ظلت الأمازيغية تلك اللغة المشاكسة والمناضلة في الآن الواحد على امتداد عقود من الزمن، وعلى كافة الجبهات، في سعي حثيث منها لرفع التحدي. لغة نهلت وتنهل من محيطيها الثقافي والاجتماعي دون مواربة أو تلكؤ، مستندة في ذلك إلى الشرعية التاريخية والجغرافية، بحيث خلعت عنها أثواب الاستلاب والانكفاء على الذات، والرفض المطلق لكل أنواع الوصاية والاحتواء.
هذا لعمري جعلها ترقى بأساليب نضالها، الذاتية التي حملت لواء اللغة الأمازيغية واستماتت في الترافع عنها باعتبارها قضية شعب وأمة، وطنيا وإقليميا ودوليا من جهة، والموضوعية، رغم رجحان كفة الأخيرة، بحكم السياقات التاريخية والسياسية التي عرفها المغرب وكذا بقية دول شمال إفريقيا ودول أخرى تقطنها شعوب تتحدث باللسان الأمازيغي، تنتمي للمحيطين، الإفريقي والعربي، التي اتسمت، بل طبعت سياساتها بالضعف والتشرذم وبروز الظاهرة الاستعمارية وتغلغل المد الإمبريالي من جهة أخرى.
فإشكالية الغياب والحضور بالنسبة للأمازيغية، تعود جذورها في تقديري – والتشديد مني- إلى حقب التاريخين الحديث والمعاصر المغربيين، التي حكمت سير المعادلة الثقافية ببلادنا قبل المعادلتين اللغوية واللسانية في مناحيهما العلمية والبيداغوجية، طالما أن الأمر يتعلق بسياسة “كولونيالية”، كان همها الأول والأخير نشر التفرقة وبث سموم الفتنة في صفوف الشعب الواحد، الذي يدين بالإسلام رغم اختلاف اللسان واللغة.
ما دام الحديث عن الأمازيغية حديث بصيغة الغائب، يملي علينا ونحن نخلد اليوم السنة الأمازيغية الجديدة (2975) استلهام الدروس والعبر التي مرت سريعا، رغم وزرها ورغم كل ما تركته من جراح وندوب في الذات الجماعية وفي متخيلنا الثقافي بكل تجلياته، التعبيرية صوتا ومعجما ودلالة. نحن اليوم أبناء الزمان الذي ننتسب إليه وليس أبناء الأمس الذي انتهى -على الأقل- في صيغة وجوده المادي الفيزيقي، وبحكم نواميس التطور التي شملت المجتمعات البشرية، وبحكم الحاجة إلى التغيير والانتقال من طور إلى آخر، ومن أنساق سياسية وفكرية وفلسفية إلى أخرى، فإن زمن الأسئلة التي تعنى بمشروع بناء الإنسان المغربي على أسس و قواعد ومبادئ سليمة، تتصادم مع مشروع الدولة الوطنية، حيث تسود القوانين وتنشر العدالة الاجتماعية ظلالها فوق ربوع المملكة، فيشعر المواطن أنه في دولة القانون والمؤسسات قد حان وأصبحت له الريادة والباع الطويل.
بناء على هذا الفهم، نجد أنفسنا اليوم أمام تحديات من قبيل الرفع من مستوى الوعي الثقافي لدى مجتمعاتنا، بمن في ذلك الناشئة، وتحسين شروط الإنجازين الديداكتيكي والبيداغوجي لدى من يعهد إليهم وظيفة التأطير بمختلف أسلاك التربية والتعليم، حرصا على ضمان وتحقيق الأهداف، المتمثلة في المهارات الدقيقة التي تتمحور حولها مختلف التعلمات والوضعيات، التي يفترض أن تشكل القيم الوطنية والدينية والأخلاقية عمودها الفقري، بحسب الفئات العمرية ومستوى التأهيل اللغوي واللساني والوضع الاعتباري للمدرسة ومحيطها السوسيو-ثقافي. حرصا منا على حضور مستويات التعبير في الحياة اليومية باللغة الأمازيغية نسجل الملاحظة التالية، الارتباط بالواقع الاجتماعي وقضايا الإنسان، بما في ذلك دقائق أموره وتجلياته يحمل على الفهم بأن مشروع بناء مجتمعي متطور وحداثي ترفده مدرسة حديثة وقبل ذلك أسرة قوية ومتماسكة، تمتلك مقومات الوعيين الاجتماعي والثقافي.
الأمر الذي يسمح بأن تكسب اللغة مناعتها وشخصيتها، مهما تعددت مظاهر الاختلاف في تعبيراتنا اليومية، السياسية منها والأيديولوجية المرتبطة بأنماط وسلوكيات الأفراد والجماعات، المحكومة بسوسيولوجية ثقافة معينة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.