الإنسان السلعة التي لا تنفد

الإنسان السلعة التي لا تنفد
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:51

كانت صوفي فالييه، ابنة صاحب الفندق الشجاعة في بلدة «بان بوشان» الريفية الفرنسية، من أوائل من مارسوا «التسعير التجسسي» بدهاء فطري. وتقول الحكاية—التي يطيب لنا تصديقها—إنه في عام 1814، توقف نابليون بونابرت في فندقها وطلب وجبة «أومليت». وعندما قُدّمت له الفاتورة بمبلغٍ باهظ يتحدى المنطق، تساءل الإمبراطور مستغرباً: «أوَيُعدُّ البيض نادراً في هذا الجزء من فرنسا؟»، فأجابته فالييه بثقة ناعمة: «البيض يا سيدي؟ كلا.. ولكن الأباطرة؟ نعم”!

هذه الحكاية ليست مجرد طرفة تاريخية؛ إنها إعلان مبكر عن ولادة اقتصاد جديد يعرف أن قيمة الشيء لا تُحدد بما هو عليه، بل بمن يطلبه. كانت فالييه تقرأ الإنسان قبل أن تقرأ قائمة الأسعار، وتعرف أن لحظة الضعف أو لحظة المجد أو لحظة الغرور يمكن أن تُضاعف قيمة أي سلعة مهما كانت بسيطة.

ولعقود طويلة، ظل هذا النمط القائم على التمييز والقدرة على المساومة هو الحاكم في معاملات السوق. غير أن مفارقات الفواتير لم تتوقف عند جشع الفنادق مع الفاتحين؛ بل امتدت إلى وقاحة الساسة المعاصرين.

طالما قضى بنيامين نتنياهو وزوجته سارة الأماسي في المطاعم الفاخرة غارقين في الملذات دون أن يدفعا شيكلا واحدا—باعتراف صريح من حارسه الشخصي السابق آمي درور الذي شهد على طقوس “المجانية” الفاسدة. وعلى النقيض، حين حاول باراك أوباما استدعاء كبرياء السلاسة ذاتها في أحد المطاعم، لم يتردد صاحبه في إعادة إرسال الفاتورة رسمياً إلى البيت الأبيض لتسديدها حتى آخر سنت؛ فتاريخ السلوك الإنساني يؤكد أن الأباطرة يرحلون، لكن الفواتير—عاجلاً أم آجلاً—تجد طريقها دائماً إلى أصحابها.

وليس بعيداً عن هذه المفارقات، يروي خبراء الطيران حادثة طريفة لكنها كاشفة: في إحدى الرحلات التجارية، التقطت خوارزميات شركة الطيران وجود جيف بيزوس على متن الطائرة. لم يكن الأمر يعني شيئاً للركاب، لكنه عنى الكثير للخوارزميات التي رفعت فوراً أسعار الترقية لجميع المسافرين، باعتبار أن وجود “أغنى رجل في العالم” مؤشر على استعداد الآخرين للدفع أكثر. لم يطلب بيزوس شيئاً، ولم يتدخل في الأسعار، لكن مجرد وجوده أعاد تشكيل السوق حوله. إنها نسخة حديثة من أومليت نابليون، لكن بذكاء اصطناعي يراقب كل مقعد وكل بطاقة صعود.

ما كان في الماضي يعتمد على حدس صاحبة فندق، أصبح اليوم صناعة عالمية تُدار بخوارزميات تعرفك أكثر مما تعرف نفسك. شركات الطيران لا تبيع مقعداً في السماء؛ بل تبيع درجة قلقك من التأخر عن سفرك الضروري. وتطبيقات حجز الفنادق لا تبيع غرفة؛ بل تبيع استعدادك للدفع عندما تكون مرهقاً أو مسافراً في اللحظة الأخيرة. أما منصات التجارة الإلكترونية، فهي لا تعرض سعراً ثابتاً، بل سعراً يتغير وفقاً لسلوكك، وتاريخ بحثك، وحتى نوع الجهاز الذي تستخدمه.

لقد أصبح التسعير الحديث أقرب إلى تجسس ناعم: يعرفون ما إذا كنت تتسوق من هاتفك أو من حاسوبك، يعرفون أن كنت في عطلة أو في رحلة عمل، يعرفون أن كنت تتصفح في منتصف الليل، وهو الوقت الذي يضعف فيه الانضباط المالي لدى البشر. إنها نسخة حديثة من فالييه، لكن بذكاء اصطناعي لا ينام.

وفي قلب هذا التحول، يظهر جوهر الاقتصاد السلوكي، لم يعد السؤال «كم يكلف هذا المنتج؟» بل أصبح «كم يمكن أن ندفعك لتدفع؟». الأسواق الحديثة لا تحدد الأسعار بناءً على التكلفة أو الندرة، بل بناءً على الهشاشة البشرية. ترتفع أسعار التذاكر عندما ترتفع رغبتك في الهروب، وتقفز أسعار الفنادق عندما تقفز مستويات الوحدة، وتتغير أسعار الطعام وفقاً لمدى قربك من وقت الإغلاق. إنه اقتصاد يعرف أن الإنسان ليس كائناً عقلانياً كما افترضت الكتب القديمة، بل كائناً يتخذ قراراته تحت ضغط الوقت، والعاطفة، والقلق، والرغبة في تجنب الخسارة.

وهنا تتجلى الفكرة المركزية لهذه الأسطر. الإنسان هو السلعة التي لا تنفد. فالأسواق الحديثة لم تعد تتعامل مع المنتجات بوصفها وحدات اقتصادية، بل تتعامل مع البشر بوصفهم مخزوناً لا ينتهي من الانفعالات والرغبات والقرارات المتسرعة. السلعة الحقيقية ليست المقعد في الطائرة، ولا الغرفة في الفندق، ولا الأومليت في مطعم ريفي؛ السلعة هي الإنسان نفسه، بكل ما يحمله من ضعف وتردد ورغبة في تجنب الألم أو شراء الراحة. إنه اقتصاد يقوم على استخراج القيمة من النفس البشرية، لا من السلع. وكلما ازدادت هشاشتنا، ازدادت أرباحه.

الدرس الحقيقي الذي تكشفه قصة نابليون ليس أن الأباطرة يدفعون أكثر، بل أن كل فاتورة هي مرآة لسلوكنا. ما فعلته صوفي فالييه لم يكن جشعاً، بل قراءة دقيقة لطبيعة الإنسان، نحن ندفع أكثر عندما نكون في لحظة ضعف، أو لحظة مجد، أو لحظة خوف. وفي زمن الخوارزميات، لم يعد التسعير يعتمد على حدس صاحبة فندق، بل على ملايين البيانات التي تُحلل كل حركة تقوم بها. كيف تتصفح، متى تتردد، متى تتسوق، ومتى تكون مستعداً لدفع أكثر مما ينبغي.

إنه عالمٌ يعرف أن الأباطرة يرحلون، لكن السلوك البشري يبقى هو العملة الأكثر استقراراً. وفي النهاية، يبقى السؤال معلّقاً فوق كل فاتورة تُقدّم لنا: هل ندفع ثمن السلعة… أم ندفع ثمن أنفسنا؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 4

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 2

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 7

تعليقات على النتائج الانتخابية