الأمازيغية وسؤال الهوية

الأمازيغية وسؤال الهوية
الأربعاء 28 يناير 2026 - 21:19

يندرج سؤال الأمازيغية ضمن القضايا الراهنة التي تفرض إعادة التفكير في مسألة الهوية المغربية، فهو يحمل بين طياته أبعادا مختلفة، منها ما هو تاريخي وما هو ثقافي وما هو لغوي لساني. إن الأمازيغية ليست فقط لغة تواصل، ولا إرثا ثقافيا يستحق العناية والاعتراف، بل هي ذاكرة زاخرة بالدِّلالات والإيحاءات التي تمثل المغرب بخاصة، وشمال إفريقيا بعامة. إننا إزاء إرث رمزي أسهم في تشكيل الوعي الجمعي للعالم، وترك لمسة في أنماط العيش، حتى قبل تَشَكُّلِ الدولة من منظورها الحديث. من هذا المُنطلق، تُؤَسِّسُ الأمازيغية لتصور شاسع للهوية باعتبارها سيرورة تاريخية متحوِّلة، لا مُعطى ثابتا جامدا يظن في نفسه الكمال، ذلك أن الهوية هي نتاج التفاعل الحي والدائم بين الذاكرة والتاريخ، وبين المحلي والكوني.

إننا نلاحظ أن مسار الهوية المغربية، خاصة بعد الاستقلال، قد رَكَّزَ على اختزال الهوية الوطنية في بعدها العربي – الإسلامي، وفي هذا الأمر حيف كبير، إذ إن هذا الطرح لَعِبَ دورا كبيرا في تهميش الأمازيغية إِنْ لغويا أو ثقافيا. وقد أدى هذا الاختزال إلى توتر هوياتي بشكل مُعلن أحيانا، ومضمر في أحايين أخرى. ومن هذا المنطلق، نفهم نزوع المكون الأمازيغي إلى الاحتجاج في مراحل معينة، وسعيه الحثيث إلى تحقيق الاعتراف والإنصاف.

لقد برز الخطاب الأمازيغي كفاعل يحاول الانتصار للمشترك والكوني، ويدعو إلى إعادة التوازن بين المكونات الهُوياتية المغربية، دون تبني خطاب القطيعة، فالغاية كانت وستبقى استعادة مُكَوِّن أساسي وأصيل من مكونات الذات المغربية التي اتسمت عبر التاريخ بالتعدد والتنوع والاحترام المتبادل.

ومع بزوغ فجر القرن الحالي، عرف المغرب جُملة من التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية، التي حتَّمت انتقال سؤال الأمازيغية من مرحلة المطالبة بالاعتراف إلى أفق أرحب تَبَنَّى مطلب الإنصاف، وضرورة إعادة الاعتبار لهذا المُكوِّن ثقافيا ولغويا. وقد جاء الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كتتويج لمسار طويل من النضال والاحتجاج السلمي، إذ تم ترسيم اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية، ومن الواضح أن هذا الاعتراف شَكَّلَ انعطافة فارقة في تاريخ المغرب المعاصر، إذ أعاد هذه القضية المشروعة إلى الضوء، وأخرجها من الهامش لتكتسب مشروعية دستورية وقانونية. إننا نرى أن هذا الاعتراف بالرغم من أهميته، إلا أنه سيظل “بلا معنى”، إذا لم يتحول إلى فعل حقيقي يشمل المجالات كلها، خاصة التعليم والإدارة والإعلام.. فالنص الدستوري على الرغم من قيمته السامية إلا أنه قد يصطدم بتعثر التنزيل الواقعي الذي من شأنه بث الروح في النص ومنحه القيمة التي يستحق.

إن إنصاف الأمازيغية ثقافيا، يفرض، في هذا الصدد، تثمين حضورها كَمُكَوِّن أساسي من مكونات الهوية المغربية، وتمكينها من الأدوات التي تُسعفها في أداء رسالتها المعرفية والإبداعية والثقافية، ما سيمكنها من الإسهام في إنتاج المعنى، وترسيخ القيم، وتحقيق التنوع الهُوياتي داخل الفضاء العمومي، بعيدا عن وهم “المساواة” بين اللغات. فمن يظن أن إنصاف الأمازيغية يمكن أن يتحقق عبر خَنْدَقَتِهَا في الجانب الفلكلوري والبهرجة الثقافية، واعتبارها مجرد إطار تراثي جامد، أو مكون تعليمي هامشي، لهو محدود الفكر وحبيس الرؤية الضيقة، لأن إنصافها الحقيقي لا يكون إلا بإدماجها في عوالم الحداثة الثقافية المُتَجدِّدة، المُؤْمِنَةِ بالاختلاف والتعدد، والتي ترى في الهُوية مُعطى مُرَكَّبًا يجب أن ينفتح على الجميع، وأن يحترم حقوقهم اللغوية والثقافية والفكرية. وهذا من شأنه أن يُمَكِّنَ الأمازيغية من مواكبة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها عالمنا اليوم.

لا شك إذن، أن أُفُقَ الأمازيغية، يتجاوز المنظور الضيق لمسألة الهوية. إنه يؤمن بالتلاقح الثقافي، ويعتبره إحدى ركائز الثقافة المغربية، فهي ثقافة انتصرت، وما تزال، للمشترك الإنساني على مَرِّ العصور، ولم تعر اهتماما لوهم النقاء العرقي أو الانغلاق والتقوقع على الذات، بل، استندت إلى التفاعل الإيجابي والمستمر بين روافد ثَرَّة، أمازيغية وعربية وعِبرية وإفريقية وأندلسية، وهو تفاعل دينامي أنتج في الأخير هُوية مُركَّبة، أضحت حُضنا استوعب الجميع في ظل الاختلاف. إننا بصدد فعل حضاري تحوَّل في المغرب إلى مصدر إبداع وغنى، لا إلى بؤرة صراع وتوتر ونزاع.

لقد أسهمت الأمازيغية في إغناء المشهد الثقافي المغربي، تحقق لها ذلك، وهي تنخرط بثبات في المشاريع الثقافية التي تبنتها الدولة مؤخرا وجهات مستقلة أيضا، فأضحى حضورها في مجالات الأدب والموسيقى والسينما والمسرح والفنون البصرية حضورا لافتا، حيث أُعِيدَ الاشتغال على الذاكرة المشتركة، واللغة في دِلالاتها العميقة، والرموز الأمازيغية والأساطير، ما خَصَّبَ المشهد، وبث فيه روح المعاصرة والتحديث، فأضحى نموذجا للمزاوجة بين المحلي والكوني. وبذلك تمكنت الأمازيغية من الانتقال من الدفاع عن الذات إلى الإسهام في الاحتفاء بالمُشترَك الثقافي والإنساني، فتحولت الأمازيغية من الاحتجاج إلى إنتاج المعنى النبيل السامي.

إننا نعتقد أن مستقبل الأمازيغية لن يكون إلا بقدرتها على الانتقال من منطق الذاكرة إلى منطق المشروع الثقافي والفكري والتاريخي، ومن الاعتراف الرمزي إلى الإدماج الحقيقي في المؤسسات وفي المشاريع الإبداعية الحقيقية، لأن الرهان المستقبلي لا يتمثل في مجرد الاعتراف الشكلي، بل في قدرتنا على بناء مجتمع وَاعٍ بأهمية التعدد اللغوي والثقافي باعتباره كنزا وطنيا ورافعة أساسية لتحقيق التنمية والإقلاع الثقافي. ونرى أن النافذة التربوية والإعلامية، ستظل حاسمة في هذا المسار، لأنها ستضمن للأمازيغية رَاهِنِيَّتَهَا واستدامتها وتجدُّدها ومواكبتها لمتغيرات العصر. وهذا من شأنه أن يؤهلها لخدمة الإنسانية والانخراط في مشاريعها الحضارية والتاريخية والثقافية.

لهذا وغيره، يظهر أن سؤال الأمازيغية سؤال مُرَكَّب، لا يمكن حصره في البعدين اللغوي أو الهوياتي فقط، وإنما وجب النظر إليه بوصفه سؤالا حضاريا وثقافيا وسياسيا يكشف الحُجُب عن طبيعة الهوية المغربية التي تحتاج إلى كل أبنائها المؤمنين بالاختلاف. فالأمازيغية ليست إرثا جامدا نحاول استحضاره، إنما رسالة تُبنى، ووعيا يتجدد، ونبضا للسلام والتسامح والحب لا يخبو ولا يأفل، في ظل أفق خلَّاق، وتفاعل إيجابي بين كل المكونات على اختلاف مرجعياتها، بما يؤسس لمشروع ثقافي مغربي متميز ومختلف يجابه التصورات القاصرة، والوثوقيات الجامدة التي تسعى لإثارة النعرات والصراعات الطائفية.

وتأسيسا على ما سبق، يظهر أن المسألة الأمازيغية لم تعد تحتمل اختزالها في متاهات الاعتراف والإقصاء، بل أضحت قضية أساسية تفرض النظر إليها بعمق وتَجَرُّد لفهم حقيقة الهُوية المغربية نفسها، فهي هوية مختلطة مُرَكَّبة، نتجت عن الاحتكاك والمثاقفة لا الانغلاق والانعزال، إنها ليست حبيسة الماضي، بل رافد دينامي أسهم ويسهم في منح الهوية معانيها السامية.

لقد بين مسار الأمازيغية، ونضال أبنائها، وإسهامهم في إخراجها من الهامش إلى الضوء، قصور التصورات العنصرية لمفهوم الهوية، كما شجع على إعادة النظر في علاقة السلطة باللغة والثقافة. فالاعتراف الدستوري رغم أهميته ومراميه السامية، يبقى مرتبكا إن لم يتحول إلى فعل حقيقي يتجاوز النصوص إلى التنزيل على أرض الواقع، وفق إرادة سياسية وثقافية تستطيع أن تُمَارِس، وتُفَعِّل، وتحوِّل الهوية إلى مشروع وطني ومجتمعي، يُمَكِّن الأمازيغية من أداء أدوارها التربوية والمعرفية والإبداعية، ويجعلها فاعلة في إنتاج التغيير والخطاب الإيجابي لا موضوعا للسِّجال والاتهامات المجانية.

إن التفكير في مسألة الأمازيغية مدخل إلى فهم إشكالات الثقافة في المغرب، وإشكالات الهوية وتشعباتها، في ظل عالم تتسارع فيه الأحداث، وتبحث فيه الأمم الواعية عما يجمعها أكثر مما يفرقها. إن معارك المستقبل لا يمكن أن تُخاض بعيدا عن الذاكرة وحتمية تثمينها وتشذيبها من كل الشوائب، فَقَدَرُ الهُوية دائما هو أَنْ تتفاعل وتحتك وتتلاقح، إنها في انغلاقها تفقد قيمتها، وقدرتها على التماسك والبقاء، أما انفتاحها الخلَّاق فيعني التأسيس لمشروع ثقافي واجتماعي وطني ينتصر لكل أبنائه ويُوَحِّدُ نظرتهم إلى الوطن والعالم والوجود.

-أستاذ باحث

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • MC
    الخميس 29 يناير 2026 - 09:27

    “I have Dutch, nigger, and English in me, and either I’m nobody, or I’m a nation”
    “فيَّ هولندي، وزنجي، وإنجليزي، فأمّا أن أكون لا أحد، أو أكون أمة كاملة.”
    Derek Walcott
    (1930-2017)
    (شاعر من Santa Lucia في جزر الهند الغربية )

    “L’identité n’est pas une donnée fixe, mais une construction permanente”
    “الهوية ليست معطى ثابتًا، بل هي بناء دائم.”
    Edgar Morin

    “La langue maternelle est celle avec laquelle on a été aimé”
    “اللغة الأم هي تلك التي أُحبِبْنا بها”
    مصطفى صفوان
    (طبيب نفسي )

    أستاذي،
    لقد امسكت بجوهر القضية حين جعلت الهوية حوارا متجددا لا نصا مقدسا.
    تتفق رؤياك العميقة مع قناعتي بان الاعتراف الدستوري، رغم ضرورته، يبقى جسدا بلا روح ان لم يترجم الى تعليم يصنع وعيا، واعلام ينسج ذاكرة جماعية جامعة، وادارة تجسد انتماء مشتركا. حقا، التحدي ليس في تعداد مكونات الفسيفساء، بل في ربطها بروح واحدة تجعل من التنوع مصدر قوة لا تمزق.
    واخيرا، وكما تشير، فمستقبل الامازيغية ، وجوهر النهضة ، لن يكون بالحنين الى الماضي وحده، بل بكونها لغة حياة وحلم ومستقبل يشارك في بنائه الجميع.

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الخميس 29 يناير 2026 - 11:48

    من طبيعة البشر أنها تخاف من الابداع في المشاريع الجديدة وغالبا ما تتشبث بالواقع الموروث وان كان يحمل سلبيات متنوعة تعرقل عجلة التطور وتكرس الامر الواقع وان كان يحمل سلبيات تعرقل العجلة التنموية في جميع الميادين وفي حالتانا الميدان اللغوي في مغربنا.وقديما ارادوا اعدام من اكتشف كروية الارض لان الديانة المسيحية طعنت في نظرهم .اليوم واقعنا اللغوي كارثي لا يوجد في اي دولة في العالم سواء كانت افضل منا او اقل لان التعدد اللغوي في المغرب يرهق اطفالنا ولا يساعد على سهولة كسب المعارف باريحية لانه مع الاسف نتعامل منذ الابتدائي بلغات كلها اجنبية الفصحى الفرنسية والامازيغية التي تختلف بين الجهات وبالتالي حتى توحيد الامازيغيات في اعتقادي تعقد شيئا ما العملية التربوية اضافة ان الطفل في وطننا يتعامل مع ثلاثة حروف مختلفة عربية لاتينية وتفناغ ووو والله انها كارثة تربوية لفقراء امتنا وهو الاغلبية الساحقة اما الميسورون فلا كلام عليهم لانهم يزورون التعليم الخصوص ويتقنون الانجليزية منذ نعومة اظفارهم وبالتالي فهم خارج التغطية

  • amaghrabi
    الخميس 29 يناير 2026 - 20:38

    مع الاسف بعض الاخوان المغاربة حبهم للغة العربية الفصحى بشكل مفرط لانها لغة القرءان وبالتالي فيعتقدون ان من مس بالفصحى وكأنه مس بكلام الله وهذا خطأ في نظري لاننا اليوم في عصر الانفتاح على اللغات العالمية ونقارن بين اللغة الاساسية في جميع الدول واللغات الاجنبية التي يتعلمها الاطفال ولكن بعد اتقان لغة الام او اللغة الوطنية الرئيسية والملاحظ مثلا في المانيا ان الطفل الذي ينتقل الى الاعدادي بعد 4 سنوات اعدادي يتقن اللغة الالمانية كتابيا وشفويا ويتكلمها بطلاقة ونحن في مغربنا الحبيب والله لقد سمعت الكثير من الطلبة حاصلين على الماستر باللغة العربية لا يستطيعون تكوين جملة مفيدة مبنى ومعنى اليس هذا غريب جدا وبالتالي فما هو السب ؟في نظري ليس لدى شعبنا لغة ام متداولة منذ نعومة اظفارنا لان اللغة المتداولة تسهل كثيرا من مأمورية التعليم ونحن مثلا لنا دروس في الامية والله ان لم يكن الشخص قد مر بالتعليم لا يتعلم اي شيء لا محادثة ولا كتابة اما في الغرب فمحاربة الامية تنجح حتى مع الاجانب الاميين

  • Lamya
    السبت 31 يناير 2026 - 12:36

    الأمازيغية المعيارية تحتاج الى قرون لتعميمها و ميزانية ضخمة حتى تصبح لغة متداولة، بالإضافة أنه يجب تطويرها
    أما بالنسبة للهوية أظن أن غالبية المغاربة من أصول أمازيغية و لكنهم تعربوا مع الوقت

  • amaghrabi
    السبت 31 يناير 2026 - 14:09

    صحيح المغرب اصبح بدون هوية لغوية ويصدق عليه المثل الشائع على أن غرابا اعجب بمشية الحجلة واراد ان يقلدها ولم ينجح واراد ان يرجع الى مشيته الاصلية فلم يفلح واصبح لا هو بمشيته الاصلية ولا بمشية الحجلة والمغرب يصدق عليه القول لاننا بدون هوية لغوية وان افتى من افتى وليس المغرب وحده ولكن شمال افريقيا عامة

صوت وصورة
مغاربة يؤدون واجب التصويت
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 10:14 5

مغاربة يؤدون واجب التصويت

صوت وصورة
تصويت زعماء الأحزاب السياسية
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 10:07 5

تصويت زعماء الأحزاب السياسية

صوت وصورة
افتتاح مكاتب التصويت بمراكش
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 09:08 4

افتتاح مكاتب التصويت بمراكش

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 2

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 3

بنعتيق في "دوار الكورة"