واجتراح البعيد والنائي من الاستعارات وهو يُشَكْلِنُ تعبيراته وأسلوبه كآنَق وأرْوَقِ، وأرفع ما تكون عليه الأقاويل الشعرية. هكذا، يعلن الشعر الجاهلي عن نفسه، والشعر الأموي، والشعر العباسي، والشعر الأندلسي، والشعر الإحيائي، والشعر الحديث والمعاصر. أما صفاته تلك: الأموي ـ العباسي ـ الأندلسي ـ الإحيائي .. الخ، فَلِداعٍ تحقيبي، وعِلَّة إبستيمية ليس غير. وأما الأغراض، والموضوعات والتيمات، فحدِّثْ ولا حرج. فمن المدح إلى الهجاء، إلى الفخر، إلى الغزل، إلى الوصف، إلى ” التَّهَتُّك ” عندما ارتبط بعض الشعر ـ حينا من الدهر ـ بالموجدة والشغف بالغلمان المُرْدِ. وعلى الرغم من إنكار واستهجان ” المغالاة ” الشعرية، والإغراق في اللعب واللهو والمُجون، من لدن علماء دين وفقهاء، وهي المغالاة، والبِدَع التي رحَّلَتْ الشعر إلى أنأى الأقاصي، فقد استمر الشعر سؤالا غنائيا، وجوديا، منبثقا من الذات، منبجسا من الخيال، يؤثت بالحرية واقعا مُكلَّسا، ويزركش بالصورة ما يراه قتامةً وحُنْدُساً، ومهاويَ.

إن إضافة الأدب إلى ” الإسلامي “، ليس له من معنى سوى تَدْيينه، وإلباسه جُبَّة الداعية، ووضع سبحة ” النظم ” والوعظ في يده، وقسْره على أن يكون بوقاً زاعقا للدين، ومشروطا ـ بالحتم ـ في المناسباتية، ومنسلكا في رأسمالية السوق، والبيع والشراء. أيْ منسلكا ـ بإجمال ـ في العرض والطلب. من هنا، تَفَطَّنَ الأصمعي بنباهة اللغوي الفذ، والناقد الحصيف، إلى معاني هذه الحقائق لمَّا اعتبر أن ” الشعر بابه النَّكَد، إذا دخل باب الخير لاَنَ وضَعُفَ “. ما يعني بتعبير معاصر: أنه تفطَّنَ إلى الإيديولوجيا والأدْلوجَة كقيد أثقل جناح القول في شعر حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وآخرين ممن سُمُّوا بشعراء الدعوة أو شعراء الرسول. فهو رَأَى ـ ونحن معه أن شعر ابْنِ ثابت الدَّعَوي، ضعف وارتبك، وتهلهل، ونزل وهَزَلَ قياسا بشعره أيام ” الجاهلية”. وما يعني، ثانيةً، أن الأصمعي ومن لفَّ لَفَّهُ من النقاد واللغويين، والبلاغيين، انتصر للخيال، وللحرية، وللغة وهي تحلق عاليا بأجنحة من ضوء وماء، واخْضِلال وغَضَارَة. وكان الشاعر الفحل، لبيد بن ربيعة من الفطنة والذكاء حين امتنع عن نظم الشعر في الدعوة الإسلامية، وكان حديث العهد بالإسلام، إبقاءً على اسمه الكبير الذي كرسته معلقته الشهيرة زمن الجاهلية.

تنبغي الإشارة إلى أن دَمْغَةَ الأدب الإسلامي، كان نادى بها، ودعا إليها سيد قطب، ومصطفى صادق الرافعي، في ما كتبوا ونَظَموا، وتبعهم نجيب الكيلاني، وخَلْقٌ متأدب كثير، إلى أن طرحت الفكرة على بساط الجد والدعوة الإيديولوجية السافرة كخاصية ومخصوصية، فالْتَأَمَ جَمْعُ الدعاة إلى هكذا ” أدب “، فيما سموه ب: ( رابطة الأدب الإسلامي العالمية ). إذ رأوا أن الأدب ـ شعرا ورواية وقصة ومسرحا ـ يجب أن يجسد عواطف الأمة ومشاعرها وأحاسيسها، وتصوراتها للذات الإسلامية، للكون والإنسان والحياة. ورأوا أنه أدبٌ ربَّاني يقوم على تصور عَقَدي ثابت هو: التصور الإسلامي السليم. ألاَ نقول بعد هذا: إن ” الأدب الإسلامي ” توصيف إيديولوجي، وقيد حديدي في أقدام الأدب الذي خلق حافيا ليتحسس رهافة الورد تحت قدميه، أو يتلظى بالجمر وهو يَشْوي مُشط رجليه، ويتألم من أفلاق الزجاج وهي تُدْميه. الأديب المبدع حرٌّ، وحرٌّ، وحرٌّ. مُطَالَبٌ بالجميل والماتع والمِفَنّ والبديع، والجيد. وليس مُطَالَباً بالدعوة إلى العمل الصالح، وإرشاد القوم إلى الطريق الأقوم. فتلك أشياء مكانها وصدرها الدين، والمقالات الدَّعَوية، والخطابات الوَعْظية، والضمير الخُلُقي العام. إن الجمالَ في حده القريب، ومعناه العميق: أخلاقٌ، لكنها أخلاق من نوع خاص، وصنف مخصوص. أليس الجمالُ نقيضَ القبح، ونقيضَ الموبقات والشرور؟. أليس قيمةً ومَثَلا، وهدفا ومبتغى؟ لم يظهر حتى الآن ـ في تقديري ـ أديب إسلامي كبير، جليل الخطر إلاَّ ما كان من الشاعر الباكستاني محمد إقبال. غير أن الرؤية الفنية، والخيال المديد، والنَّفَس العُلْوي، هنَّ ما رفع أدبه وشعره، لا تَبَطُّنَهُ الدعوة بحال. لا يوجد أدب إسلامي، ولا أدب مسيحي، ولا أدب يهودي، ولا بُوذي، ولا زَرَادُشْتي بحصر المعنى، وبما يفيد الهتافية والتقريرية. وإذا كان، فلا يمكن بحال إدراجُه في مجال الفن والإبداع والأدب. إنما هناك أدب جيد، وأدب رديء. لا أخلاقَ في الفن والأدب بالمفهوم الديني الضيق. كما لا تَهَتُّكَ فيه ولا خلاعة، إذ هو حرية، بَيْدَ أنها حرية مسؤولة في الأول والأخير. كِدْتُ أقول: بدأ الأدب وثنيا، وسيظل كذلك: أَيْ ” لا دينيا “. وتلك ميزته وتفرده، ونجاحه في عبور الأزمنة، واختراق الأمكنة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • مقاربة وثائقية
    الإثنين 9 ماي 2022 - 01:34

    عند تتبعنا أثر الحضارة العربية وإشعاعها الفكري وما قدمته من أصالة وحضارة قيمة إلى الإنسانية جمعاء ، رأينا أن أوروبا حصلت على النصيب الأكبر من ثقافة وحضارة العرب . «ولولا العرب لتأخر عصر التجديد في أوروبا لمدة قرون . فقد لمح العرب في كل الميادين العلمية . وفي الوقت الذي كان فيه الشعراء والأدباء والفقهاء يقومون بأدوارهم في نهضة العرب الروحية والنفسية والخلقية . كان العلماء في كل الميادين يقومون بقسطهم في البحث والنقل والتجويد . ولم يتركوا باباً إلا وطرقوه ، إن لم يكونوا قد فتحوا في العلم أبواباً جديدة » .

    ص ١٣٤

  • اعادات
    الإثنين 9 ماي 2022 - 02:02

    وعلى أية حال ؛ فإنه ينبغي ألا نطلب من الأدب أكثر مما يستطيع أن يعطي . إن الأدب بوصفه تشكيلاً للعلاقات الإنسانية بكل تعقيداتها ، هو تعبير مجنح وملتبس من عالم يكتشف نفسه وكأنها غابة من الإشارات .

    ص ٢٦

  • يتبع
    الإثنين 9 ماي 2022 - 02:25

    وكاتب الرواية لا يتعامل مع الشخصية بظاهر حسه ، «ولكنه يتعامل معها بباطن حدسه ، إنه يعطينا ما لا تعطينا الحياة إياه عادة : الإحساس بالخفي ، بالدوافع ، بالضغوط ، بالقعل الباطن »

    ص ٦٥

  • راجع قبل ان تغادر
    الإثنين 9 ماي 2022 - 05:59

    أنسب المعاني التي أخذ عنها النقد الأدبي في العربية هو تمييز جيد العملة الفضية أو الذهبية من زائفها مما يستلزم الخبرة والفكرة ثم الحكم .

    محمد غنيمي هلال

  • standard
    الإثنين 9 ماي 2022 - 06:13

    الرواية ملتزمة بأن تؤمن لكل مجموعة فكرية قوتها المفضل . فهي تقدم للأذهان الوضعية الدراسات الاجتماعية التي يغذيها البوم الاهتمام بما تقدمه البلدان النامية ، وتقدم للنفوس الحساسة ألعاب التحليل النفسي . بل إنها تقدم لأصحاب الخصومات الجدلية مناسبة للانغماس في الأحداث اليومية . كما تقدم للإنسان الباحث عن مصيره تساؤلا دائماً عن الوضع البشري ، أو لا إنسانية العالم . كما تقدم للجميع المتع الطفولية التي يثيرها عنصر القص والتشويق ، والحكاية المؤثرة ، والمغامرة ، وما شابه ذلك .

    وكأن على الرواية أن تقوم بدور الواعظ ، والمشرف السياسي ، وخادمة الأطفال ، وصحفي الوقائع اليومية ، والرائد ، ومعلم الفلسفة . وهي تؤدي هذه المهام كلها في « شكل » فني متعارف عليه عالمياً ، يهدف إلى أن يحل محل الفنون الأدبية جميعاً . ويمكن أن يكون « شكلاً » معمماً للثقافة .

    العدد (٣٨) ص ٦٣

  • Amaghrabi
    الإثنين 9 ماي 2022 - 09:40

    رغم اني لا اهتم بالشعر العربي وان كان ولا بد,فاوافق الكاتب المحترم بحيث يجب ان يحمل ادابا واخلاقا انسانية في الدرجة الاولى وان لا ينسب الى الاسلام لانه يدخل في موقع ضيق لا يهم الا المتخندقين في الايديولوجية الاسلامية التي تميز بين البشر وانسانية البشر في المقام الاول لان الدعوة الى انسانية الانسان هي المستقبل البشري الذي يوحد البشر نحو المصالح المشتركة والعيش في سلم وسلام .الدين لله والارض للجميع فلا تفاخر في العقائد لان الدين والايمان تبقى بين العبد وربه ولا يهم ذلك احدا ابدا.ومع ذلك فبانسبة لي اهتم بالشعر الزجلي المغربي وبالشعر الامازيغي اما شعرا غنائيا او شعرا وجدانيا يعبر عن همومنا وعن اصالتنا وعاداتنا وثقافتنا المتميزة والتي في الاخير تصب في مجرى الثقافة والحضارة العالمية المعاصرة

  • Hassan
    الإثنين 9 ماي 2022 - 17:40

    الأدب فن من فنون التعبير الإنساني و هو مرتبط باللغة و من انتاج العقل .له قيمة فنية و جمالية و يتضمن رسالة . الأديب ملكاته اللغوية تؤهله أن يصيغ رسالته بأسلوب و تعابير تنفذ إلى العقل و تستهوي النفس . ما أنتج في العهد الإسلامي ليس له ارتباط بالدين قد يكون مرتبط بالسلوك . لان الأديب مسؤول أخلاقيا امام المجتمع . . النقد ليس حكرا على الإديولوجيين بل له أصحاب الإختصاص .

  • عبد الحميد مصباح
    الإثنين 9 ماي 2022 - 21:26

    الإسلام كدين فهو مهيمن على فكر وشعور المسلم وكذلك الأمر بتصرفه وسلوكه.

    فمن الطبيعي أن يتجلى في الأدب وفي غيره من الامور الحياتية هذا ما نعتقده مسلمين.

    يقول الله تعالى ” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين”

    الإسلام لا يؤمن بشيء متفلت دون ضابط هكذا متروك لهوى الشخص، كان الفن او غير ذلك.

    فأين المشكل ؟

    والله المستعان

  • رأي1
    الثلاثاء 10 ماي 2022 - 05:15

    يبدو ان هذا المنظور يزكي فكرة الفن من اجل الفن.فهو يجرد الفن من اية وظيفة نفعية او اخلاقية او سياسية.وهو موقف فلسفي نجده عند الفيلسوف الالماني كانط .فهذا الاخير يعتقد پأن الفن عموما هو نتاج العبقرية بوصفها استعدادا عقليا يمنح للفن قواعده.فالفنان الاصيل هو من يمتلك هذا الاستعداد .فالتعلم والاكتساب لا يفعل سوى انه يوقظ هذه الموهبة وينميها اما هي فموجودة بالفطرة لدى الفنان.والعمل الفني المستند الى هذه الفطرة هو موضوع اعجاب على خلاف الفعل الاخلاقي الذي هو موضوع استحسان بينما يكون الممتع موضوع لذة والنافع موضوع اشباع حاجة نفعية.وهكذا يفصل كانط بين الفن والحسن او الخير والممتع والنافع.وهو ما يجعل وظيفة الفن تنحصر في توليد الشعور بالاعجاب في النفس من دون التزام باية قضية سواء اكانت اخلاقية او دينية او سياسية او نفعية او غيرها.ومم تمة اقصاء الالتزام من مجال الفنون.

  • اعداد كسرية
    الثلاثاء 10 ماي 2022 - 07:57

    الحوار الفني لمن يتابع تعدى مرحلة موازنة الفن باللذة حديث اللذة متهافت الجسد يفنى في اللذة متعلقات اكسسوار ركام اي جثة بضع غرامات فوسفور و جير و ذرات حديد الفن للجثة و الجثة للفن

  • الورزازي
    الثلاثاء 10 ماي 2022 - 18:02

    لا تعجل علينا و لا تنكر ؛
    فكل إيديولوجيا تصب نفسها في قوالب أدبية ؛
    و كل أدب ينضج إديولوجيا ….
    و كل يغني على ليلاه .

  • كتاب الأخلاق
    الأربعاء 11 ماي 2022 - 16:35

    يقول Oscar Wild
    There is no such thing as a moral or an immoral book; a book is well written or badly written.

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش

صوت وصورة
ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 21:17

ميطا 3 | تحليل مواجهة "الأسود" ومالي

صوت وصورة
ضيوف من الفضاء
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 20:36

ضيوف من الفضاء

صوت وصورة
أبي رقراق ينبض بالحياة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 13:32

أبي رقراق ينبض بالحياة