الأعلام لا تكتب التاريخ

الأعلام لا تكتب التاريخ
صورة: أ.ف.ب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:07

ما الذي دفع الملك فيليبي السادس إلى زيارة سبتة المحتلة، رفقة الملكة ليتيثيا، بعد تسعة عشر عاماً وسط تعبئة سياسية وإعلامية تجاوزت مألوف الزيارات الرسمية؟ أهي زيارة إلى المدينة، أم رسالة إلى الرباط أرادت مدريد أن تمنحها من الأبهة ما يغني عن صراحة الخطاب؟ يمنح توقيت الزيارة، عقب العيد الوطني الإسباني وعلى خلفية أزمة الهجرة، المشهد دلالات تتجاوز ظاهر المناسبة إلى ما تحمله من رسائل سياسية.

ولعل المفارقة أن مدريد تحشد كل هذا الاحتفاء لتأكيد ما تعتبره من المسلّمات، وكأن اليقين يحتاج إلى تجديد شرعيته أمام الكاميرات، فيما تختار الرباط، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أن تدير علاقات الجوار بمنطق التبصّر وحساب المصالح بعيداً عن إغراء الاستعراض.

وبين فخامة المراسم وهدوء الدبلوماسية؛ فليس في زيارة الملك ما يدعو إلى الاستغراب بقدر ما يثيره ذلك الحشد من أعلام وكاميرات، وكأن مدريد تسعى إلى انتزاع اعتراف جديد من مشهد احتفالي لا يملك أن يضيف إلى التاريخ أيّ شيء. والأغرب أن مدريد، كلما بالغت في استعراض يقينها، منحت الشك مساحة أوسع، بينما تواصل سبتة حضورها في الذاكرة المغربية، حاملةً تاريخًا لا تمحوه الأعلام ولا تحجبه مظاهر الاحتفال.

سبتة… كلُّ هذا الصخب لإقناع الجغرافيا؟

ستظل سبتة، بعمقها الجغرافي والتاريخي مغربية، وأوسع من أن تحسم أسئلتها مراسم رسمية مهما بالغت مدريد في إضفاء الأبهة عليها. فالمدينة تختزن من تعقيدات التاريخ ما يتجاوز حسابات المناسبة، وتستحضر من حساسيات الجوار ما لا تستطيع الخطابات الاحتفالية تجاوزه.

ولعل في المشهد ما يكشف جانباً من مفارقات السياسة الإسبانية، حيث تتداخل رهانات الداخل مع رسائل الخارج، وتتحوّل قضايا الحُدود والهجرة والسّيادة إلى أوراق تتجاذبها القوى السّياسية الإسبانية لتأكيد وحدة موقفها أمام انقسامات الخِطاب.

وللسياسة، بطبيعة الحال، أن تستعين بما تشاء من الرّموز، غير أن الأعلام لا تعالج الأزمات، ولا تقدِّم أجوبة عن الأسئلة التي تتركها الوقائع مُعلقة. ولعل أعمق مفارقات المشهد أن مدريد، وهي تحشد كل مظاهر الأبهة لتأكيد ما تعتبره من ثوابت السيادة، تفتح للتاريخ أبواباً من التساؤل أوسع من تلك التي تحاول إغلاقها بالمراسم والخُطب.

وعلى الضفة الأخرى، تواصل الرباط، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نهجها القائم على التبصّر وعمق الرؤية وحسن تدبير المصالح بعيداً عن إغراء الاستعراض واعتبارات اللحظة.

وبين حرص مدريد على إبراز حضورها وهدوء المقاربة المغربية، تبرز مفارقة تحملُ سُخريتها في طيّاتها: وهكذا، وجدت مدريد نفسها أمام نتيجة لم تحسب لها حسابًا؛ فكلما سعَت إلى تأكيد ما تعتبره يقينًا، أعادت إحياء أسئلة التاريخ، وكأنّ المشهد بكل ما صاحبه من مظاهر يكشفُ حدود الرّمزية حين تَغيبُ قوَّة الحُجّة.

من الرباط إلى سَبتة… صخب المناسبة وحكمة الدولة

أما المملكة المغربية فقد اختارت في تدبير علاقاتها الخارجية منطقاً يقوم على عدم اختزال قضايا السّيادة والمصالح الوطنية في ردود فعل تمليها المناسبات. وليس في هذا النهج ما يفيد قبول الأمر الواقع أو التنازل عن الذاكرة التاريخية، وإنما هو في عمقه إدراكٌ لطبيعة الزمن الدبلوماسي الذي لا يقاس بسرعة إصدار التصريحات؛ فالدولة التي تعرف موقعها لا تحتاج إلى التعليق على كل صورة، ولا تسمح لكل خطاب عابر بأن يحدِّد إيقاع سياستها.

وتزداد دلالة هذا الاختيار حين نستحضر التحوّل الذي عرفه موقع المملكة المغربية في محيطها الإقليمي والدولي، حيث لم تعد العلاقات مع إسبانيا محكومة فقط بحساسية الجوار أو بإرث التاريخ، وإنما أصبحت ترتبط بتوازنات سياسية واقتصادية واجتماعية تجعل التعاون ضرورة متبادلة؛ لذلك، يحتل المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مكانة محورية في قضايا الهجرة والأمن والتجارة والشراكة الأوروبية الإفريقية، بما يمنح علاقاته مع إسبانيا أبعاداً تتجاوز حساسيات الحدود وحسابات المناسبات.

ولعل المفارقة أن بعض الأصوات الإسبانية التي تتحدث عن الجغرافيا بمنطق الحسم والصرامة، سرعان ما تستعيد لغة التعاون والواقعية أمام مقتضيات المصالح المشتركة. فمدريد التي تستحضر الحدود لتأكيد مواقفها، تجد في الجوار المغربي شريكاً لا غنى عن الحوار معه. وللجغرافيا هنا مفارقتها البليغة؛ فهي تمنح السّياسة حدوداً تتباهى بها في الخُطب، وتفرض عليها جواراً لا تستطيع تجاهله في القرارات.

السّيادة لا تُقاسُ بعَدَدِ المصورين

ولعل أبلغ ما يمكن استخلاصه من هذا المشهد أن السياسة لا تكمُنُ دائماً في الموضع الذي تكثر فيه الكاميرات، وأن الحكمة لا تقاس بعدد التصريحات ولا بحجم الاحتفاء. وبين من يستدعي رمزية الحضور لتأكيد موقفه، ومن يتعامل مع المواقف بمنطق المصالح وامتداد التاريخ، تتجلى مفارقة سياسية لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالصمت الدبلوماسي لا يعني الغياب عن المشهد، كما أن فخامة المراسم لا تضفي على المواقف قوة إضافية.

ولعل أبلغ ما في المشهد أن بعض الدول تحرص على إظهار حضورها في كل مناسبة، فيما تدرك دول أخرى أن مكانتها لا تقاس بما تستأثر به من أضواء، وإنما بما تملكه من قدرة على التأثير بعد انطفائها.

هكذا تبدو المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بعيدة عن السياسة التي تنشغل بمظاهر الاستعراض، قريبة من جوهرها من تلكَ التي تجعل من التبصّر وبُعد النّظر أساساً لتدبير المواقف وصوْن المصالح. أما الجغرافيا، فلا تعبأ بفخامة الاستقبال؛ تشهدُ مرور المواكب وانصرافَ الوُفود، وتحتفظ للتاريخ بأسئلته التي تظل ماثلة في صمت المكان، لا تطويها القرون ولا تحسمها المراسم.

ولعلَّ أبلغ دلالات المشهد أن السّياسة تستطيع أن تحشُد لتأكيد حضورها كل ما تشاء من رموز، لكنها لا تستطيع أن تحمل المكان على نِسيان تاريخه؛ فالمواكبُ تعبُر الجغرافيا، أما التّاريخ فلا يعبرُ مَعها.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • ولد حميدو
    الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:19

    الفرق بين اسبانيا و المغرب هو ان الاسبان حكومة و معارضة و اعلام و جمعيات كلهم اتحدوا في قضية سبتة و مليلية اما عندنا فالبعض يستغل اي أزمة لضرب مؤسسات الدولة المغربية

  • كمال امارير
    الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:23

    زيارة ملك اسبانيا وزوجته المحترمة التي تربط مع المغرب علاقات شراكة في عدة مجالات

    زيارتهم لسبتة كزيارتهم للرباط حيت كانت الاعلام الإسبانية والمغربية والاعلاميين المغاربة والاسبان

    وكان استقبالهم مميز جدا بالرباط

    لا اعلم كم المدة التي سيبقى ملك اسبانيا وزوجته المحترمة بسبتة

    هل نفس المدة التي مكت فيها بالرباط

    المهم نتمنى لهم زيارة ممتعة واكنشاف سبتة

    وان ارادو زيارة طنجة وتطوان والعرائش وسفشاون بالشمال هناك سياحة ومناظر خلابة
    جدا هناك

  • yadane
    الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:25

    هدي رآه ايهانة للمغاربة وحنا منردوش بهد الشيئ هد الملك ديالهم ايلعب فدارو اوحنى ماتنعترفوش بيه في ارضينا حنى مستعدين نردو اراضينا تحت رعاية صاحب الجلالة الملك محمد السادس

  • أحمد
    الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:31

    يجب تغيير التعامل مع إسبانيا…لكي تحترمك إسبانيا لا بد أن تظهر نقط قوتك عندما تستفزك وتهين كرامتك وكبرياؤك …الحمد لله نقط المغرب قوية لماذا لا نستعملها حتى تصبح المعيشة في سبتة ومليلية غالية لا تطاق …وبالتالي تصبح المدينتين عبئا ثقيلا على مدريد…لذا يجب التوكل على الله …ولا غالب إلا الله…

  • elboukili
    الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:46

    ان كانت الامه المغربيه قد انجبت قائدا فدا كطارق بن زياد فانها غير عاجزه عن انجاب طارق بن زياد اخر فما اخذ بالقوه لا يسترد الا بالقوه والمغرب غير عاجز عن استرداد المدينتين المحتلتين ولكن المغرب يؤمن ان الحوار هو السبيل الوحيد لحل للازمات وترجيح المصالح العليا للبلدين فزياره الملك الاسباني لسبتة هو تكريس للاحتلال واعمال منطق القوه والاستقواء بحلف الناتو في خرق سافر للقوانين الدولية وتوابت التاريخ والجغرافيا

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول