الانتخابات في الخطب الملكية (2)

الانتخابات في الخطب الملكية (2)
الأربعاء 26 غشت 2026 - 20:36

الانتخابات في الخطب والرسائل الملكية:

الإدلاء بالصوت (2)

تندرج هذه المساهمة ضمن سلسلة من المساهمات المتعلقة بالانتخابات في الخطب الملكية. وقد أفردت هذه المساهمة لموضوع بالغ الأهمية، يتعلق بالعناية الكبيرة التي حظي بها الإدلاء بالصوت في بعض الخطب الملكية، ليس باعتباره إجراء عاديا في مسلسل الإجراءات التي تعرفها العمليات الانتخابية، ولكن باعتباره إجراء له تبعاته وتأثيراته، لا على طبيعة الخيار الديمقراطي لبلادنا، ولكن أيضا على طبيعة النخب التي ستدبر الشأن العام مستقبلا، ومدى نجاعة برامجها وقابليتها للتنزيل على أرض الواقع.

لابد من الإشارة إلى أن الدستور المغربي في فصله 30 أكد على أن لكل مواطنة ومواطن الحق في التصويت، وأن التصويت حق شخصي وواجب وطني. وهو الأمر الذي نصت عليه المادة 71 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب كما تم تغييره وتتميمه.

كما يعتبر التصويت من الحقوق الأساسية المعترف بها دوليا، حيث نصت عليه المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والمادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادة 29 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

إلا أن الإطار القانوني المشار إليه يبقى جامدا وبدون روح، نظرا لخصوصية صياغة النص الدستوري والقانوني والاتفاقيات والعهود الدولية، وفي هذا السياق جاء اهتمامي بالإدلاء بالتصويت في الخطب الملكية، لكونه جاء غزير الدلالات، وحمالا لتوجيهات متبصره لجلالة الملك محمد السادس، تتجاوز القانوني لتلامس الجوانب الأخلاقية والنفسية للناخب، وتدفعه للتصدي للسلوكات المشينة لبعض المرشحين، وتعطيه مجالا لإعادة ترتيب أولوياته، ليتخذ قراره بضرورة الإدلاء بصوته بكل حرية، وفق ما يمليه عليه ضميره والمصلحة العليا للوطن.

وفي هذا الإطار، أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطاب العرش لسنة 2006، على أن لا مضمون للديمقراطية بدون المشاركة في الانتخابات، وباختيار الناخبين لمن يمثلهم. فالإدلاء بالصوت، من منظور جلالته، يعتبر شهادة، “بل أمانة يتعين أداؤها”، وهنا يرقى التصويت ليدخل إحدى مجالات المقدس، لما للشهادة والأمانة من دلالات دينية يجب احترامها والالتزام بها. وقد جاء في الخطاب المذكور ما يلي: “…وتشكل الانتخابات التشريعية القادمة، محكا آخر لتجربتنا السياسية، ولمتانة خيارنا الديمقراطي. لذلك ينبغي، أولا، أن ننطلق جميعا من أن هذه الانتخابات تشكل فرصة ثمينة للتعبير عن إرادتك، وممارسة حقك الدستوري وواجبك الوطني، إذ لا يمكن للديمقراطية أن يكون لها مضمون إلا بالمشاركة الانتخابية، وباختيار الناخبين لممثليهم، وبالتالي إفراز الأغلبية، التي يعهد إليها بمسؤولية تدبير الشأن العام. فالإدلاء بالصوت شهادة، بل أمانة يتعين أداؤها (…).

كما تضمن الخطاب الملكي السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2015، توجيهات ملكية سامية بالغة الدلالة، أكد من خلالها جلالته الارتباط الوثيق بين الإدلاء بالصوت والوازع الأخلاقي والديني، حيث وجه جلالته نداء إلى المواطنين، أكد فيه على أن التصويت، إضافة إلى كونه “حق وواجب وطني”، فهو “أمانة ثقيلة”، على الناخبين أداءها. وقد جاء في الخطاب السامي المشار إليه ما يلي:”…وللمواطنين أوجه هذا النداء: إن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليكم أداءها، فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم، أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيئا…”.

وتكريسا للتوجه الملكي المتبصر الرامي إلى تحصين العمليات الانتخابية من كل ما من شأنه المساس بحرمتها، ومن حق المواطن في حرية اختيار من يمثله، ربط جلالته، في الخطاب السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب لسنة 2007، بين الإدلاء بالصوت وشكل مستقبل البلاد والعباد، منبها جلالته إلى مخاطر بيع الأصوات والضمائر “لمن لا ضمير ولا أمانة له”، مؤكدا على التلازم الوثيق بين الحق الدستوري في الانتخاب الحر، وعدم التفريط في شرف المواطنة والكرامة، حيث جاء في الخطاب السامي المذكور ما نصه: “…إنكم بالإدلاء بأصواتكم، لا تختارون من يمثلكم للسنوات الخمس المقبلة فقط، وإنما تحددون أيضا مستقبلكم ومستقبل أبنائكم وبلدكم. فعليكم ألا ترهنوا مصيركم ببيع أصواتكم وضمائركم لمن لا ضمير ولا أمانة له، ففي ذلك تنازل منبوذ عن حقكم الدستوري في الانتخـــاب الحــــر، وتفــــريط غير مقبـــول في شرف مواطنتكم وكرامتكم…”.

وتميز الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى للبرلمان، بتاريخ 10 أكتوبر 2014، بحديث جلالته عن الاعتزاز بالانتماء للمغرب، وهو إحساس نابع من القلب. مؤكدا جلالته لجميع المواطنين، أنهم “مصدر وغاية هذا الاعتزاز”، رابطا ذلك بضرورة انخراطهم “في كافة مجالات العمل الوطني، وخاصة من خلال التصويت في الانتخابات”، وقد عبر جلالته عن ذلك من خلال المقتطفات التالية:”… وكواحد من المغاربة، فإن أغلى إحساس عندي في حياتي هو اعتزازي بمغربيتي.

وأنتم أيضا، يجب أن تعبروا عن هذا الاعتزاز بالوطن، وأن تجسدوه كل يوم، وفي كل لحظة، في عملكم وتعاملكم، وفي خطاباتكم، وفي بيوتكم، وفي القيام بمسؤولياتكم (…).

إن هذا الاعتزاز بالانتماء للمغرب هو شعور وطني صادق ينبغي أن يحس به جميع المغاربة. إنه شعور لا يباع ولا يشترى، ولا يسقط من السماء. بل هو إحساس نبيل، نابع من القلب، عماده حسن التربية، على حب الوطن وعلى مكارم الأخلاق. إنه إحساس يكبر مع المواطن، ويعمق إيمانه وارتباطه بوطنه (…).

ولجميع المواطنين أقول: أنتم مصدر وغاية هذا الاعتزاز، والوطن لا يكون إلا بكم. فعليكم أن تجسدوا ذلك، بالانخراط في كافة مجالات العمل الوطني، وخاصة من خلال التصويت في الانتخابات، الذي يعد حقا وواجبا وطنيا، لاختيار من يقوم بتدبير الشأن العام…”.

لم يكتفي صاحب الجلالة برط الإدلاء بالصوت بالجوانب الأخلاقية، وبالمصلحة العليا للوطن فقط، بل حدد للمواطن الناخب، بشكل لا لبس فيه، في الخطاب الملكي بمناسبة ثورة الملك والشعب لسنة 2015، الشروط الواجب توفرها في المرشح الذي يجب أن ينال صوته، وهو المرشح الذي يحترم الناخب، وتتوفر فيه “شروط الكفاءة والمصداقية والحرص على خدمة الصالح العام”، وهكذا قال جلالته:”…لذا، فإن التصويت لا ينبغي أن يكون لفائدة المرشح الذي يكثر من الكلام، ويرفع صوته أكثر من الآخرين، بشعارات فارغة أو لمن يقدم بعض الدراهم، خلال الفترات الانتخابية، ويبيع الوعود الكاذبة للمواطنين.

فهذه الممارسات وغيرها ليست فقط أفعالا يعاقب عليها القانون، وإنما هي أيضا تعبير صارخ عن عدم احترام الناخبين.

لذا، فإن التصويت يجب أن يكون لصالح المرشح، الذي تتوفر فيه شروط الكفاءة والمصداقية، والحرص على خدمة الصالح العام…”.

كما تضمن خطاب العرش لسنة 2016، نداء لجميع الناخبين بضرورة “تحكيم ضمائرهم، واستحضار مصلحة الوطن والمواطنين خلال عملية التصويت”، لكون المواطن مقدم في العملية الانتخابية عن “الأحزاب والمرشحين”، لكونه يعتبر مصدر السلطة التي يفوضها للمرشحين، ويملك أيضا سلطة محاسبتهم وتغييرهم. وفي هذا الإطار قال جلالته:”… فالمواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين. وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم. وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغييرهم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم.

لذا أوجه النداء لكل النا خبين، بضرورة تحكيم ضمائرهم، واستحضار مصلحة الوطن والمواطنين، خلال عملية التصويت بعيدا عن أي اعتبارات كيفما كان نوعها.

كما أدعو الأحزاب لتقديم مرشحين، تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة، وروح المسؤولية والحرص على خدمة المواطن…”

يلاحظ من خلال ما سبق، الأهمية البالغة التي حظيت بها عملية الإدلاء بالصوت من لدن صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتأتي هذه الأهمية في إطار حرص جلالته على إحاطة العملية الانتخابية، وعبرها مسار بلادنا الديمقراطي، بجميع الضمانات القانونية والأخلاقية، خدمة للمصلحة العليا للوطن، من خلال حماية حرية الناخب في اختيار المرشحين والبرامج التي يرون أنها أكثر نجاعة ومصداقية، ولها قابلية التنزيل، بعيدا عن جميع أنواع الضغوطات التي يمكن أن يمارسها عليهم بعض المرشحين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 15

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة