الاصطفاف والاقتراع

الاصطفاف والاقتراع
الأربعاء 29 يوليوز 2026 - 00:05

حين يسبق الاصطفاف الاقتراعَ

في دلالة التحاق الكفاءات القوية بالأحزاب وحدود التنافس الديمقراطي

لا يثير التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة اعتراضا من حيث المبدأ. يضمن الدستور للمواطن حق الانتماء السياسي، ويحق لكل كفاءة وطنية أن تختار الحزب الذي تراه أقرب إلى تصورها، وأن تترشح للانتخابات، وأن تطمح، وفق القواعد الدستورية ونتائج الاقتراع، إلى تحمل أعلى المسؤوليات الحكومية.

لذلك لا ينبغي أن ينصرف النقاش إلى حق الشخص في ممارسة السياسة، ولا إلى تقدير نواياه قبل أن يعرض مشروعه ويخضعه لاختبار الناخبين. ينبغي أن ينصرف إلى ما كشفه الحدث من خصائص أعمق في الحياة الحزبية المغربية: قوة الشخص أمام المؤسسة، وسرعة اصطفاف بعض المنتخبين حول المرشح الذي يتوقعون صعوده، وضعف قدرة الأحزاب على إنتاج قياداتها من داخل مساراتها التنظيمية.

نؤكد أن المشكل يوجد في مكان آخر تماما. إنه فيما رافق هذا الالتحاق قبل أن يقع، وفيما أحاط به يوم وقع.

يكشف الحدث أزمة المؤسسة قبل أن يختبر الشخص.

لا يضعف الحزب حين يستقبل كفاءة قادمة من خارجه. فقد يمده الانفتاح على الخبرات الإدارية والاقتصادية والعلمية بطاقات جديدة، ويمنعه من التحول إلى تنظيم مغلق يعيد إنتاج الوجوه نفسها. لكن الحزب يضعف عندما تصبح الشخصية الوافدة أكبر من مشروعه، وحين يعيد ترتيب هياكله وخطابه وطموحه الانتخابي حول قوة اسم واحد.

ينبغي، لذلك، التمييز بين حالتين. تقوية الكفاءة في الحالة الأولى مشروعا حزبيا واضحا ومؤسسة قائمة، فتضيف إليهما خبرتها ورصيدها. أما في الحالة الثانية فتبحث المؤسسة عن شخصية ذات نفوذ رمزي أو إداري كي تعوض بها ضعف البرنامج والتنظيم والقيادة. ونحن نعبر هنا عن هذا الفارق بوضوح حين تميز بين استقطاب كفاءة لتعزيز مشروع حزبي قائم وبين تعليق المشروع الحزبي نفسه على الشخص القادم.

يؤكد سؤال منطلقنا ما توصلت إليه دراسات مغربية، تناولت أزمة الأحزاب من خلال فقدان الثقة والانشقاقات وضعف تجديد القيادات والحاجة إلى إعادة بناء الممارسة الحزبية، على أسس أكثر مؤسساتية. وقد اعتبر الباحث محمد مهداوي أن الأزمة الحزبية تتشابك فيها “فقدان الثقة والانشقاقات الحزبية والحاجة لضخ دماء قيادية جديدة” (محمد مهداوي، الأحزاب السياسية بالمغرب: واقع الممارسة وسؤال الأزمة؟ لا نرفض في تشخيصنا هذا تجديد النخب، بل نشترط ألا يتم تحويل تجديد حزب إلى منصة مؤقتة للنجومية السياسية، وألا يجعل الشهرة أو الموقع الإداري بديلا كاملا عن الشرعية التي يبنيها العمل الميداني والتدرج التنظيمي والنقاش الداخلي.

يطرح الصعود السريع سؤال الديمقراطية الداخلية.

أعلن حزب الأصالة والمعاصرة انضمام فوزي لقجع إلى مكتبه السياسي في المحطة التنظيمية نفسها التي أعلن فيها التحاقه. ولا يكفي هذا المعطى وحده للحكم على سلامة القرار أو دوافعه، لأن الأنظمة الداخلية للأحزاب تحدد طرق تشكيل أجهزتها. لكنه يطرح سؤالا مشروعا حول معنى المسار الحزبي.

ماذا يبقى من قيمة سنوات التأطير والعمل المحلي والمساهمة الفكرية، عندما تختصر المسافة بين طلب العضوية ودخول جهاز قيادي في لحظة واحدة؟ وهل يفسر الحزب هذا الاستثناء بوضوح لمناضليه ولرأيه العام؟ وهل يفتح القرار نقاشا حقيقيا داخل المؤسسة أم يكتفي بإنتاج الإجماع حول الاسم القوي؟

لا تقاس الديمقراطية الداخلية فقط بتنظيم المؤتمرات والتصويت على اللوائح، وإنما تقاس أيضا بقدرة المناضلين على مناقشة الاختيارات، وبوضوح قواعد الترقي إلى القيادة، وبإمكان الاعتراض على المسؤول الأقوى من دون التعرض للتهميش، وقد ربط، في هذا السياق، باحثون مغاربة أزمة الثقة في الأحزاب المغربية بضعف التداول داخل القيادات وبإعادة إنتاج دوائر مغلقة من المصالح والنفوذ، كما حذر أكاديميون سنة 2025 من أن غياب التجديد في الوجوه والخطابات والبرامج، يعيد إنتاج الفشل ويكرس الانغلاق داخل دوائر ضيقة.

ومع ذلك فلا يكفي أن تغير الأحزاب أعمار مسؤوليها أو تستقطب وجوها جديدة. ينبغي أن تغير طرق اختيارهم، وأن تمنحهم وظائف سياسية حقيقية، وأن تمنع تحول الشباب إلى مجرد امتداد للممارسات القديمة.

يحول الاصطفافُ التوقعَ إلى قوة انتخابية.

تصيب كل من ينبه إلى حركة بعض المنتخبين والأعيان في اتجاه الحزب الذي يتوقعون صعوده. فلا يبدأ التنافس الانتخابي يوم الحملة الرسمية، بل يبدأ عندما تتوزع الكفاءات والمرشحون والشبكات المحلية والموارد التنظيمية بين الأحزاب.

يشرح مفهوم “النبوءة التي تحقق نفسها” جانبا من هذه الدينامية. يتوقع فاعلون فوز حزب معين فينضمون إليه إثر ذلك فيزداد الحزب قوة، ثم يستقطب قوته الجديدة مزيدا من الملتحقين. لا تلغي هذه العملية دور الناخب ولا تثبت أن النتيجة حسمت، لكنها تؤثر في الشروط السابقة على التصويت.

لهذا لربما ينبغي تجنب القول إن الانتخابات انتهت قبل أن تبدأ، إذ لا تسمح المعطيات المتاحة بهذا الاستنتاج. لكن يمكن القول، عوض ذلك، بإن جزءا من الطبقة السياسية يتصرف كما لو أن الاتجاه العام قد تحدد، فيحاول حجز موقعه مبكرا داخل الترتيب والتراتبية المتوقعان.

تنبع الخطورة هنا وأيضا، من أن يصبح الانتقال بين الأحزاب ممارسة عادية لا تحتاج إلى تفسير سياسي أو مراجعة فكرية أو تحرك ضمير مجتمعي وحقوقي وفكري. لا نعتبر الانتقال الحزبي مرفوضا من حيث المبدأ، إذ يحق للفاعل أن يغير قناعته أو يغادر تنظيما لم يعد يمثله. لكن الانتقال يفقد معناه السياسي حين يتكرر وفق اتجاه القوة وحده وحين لا يرافق هذا الترحال تفسير للاختلاف في البرامج والمرجعيات والرؤية السياسية الاستراتيجية، إن وجدت. في هذا السياق لاحظ الباحث عمر إسرى أن تراجع التمايز الإيديولوجي وتشابه البرامج يجعلان المواطن عاجزا عن التمييز بين الأحزاب، ويؤديان إلى تآكل الثقة فيها سنة بعد أخرى (عمر إسرى، الأحزاب المغربية: تراكم الأزمات يهدد المكتسبات.

لا تنفصل أزمة الأحزاب عن بنية المجال السياسي.

لا يجوز تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية كل أعطاب السياسة، فبعض أزماتها تنتج من داخلها: ضعف الديمقراطية الداخلية وشخصنة القيادة وهشاشة التأطير والاعتماد على الأعيان وموسمية التواصل. لكن موقع الأحزاب داخل النظام السياسي يؤثر أيضا في قدرتها على إنتاج السياسة وإقناع المواطنين بقيمة برامجها.

يعترف الدستور للأحزاب بوظائف التأطير والتمثيل والمشاركة في ممارسة السلطة. ويربط الفصل 47 تعيين رئيس الحكومة بالحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب. تحمل هذه القاعدة معنى مهما لأنها تجعل لصوت الناخب أثرا في تحديد رئاسة الحكومة.

غير أن التجربة المغربية لا تختزل السلطة السياسية كلها في الحكومة والبرلمان. تحتفظ المؤسسة الملكية بموقع مركزي في توجيه السياسات الاستراتيجية وضمان استمرارية الدولة ورئاسة عدد من المجالس الأساسية. ولذلك تتحرك الديمقراطية المغربية داخل نظام دستوري مركب، يجمع بين انتخابات تنافسية ومؤسسات منتخبة من جهة، واستمرار مركز قوي للقرار الاستراتيجي من جهة أخرى.

لا يعني هذا أن الانتخابات شكلية أو عديمة القيمة، فالانتخابات تنتج أغلبية وحكومة ومجالس منتخبة، كما تسمح بمحاسبة الأحزاب وبمعاقبتها، لكنها لا تمنح الفاعلين المنتخبين وحدهم السيطرة على جميع مستويات القرار.

من هنا تفسر جزئيا جاذبية الشخصيات التي راكمت تجربة داخل مؤسسات الدولة. تنظر إليها الأحزاب باعتبارها أقدر على الإنجاز والوصول إلى دوائر التنفيذ من القيادات، التي راكمت خطابا حزبيا من دون خبرة تدبيرية مماثلة. لكن هذا الميل يهدد بتحويل السياسة إلى إدارة تقنية للنتائج، بينما تتطلب السياسة أيضا الاختيار بين المصالح وتحديد الأولويات والتفاوض حول توزيع الموارد والكلفة الاجتماعية.

تفصل الحكامة بين المواقع والصفات.

يستمد فوزي لقجع جانبا مهما من رصيده من تجربته في المالية العمومية ومن النتائج التي ارتبطت بتدبير كرة القدم المغربية. يحق له أن يستثمر خبرته في المجال السياسي، لكن دخوله الرسمي إلى حزب يفرض توضيح الحدود بين مسؤولياته المختلفة.

لا يثبت الجمع بين الوظائف وجود تضارب مصالح، ولا ينبغي أن يتحول السؤال إلى اتهام من دون وقائع. ومع ذلك فإن الحكامة تبدأ قبل وقوع المخالفة، كما تضع قواعد واضحة للفصل بين التواصل الحكومي والنشاط الحزبي، وبين الرصيد الرياضي والدعاية الانتخابية وبين وسائل المؤسسات العمومية وإمكانات المرشح.

تحمي هذه القواعد الشخص كما تحمي المنافسة وتمنع الشكوك، وتضمن معرفة الصفة التي يتحدث أو يتحرك بها المسؤول في كل مناسبة.

تختبر المرحلة الحزب والوافد معا.

لن يتحدد معنى التجربة من خلال لحظة الانضمام وحدها وإنما سيحدده ما سيأتي بعدها. فإذا أعاد الحزب بناء نفسه حول الشخص، وفتح أبوابه لكل من يسعى إلى موقع قريب من “الرابح المفترض”، فسوف يعزز الشخصنة والترحال. أما إذا استثمر قوة الاسم في تشديد معايير اختيار المرشحين وتقوية الأجهزة، وفي إنتاج برنامج واضح فسوف يحول الحدث إلى فرصة مؤسساتية.

سيتعرض لقجع بدوره لاختبار سياسي يختلف عن اختبار الإدارة والرياضة. سيحتاج إلى عرض تصور بشأن التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية والحريات والضرائب والمجالات الترابية. وسيحتاج إلى إدارة الاختلاف والاحتجاج والتحالفات وليس إلى إدارة المشاريع والنتائج فقط.

لا ينبغي إعلان نجاح التجربة قبل بدايتها، كما لا ينبغي الحكم عليها بالفشل مسبقا. ينبغي، عوض ذلك مطالبة الحزب والوافد معا بما تطالب به الديمقراطية كل الفاعلين: وضوح المشروع وتكافؤ المنافسة وشفافية المسؤوليات وقبول النقد وربط الشرعية بصوت المواطنين.

لم تنته الانتخابات قبل أن تبدأ. لكن اصطفاف بعض الفاعلين حول النتيجة المتوقعة يكشف هشاشة الثقافة الحزبية، وضعف الثقة في استقلال المؤسسات وتغليب حساب الموقع على قوة المشروع.

أخيرا.

تظل الخلاصة الأكثر اتزانا أن المشكلة ليست في رحيل كفاءة تكنوقراطية قوية إلى السياسة، بل في أن تتخلى السياسة عن مؤسساتها وبرامجها لكي تنتظم كلها حول قوة شخص واحد، لذلك نقول: ليست المشكلة أن يذهب لقجع إلى السياسة، بل المشكلة أن تذهب السياسة كلها إلى لقجع.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش