الإسلاميون والسياسة

الإسلاميون والسياسة
الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:04

في التدافع على الحكم، والإحساس بالمطاردة والقمع


منذ نهاية التسعينات، وبينما العالم يحتفل بالانتصار اللبيرالي – الرأسمالي على الشيوعية لم تعد هناك دولة إسلامية واحدة، من موريتانيا إلى أندونيسيا لا تلعب فيها الحركات الإسلامية دورا ملحوظا في ساحة التدافع السياسي.


وإذا كان أثر الإسلام اليوم يتجلى في ميادين الاعتقاد والسلوك في ميادين الأخلاق، فإن أثر الإسلام السياسي خلق نقاشات متباينة، وأثار جدلا واسعا في عالم اليوم. ففي حين شهد القرن العشرين انهيار إيديولوجيات كالشيوعية والنازية والفاشية، تعاظمت قوة ما يعرف بالإسلام السياسي بشكل جلي. هذا الأخير – الإسلام السياسي – أخذ بريقه وقوته ببروز قوى الإحياء والصحوة الإسلامية التي عرفتها مصر في عشرينات القرن الماضي، والتي تمخض عنها تأسيس جمعيتي الشبان المسلمين والإخوان المسلمين، اعتمادا على رؤى وتوجهات الآباء الإصلاحيين – حسب تسمية الباجث الفلسطيني بشير موسى نافع – في نهاية القرن 19، إذ يعد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا..، الآباء الشرعيين للحركات الإسلامية السياسية الحديثة. وقد أطلق عليهم العديد من الباحثين اسم ” الإصلاحيون ” لأن نهجهم لم يكن نهجا ثوريا أو انقلابيا، فالملاحظ أن الإسلاميين مارسوا العمل السياسي كما تمارسه عموم الأحزاب المحافظة الحديثة.


في المغرب، مثلا، اتفق مجموعة من الإسلاميين المنتمين إلى حركة التوحيد والإصلاح سنة 1996 بالاتفاق مع الزعيم الوطني عبد الكريم الخطيب رحمه الله، الذي يقود حزب الحركة الشعبية الدستورية، على تشكيل حزب إسلامي باسم العدالة والتنمية. ولأن الخطيب كان معروفا بعلاقته مع القصر الملكي فذلك خلف ارتياحا لدى الطبقة السياسية الحاكمة. هذا الارتياح مع الوقت أصبح له ما يبرره بعدما أكد أبناء العدالة والتنمية في كثير من المرات التزامهم بثوابت العمل السياسي الديمقراطي تحت مظلة المؤسسة الملكية، حيث يعتبرونها ضامنة لاستقرار المغرب ووحدته. ونشير إلى أن ما يميز تجربة المغرب عن غيره من البلدان العرببة، هو تمكن حركة التوحيد والإصلاح من تحقيق التمايز بين الدعوي والسياسي، الأمر الذي أسس لتجربة نوعية للتنظيمات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي.


إن الوقع اليوم، يجعلنا نرصد تمايز ثلاث توجهات رئيسية في الحركات الإسلامية: التوجه الأول يتبنى خطابا راديكاليا ورفضا شموليا، ينزع أحيانا إلى استعمال العنف كأساس للتغيير، والاتجاه الثاني يعترف بالواقع السياسي والاجتماعي ويسعى إلى إنجاز مصالحة ولو جزئية بين هذا الواقع والقيم الإسلامية العامة، يعرفهم موسى في كتابه ” الإسلاميون ” الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات، بالإسلاميين اللبيراليين، ويبقى الاتجاه الثالث الأكثر تأثيرا في الجماهير وانتشارا، هو الذي بات يسمى من لدن الباحثين بالاتجاه الإصلاحي الجديد؛ يحمل موقفا نقديا من تجليات الحكم والسياسة والثقافة.. في البلاد الإسلامية، ويتخذ مواقفه وأحكامه من الميراث الإسلامي، نصا وتجربة تاريخية للإصلاح دونما اللجوء إلى وسائل العنف، بل أكثر من ذلك يؤمن بأن رؤى الإصلاح يمكن فرضها سلما حيث يكون الشعب الفاعل الرئيس فيها. دون إغفال مسألة هامة، وهو أن أصحاب هذا الاتجاه متشبتون بالحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة. فما هو موقع الحركات الإصلاحية في التدافع على الحكم؟.


إن مناقشة هذا السؤال يجعلنا نتوقف بالضرورة عند الأطراف التي تتدافع وتتطاحن بأفكارها وقيمها في المجتمع، فالأحزاب اللبيرالية والماركسية اليوم أصبحت أكثر من أي وقت مضى، تفتقد الجماهيرية اللازمة لإحداث انقلاب عن الوضع، إن لم نقل من يحمل حتى مشاريعها. فالنخبة الاقتصادية انطوت في كل الدول العربية تحت مظلة الأنظمة الحاكمة مستفيدة من الامتيازات والتسهيلات. أما الطبقة العاملة، الطليعة التكتيكية للحركات الماركسية فهي في غالبيتها إسلامية التوجه. من جهة أخرى، فقدت الحركات القومية بريقها بفعل الممارسات البشعة للأنظمة القومية في الحكم، وتراجعها عن تيار الوحدة العربية لصالح الدولة القطرية.


إن هذا كله يجعل الحركات الإسلامية السياسية في موقع متقدم، خاصة وأنها اعتمدت في غالبيتها على الخطاب الديمقراطي، التعددي والسلمي منذ الثمانينات ( منتصف التسعينات في المغرب )، وقدمت نفسها بوصفها الحارس الأمين لأهداف الوحدة والمصالح الوطنية خصوصا عندما حددت مفهوم المواطنة، كإطار الاجتماع السياسي في البلاد الإسلامية الحديثة كما عبر عن ذلك الأستاذ فهمي هويدي في كتابه الشهير ” مواطنون لا ذميون ، بلغة يعرفها الناس.


وتبقى رغم ذلك تحديات مطروحة على الإسلاميين، لعل أهمها، التحرر من الإحساس العميق بالاضطهاد والمطاردة الذي سكنهم لعقود طويلة، والتخلي عن الإيمان بمفاهيم المظلومية السياسية، وإن كان هذا الإحساس يرتبط بمعطيات موضوعاتية تحتاج لنقاش فعال، من بينها التلاعب الانتخابي، والقيود القانونية المتزايدة والاعتقالات الجماعية التي تمارسها أغلب الأنظمة العربية بتشجيع من أطرف غربية، على الرغم من تبني هذه الجماعات لمبادئ أساسية للديمقراطية. وحسب دراسة أعدها مركز بروكنجر الدوحة حول رد فعل الإسلاميين اتجاه القمع، حذر المحللون من موجة تطرف إسلامي إذا استمر تعرض الإسلاميين المعتدلين للاضطهاد والقمع.( نناقش هذه المعطيات في مقال آخر ).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • arbati
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:12

    الإسلام إتخده العرقيون العرب كَكاسِحَاةِ الثلوج لنشر القومية العروبية وقتل القوميات الأصلية كالأمازيغية والكردية.

  • الثائر الامازيغي
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:10

    احسنت احسن الله اليك فهل م مزيد

  • محمد
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:18

    الديمقراطية كقاعدة تتيح للجميع أن يشارك في تسيير الشأن العام كما تتيح للجميع المشاركة بالرأي والفعل مع إحترام الإختلاف والإيمان بالرأي والرأي الأخر إلا أنه للأسف ديمقراطيتنا في الوطن العربي خاضعة للإملاءات الغربية ضمانا لمصالحه هذا من جهة ومن جهة أخرى عدم نضج مجتمعاتنا للإسباب متعددة(التخلف،الفقر،الأمية،الجهل وهلم جرا…)تجعل الديمقراطية متعثرة وخاضعة للإملاءات الغربية بفعل التيعية والمصالح .وإذا كان قد توفق المغرب إلى حد ما في إرساء بعض دعائم الديمقراطية متيحا بذلك مشاركة الإسلاميين اللبيراليين في المشاركة السياسية لازال الدرب طويلا لتحقيق ديمقراطية فعلية بفعل الإكراهات المجتمعية المذكورة سلفا أما عن باقي دول وطننا العربي فكل دولة لها خصوصياتها علما بأن درجة الإكراهات تختلف من دولة لأخرى كما أن درجة إندماجها في الإقتصاد العالمي والإرتباطات بمصالح الدول العظمى وإملاءاتها للتوجهات السياسية لهذه الدول تحدد بشكل كبير مدى تحقيقها للديمقراطية وفسح المجال أمام الإسلاميين في المشاركة في تدبير والمشاركة في مجتمعاتها بإعتبار أن الإسلام من المنظور الغربي يشكل خطرا على مصالحهم وهنا بيت القصيد فمادمنا لانستطيع أن نكون مستقلين في قراراتنا ومدمنا لم نتخلص من التبعية بمختلف أشكالها ستبقى ديمقراطيتنا عرجاء .

  • sidi ifni
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:20

    بسم الله الرحمان الرحيم
    و الصلاة و السلام على نبينا محمد و على جميع الأنبياء و المرسلين و الصحابة الكرام و من تبع منهج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى يوم الدين
    و بعد
    و الله لا عزة لنا إلا بالإسلام و تطبيق شرع الله في بلاد المسلمين وقد حدر الله سبحانه و تعالى المسلمين في كتابه(و من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) و قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون) وهناك العديد من الآيات التي تحدر المسلمين من الإبتعاد عن حكم الله و الله ما يحز في نفسي هي تلك دعوى الجاهلية التي تسربت في مجتمعاتنا الإسلامية من ديموقراطية و إشتراكية و غيرها من الأنظمة الفاسدة و التي تسعى بدورها لمحاربة الإسلام و نجد من المسلمين من يقبلهاويتخدها منهاجا مثاليا لتسيير الشعوب و لا حول ولا قوة إلا بالله و يقول الله سبحانه و تعالى عن هاْْْءولاء (أفحكم الجاهلية يبغون)سورة المائدة و أنصحكم بالبحث في هذه القضية لما لها من أهمية كبيرة للمسلمين و أنحكم أيضا بأن تكتبو في اليوتوب الولاء و البراء لفضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان

  • ليلى فاس
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:06

    “الفكرة الاصلاحية”للحركة الاسلامية ليست وليدة التسعينيات فحسب,بل التسعينيات و ما بعدها شكل من اشكال الحركة الاسلامية.وانما البداية كانت منذ زمن بعيد(العشرينيات في الجزائر مثلا)اذاك الفكرة الاصلاحية كانت تقوم على صرع غول الدراويش و حرق حزم الجاوي و الحروز و البخور من ضمير و ايمان الشعب.
    والثانية(الحركة الاسلامية بعد التسعينيات)حاولت ان تجدد النص الديني لتجعله يتماشى مع عدد من المفاهيم العصرية:الديموقراطية و الحرية…واستطاعت ان تؤسس موقفا تجاه عدد من المفاهيم ايضا:العنف,الثورة…
    غير ان السؤال الذي يطرح :الم يكن اجدى للحركة الاسلامية ان تبقى متعالية عن اوحال السياسة وتمارس دوره الاصلاحي الدعوي فقط خصوصا انها احيانا لا تصمدامام-هذه المرة- الزردة السياسية و ليس زردة الاولياء و المشايخ.

  • من مدينة اولاد التايمة الصامدة
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:16

    بسم الله الرحمان الرحبم تحيةجهادية اسلامية الى إخانناالاسلاميين بالمغرب الدين يمارسون العمل السياسي بإعتباره مدخل من مداخل الاصلاح وإنقاد البلد الدي يعيش حالة من التدهور على جميع المستويات وان اقول بأن الشعب المغربي لن يفقد الأمل في العمل السياسي ماداماالاسلاميون متواجدين بالبرلمان المغربي وماداما الاسلاميون يؤمنون بالمخالطة الاجابية ولو لتحقييق القليل فدلك احسن بكتير من المقاطعة أما بالنسبة للموضوع الدي تناوله المقال .
    المسلمون يؤمنون بأن المشاركة السياسية هي الاصل والمقاطعة إدا تعدرت المشاركة والأدلة على هدا كتيرة متلا قصة سيدنايوسف عليه السلام وكدلك تصرفات الرسول عليه الصلاة والسلام حيت كان رسلا وكان قاضيا ومفتيا ورئيس دولة اي ان الرسول مارس الفعل السياسي بأدوات عصره الادلة كتيرة ولمن اراد التوسع في الموضوع عليه ان يرجع الى هده الكتب(السياسة الشرعيةللقرضاوي_ تصرفا الرسول بالإمامةلسعد الدين العتماني_ العقيدة السياسية للقرضاوي_ الدين والسياسة تميز لا فصل لسعد الدين العتماني_ …)
    المهم ان العمل السياسي ليس بدعة في الدين كما يروج البعض.
    تحدت المقال على ان الاسلاميون لهم نهج إصلاحي وليس إنقلابي توري نعم ولكن ينبغي ان تعلم بأن الاسلامين يضعون الاصلح مقابل الافساد وليس مقابل تورة .
    إدن بهدا التصور يمضي الاسلاميون في العمل السياسي بقوة وليس بدل وتصالح مع الفساد وهدا ضاهر على خطاباتهم.في الاخير أسأل الله القادر على كل شيئ أت يوفق إخواننا في عملهم ونضالهم وأن يهي حكامنا لكي تتضافر الجهود ونرقى بأمتنا.

  • خالد بوعلي
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:14

    موضوع الأخ الكريم ،مشبع بالغمز واللمز،فكل من يعرف المغرب يخبر مبغى هذا الخطاب،، الذي أصبح عاريا، شعيراته يلعب بها الهواء،الإصلاحية والوسطية والواقعية، لم تكن إبداعا في مسيرتكم ،وكسبكم الحركي،بل نهجا وأسلوبا أملته أقبية التحقيق ،التي أخرجت بعض الشباب الملتحي، المصطلح عليهم إسلاميون ،والذين سطروا خطوط هذا النهج برغم حداثة سنهم ،وقلة زادهم وتجربتهم، وهكذا تنطلق التجربة ومسوغات إختيارها تتغذى على مآلات التجارب الأخرى،كما لو أن الإختيار كان أصيلا وعن سابق علم وتجربة.
    حركة التوحيد ولاصلاح،هو إطار تجميعي ،حمل الغث كما السمين،لا ننكر وجود المخلصين،ولكن التاريخ لا يرحم السذج، فعلى الحركة فيما ترسمه لنفسها من أهداف أن تعي إنتظارات الشعب المغربي المكلوم،المفجوع في خيراته ،في قيمه، في كينونته التي أصبحت مشاعا لأخسة البشر ، لا يهم الناس شعارات ولا كلمات ولا هيئات ولا وجودكم حتى .. ولكن يهمهم أن يروا فيكم الدين -الإسلام -الحب-المعنى- والسياسة مهما أهمت وحضن الجماعة مهما كان دافئا فحضن الدين والتقوى وطريق الله أدفئ وأضمن .
    رجائي لكاتب المقال أن يسلك طريق التقوى في مقاربته ،حتى يجمل لنا قراءة ما سيزيده.

  • د. فريد الأنصاري
    الأربعاء 18 غشت 2010 - 17:08

    الخطأ الأول: استصنام الخيار الحزبي.
    الخطأ الثاني: استصنام الخيار النقابي.
    الخطأ الثالث: استصنام الشخصانية المزاجية.
    الخطأ الرابع: استصنام التنظيم الميكانيكي.
    الخطأ الخامس: استصنام العقلية المطيعية.
    الخطأ السادس: استصنام المذهبية الحنبلية في التيار السلفي.

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05 1

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15 3

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 7

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 10

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة