بين حرية الاختيار وانتقائية الخطاب الحزبي
كلما اقترب موعد انتخابي، أو برزت تحولات جديدة في موازين القوى داخل المشهد السياسي، عاد النقاش حول ظاهرة الانتقال الحزبي إلى واجهة الاهتمام، مصحوبا بانتقادات حادة وتصريحات غاضبة وتبادل للاتهامات بشأن استنزاف الأحزاب السياسية واستقطاب أعضائها ومنتخبيها. كما تقدم بعض حالات الانتقال من حزب سياسي إلى آخر باعتبارها مؤشرا على ضعف الالتزام التنظيمي وتراجع منسوب الوفاء السياسي. غير أن هذا النقاش، على أهميته، يقتضي قدرا أكبر من الصراحة والموضوعية، والابتعاد عن الخطاب السياسي الموسمي الذي يتعامل مع الظاهرة بمنطق انتقائي. فإذا كانت أغلب الأحزاب السياسية تندد بالانتقال الحزبي عندما يغادرها أعضاؤها ومنتخبوها، فإنها، في المقابل، لا تتردد في فتح أبوابها أمام القادمين من أحزاب منافسة، بل وقد تحتفي بهم وتقدم التحاقهم باعتباره مكسبا سياسيا وتنظيميا. وهنا يفرض السؤال نفسه: ما الذي نرفضه تحديدا؟ هل نرفض الانتقال الحزبي باعتباره ممارسة تسيء إلى صورة العمل الحزبي وتضعف استقرار التنظيمات السياسية؟ أم أننا نرفضه فقط عندما يأتي في اتجاه يتعارض مع مصالحنا الانتخابية والسياسية والتنظيمية؟
أولا: ليست كل انتقالات السياسيين متشابهة
من الخطأ التعامل مع كل انتقال من حزب سياسي إلى آخر باعتباره فعلا واحدا يحمل الدلالة نفسها؛ فالحياة السياسية ليست جامدة، والفاعل السياسي ليس بالضرورة أسير انتماء حزبي دائم لا يقبل التغيير. فقد تنشأ خلافات حقيقية بشأن التوجهات السياسية، أو أساليب تدبير الحزب السياسي، أو طبيعة التحالفات، أو المواقف من قضايا أساسية، وقد يجد العضو نفسه، بعد سنوات من الانتماء والعمل، أن الحزب السياسي لم يعد يعبر عن قناعاته أو أنه ابتعد عن المبادئ التي دفعته إلى الانخراط فيه. في مثل هذه الحالات، يصبح الانتقال السياسي قابلا للفهم، بل قد يكون أحيانا نتيجة طبيعية لتحولات عميقة في القناعات والمواقف والاصطفافات. فالثبات على الانتماء، مهما كانت الظروف، لا يشكل في حد ذاته فضيلة سياسية، كما أن الوفاء للمبادئ ينبغي أن يتقدم، في كثير من الأحيان، على الولاء للأشخاص أو المواقع التنظيمية.
غير أن الصورة تختلف عندما يتحول الانتقال الحزبي إلى ظاهرة موسمية تتكثف، على نحو لافت، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، ويصبح المعيار الحاسم في اختيار الحزب مرتبطا بفرص الحصول على التزكية، أو تحسين حظوظ الفوز، أو الاقتراب من دوائر النفوذ. عندها لا يعود الأمر متعلقا بحرية الاختيار أو بتطور القناعات السياسية، بقدر ما يكشف عن طبيعة العلاقة التي تربط الفاعل السياسي بالحزب. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يتعلق الأمر بالارتباط بمشروع سياسي، أم بمجرد الارتباط بفرصة انتخابية؟ ذلك أن الحزب السياسي، في التصور الديمقراطي، ليس مجرد عنوان يدرج في ورقة الترشيح، ولا مجرد وسيلة للولوج إلى المؤسسات، وإنما هو إطار سياسي وتنظيمي يفترض أن يجمع أعضاؤه حول رؤية مشتركة للمجتمع والدولة والسياسات العمومية. وحين تضعف هذه الرؤية، وتتلاشى الفوارق بين المشاريع والبرامج الحزبية، يصبح الانتقال من إطار سياسي إلى آخر أكثر سهولة، دون أن يجد الفاعل السياسي نفسه مضطرا إلى تقديم تفسير مقنع لتحولاته أمام الرأي العام.
ثانيا: الانتقال الحزبي بين التخلي عن الالتزام والاستقطاب
من أبرز مظاهر المفارقة في موضوع الانتقال الحزبي أن الموقف منه غالبا ما يتحدد بحسب موقع الحزب السياسي من العملية؛ فالحزب الذي يغادره أحد أعضائه قد يتحدث عن تراجع الالتزام، وغياب الوفاء، والانتهازية السياسية، بينما قد يعتمد، عندما يستقبل في المقابل شخصية قادمة من حزب آخر، خطابا مغايرا تماما، فيتحدث عن الثقة في مشروعه، وجاذبية تنظيمه، وقدرته على استقطاب الكفاءات. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تناقض في الخطاب، وإنما يعكس إشكالا أعمق يرتبط بثقافة العمل الحزبي وبطبيعة المعايير المعتمدة في تقييم الممارسة السياسية. فعندما تتغير المعايير تبعا للمصلحة، تفقد الخطابات السياسية جزءا من مصداقيتها؛ إذ يصعب إدانة الظاهرة من حيث المبدأ والاحتفاء بها في الممارسة، أو اعتبار الانتقال السياسي انحرافا عندما يتعلق بعضو غادر الحزب السياسي، ثم تقديمه باعتباره نجاحا تنظيميا عندما يتعلق بعضو التحق به.
ولا شك أن الأحزاب السياسية توجد، بحكم طبيعتها، في حالة تنافس دائم، ومن الطبيعي أن تسعى إلى تعزيز صفوفها واستقطاب الشخصيات القادرة على الإسهام في مشاريعها السياسية. غير أن الاستقطاب الحزبي الحقيقي ينبغي أن يقوم، أساسا، على قوة الإقناع وجاذبية المشروع ووضوح الاختيارات السياسية، لا على مجرد استقطاب الأسماء ذات الحضور الانتخابي. ذلك أن اختزال التنافس الحزبي في استقطاب الشخصيات القادرة على جلب الأصوات قد يحول الحزب السياسي تدريجيا إلى مجرد وعاء انتخابي، بدل أن يكون إطارا سياسيا يجمع مكوناته حول مشروع ورؤية متماسكة. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل تستقطب الأحزاب السياسية الأشخاص لما يحملونه من أفكار وخبرات يمكن أن تسهم في إثراء مشاريعها السياسية، أم لما يمثلونه من رصيد انتخابي قابل للتوظيف في الاستحقاقات؟
ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بإصدار أحكام مسبقة بشأن النوايا أو التشكيك في دوافع الأفراد والأحزاب السياسية، وإنما بقراءة الممارسة السياسية وآثارها كما تظهر في الواقع. فحين تتكرر الانتقالات في فترات زمنية محددة، ولا سيما قبيل الاستحقاقات الانتخابية، وحين تنتقل بعض الشخصيات بين المواقع الحزبية دون أن يصاحب ذلك نقاش سياسي واضح حول أسباب التحول وطبيعة القناعات الجديدة، يصبح من المشروع أن يطرح المواطن أسئلته بشأن طبيعة هذه التحولات ودوافعها، وأن يطالب بمزيد من الوضوح والاتساق في الممارسة والخطاب الحزبيين.
ثالثا: الانتقال الحزبي عرض لمشكلة أعمق
ربما يكون من الخطأ التعامل مع الانتقال الحزبي باعتباره المشكلة الأساسية التي ينبغي القضاء عليها؛ ففي كثير من الحالات، من المحتمل ألا يكون الانتقال سوى عرض ظاهر لمشكلة أعمق تتصل بضعف البنية الحزبية، وهشاشة الانتماء، وغياب التمايز السياسي الواضح بين التنظيمات. فكلما امتلك الحزب السياسي مشروعا سياسيا محددا، وهوية واضحة، وهيئات أو بنيات داخلية فعالة، كان الانتماء إليه أكثر رسوخا واستقرارا. ولا يعني ذلك بالضرورة غياب الاختلاف أو مغادرة بعض الأعضاء، فالاختلاف وإعادة النظر في المواقف جزء طبيعي من الحياة السياسية؛ غير أن قوة الانتماء تجعل قرار المغادرة فعلا سياسيا ذا دلالة، تترتب عليه كلفة معنوية وتنظيمية، ويصبح من الطبيعي أن يستوجب تفسيرا واضحا أمام الرأي العام.
أما عندما يشعر العضو بأن انتقاله من حزب سياسي إلى آخر لن يترتب عليه اختلاف جوهري في الخطاب أو المواقف أو البرامج، فإن معنى الانتماء الحزبي نفسه يبدأ في التراجع. فكيف يمكن مطالبة الفاعل السياسي بالثبات على إطار حزبي معين، إذا كان المواطن نفسه يجد صعوبة، في بعض الأحيان، في تمييز الفوارق الجوهرية بين البرامج والخطابات والمشاريع السياسية؟ إن قوة الأحزاب السياسية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصدها أو بحجم حضورها الانتخابي، وإنما تقاس أيضا بقدرتها على إنتاج هوية سياسية مستقرة، وبناء مشروع يسهم في بلورة سياسات عمومية ناجعة وقادر على استقطاب الأعضاء والمحافظة على انتمائهم. فالحزب السياسي الذي يعرف بوضوح ماذا يريد، وما أولوياته، وكيف يختلف عن منافسيه، يكون أكثر قدرة على بناء ولاء سياسي قائم على الاقتناع والاستمرارية، لا على الحسابات الظرفية.
ومن هنا، فإن ظاهرة الانتقال الحزبي تطرح أسئلة مباشرة على الأحزاب السياسية، قبل أن تطرحه على الأفراد: ماذا قدمت الأحزاب لأعضائها حتى يشعروا بأن الانتماء إليها يمثل اختيارا سياسيا حقيقيا؟ وهل تتوافر داخلها فضاءات فعلية للنقاش والمشاركة؟ وهل يمتلك الأعضاء قدرة حقيقية على التأثير في صناعة القرار؟ وهل تخضع عملية اختيار المرشحين لمعايير واضحة وشفافة؟ وهل يشعر المناضل بأن له مكانا داخل التنظيم حتى عندما لا يكون مرشحا أو منتخبا؟ ثم، في المقام الأول، هل يمثل الحزب مشروعا سياسيا مستمرا، أم أنه يتحول إلى مجرد آلية انتخابية تنشط أساسا كلما اقتربت الاستحقاقات؟ لذلك، قد تكون هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد إدانة الشخص الذي اختار الرحيل؛ لأنها تنقل النقاش من مساءلة الفرد عن قرار الانتقال إلى مساءلة البيئة الحزبية التي تجعل الانتقال ممكنا ومتكررا، ومن إدانة الظاهرة في مظاهرها الخارجية إلى البحث في أسبابها السياسية والتنظيمية العميقة.
رابعا: منطق الأشخاص أم منطق البرامج والمشاريع؟
تكشف ظاهرة الانتقال الحزبي، علاوة على ما سبق ذكره، عن توتر قائم بين نموذجين في ممارسة العمل السياسي: نموذج يقوم على المشاريع والبرامج، وآخر تكتسب فيه الأشخاص والأعيان مكانة مركزية في تشكيل الفعل السياسي والحزبي. ففي النموذج الأول، ترتبط قيمة الفاعل السياسي بقدرته على الدفاع عن رؤية وبرنامج واضحين، ويكون الحزب السياسي فضاء لإنتاج الأفكار، وتقديم البدائل، ومناقشة السياسات العمومية. وقد ينتقل الفاعل السياسي من حزب إلى آخر، غير أن انتقاله يكتسب، في هذه الحالة، دلالة سياسية تستوجب التفسير، لأنه قد يعكس تحولا في موقعه الفكري أو إعادة تقييمه للخيارات والتوجهات السياسية.
أما في النموذج الثاني، فتتزايد أهمية الفاعل السياسي بقدرته على تحقيق نتائج انتخابية واستقطاب الأصوات، وتصبح الأحزاب السياسية أكثر استعدادا للتنافس على استقطاب الشخصيات ذات الحضور المحلي والرصيد الانتخابي. وفي هذه الحالة، قد يتحول الحزب السياسي إلى مظلة تنظيمية يحتاج إليها المرشح، في الوقت الذي يحتاج فيه الحزب السياسي إلى القاعدة الانتخابية التي يمثلها ذلك المرشح. وحين تصبح هذه الحسابات هي المحدد الأساسي للعلاقة بين الحزب السياسي والفاعل السياسي، يغدو الانتقال نتيجة شبه طبيعية لهذا النمط من الممارسة؛ فالفاعل يبحث عن الإطار الذي يتيح له أفضل فرص الحضور والنجاح، بينما يبحث الحزب السياسي عن الشخص القادر على تعزيز رصيده الانتخابي. وفي ظل هذه المعادلة، تتراجع أهمية البرامج والمشاريع، وتصبح الانتقالات الحزبية أقل إثارة للاستغراب، ما دامت الحدود الفاصلة بين الاختيارات السياسية والتنظيمية تزداد ضبابية.
ولا تكمن المشكلة، بطبيعة الحال، في حضور الشخصيات داخل الحياة السياسية، فالديمقراطية تقوم، أيضا، على التنافس بين الشخصيات. وإنما يبدأ الإشكال عندما يصبح الشخص أهم من المشروع الذي يفترض أن يمثله؛ إذ يصبح بإمكان الفاعل السياسي تغيير انتمائه الحزبي دون أن يضطر بالضرورة إلى إحداث تحول جوهري في خطابه أو مواقفه، لأن جزءا من رصيده الانتخابي قد يكون مرتبطا بشخصه وحضوره أكثر مما هو مرتبط بالبرنامج أو بالهوية السياسية للحزب. ومن ثم، فإن مواجهة الانتقال الحزبي، إذا أريد لها أن تكون معالجة جدية ومستدامة، لا ينبغي أن تقتصر على الحد من انتقال الأشخاص بين الأحزاب السياسية، وإنما يتعين أن تتجه أساسا نحو تقوية منطق المشروع الحزبي، وتعزيز التمايز البرامجي، وإعادة الاعتبار للانتماء الحزبي القائم على القناعة والاختيار، بدل اختزاله في مجرد وسيلة انتخابية.
خامسا: الناخب هو الحلقة الأكثر تأثرا
في خضم الجدل الدائر بين الأحزاب السياسية والمنتخبين حول ظاهرة الانتقال الحزبي، غالبا ما يغيب الطرف الأهم في المعادلة الديمقراطية: المواطن. فالناخب هو من يمنح صوته، في لحظة انتخابية محددة، استنادا إلى مجموعة من الاعتبارات، من بينها الانتماء السياسي، والبرنامج الانتخابي، والرمز الحزبي، وشخصية المرشح ومكانته. وعندما تتكرر الانتقالات الحزبية دون تفسير واضح أو نقاش سياسي معلن حول دوافعها، قد يشعر الناخب بأن صوته تحول إلى مجرد رصيد قابل للانتقال من إطار سياسي إلى آخر. ولا تقتصر آثار ذلك على صورة الشخص المعني، بل تمتد إلى الثقة في الأحزاب وفي العملية السياسية برمتها.
ولا يعني ذلك أن المواطن يطالب الفاعل السياسي بالبقاء في الحزب السياسي نفسه إلى الأبد؛ فالاختلاف وإعادة النظر في المواقف حقان مشروعان في الحياة السياسية. غير أن ممارسة هذا الحق تظل مرتبطة بمسؤولية سياسية تجاه الناخبين. فإذا كان الانتقال نتيجة خلاف بشأن مشروع أو توجه أو ممارسة تنظيمية، فمن حق الرأي العام أن يعرف طبيعة هذا الخلاف وأسبابه. وإذا كان الالتحاق بإطار سياسي جديد نابعا من انسجام أكبر مع القناعات والمواقف، فإن توضيح أوجه هذا الانسجام يصبح جزءا من المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه المواطنين.
وعليه، فإن المشكلة ليست في التغيير في حد ذاته، وإنما في غياب المساءلة السياسية عن أسبابه ومبرراته. فالديمقراطية لا تعني فقط حرية اتخاذ القرار، وإنما تفترض أيضا القدرة على تبريره أمام المواطنين وتحمل مسؤوليته السياسية. وكلما ارتبطت الانتقالات السياسية بالوضوح والشفافية، أصبح الناخب أكثر قدرة على تقييمها والحكم عليها، بينما يؤدي الغموض في دوافعها إلى فتح المجال أمام الإشاعات والتأويلات، بما يفضي في النهاية إلى مزيد من تراجع الثقة في الفعل السياسي والحزبي.
سادسا: لا جدوى من الشكوى الموسمية
لعل أحد أسباب استمرار الجدل حول الانتقال الحزبي أنه يتم التعامل معه، في الغالب، باعتباره ظاهرة طارئة تتصدر النقاش مع كل محطة انتخابية، قبل أن تتراجع إلى الهامش بمجرد انتهاء الاستحقاقات. فيتم استنكارها عندما ترتفع وتيرتها، ثم سرعان ما تتراجع الأسئلة المرتبطة بأسبابها ودوافعها إلى أن تعود الظاهرة مجددا إلى واجهة المشهد السياسي. غير أن الظواهر السياسية لا تعالج بالاستنكار الموسمي، وإنما بفهم أسبابها ومعالجة الشروط التي تسمح باستمرارها. فإذا كانت الأحزاب السياسية تعتبر الانتقال الحزبي عاملا يضعف العمل السياسي والحزبي، فإن عليها أن تبحث، في المقابل، عن الأسباب التي تدفع بعض أعضائها إلى المغادرة، وأن تراجع في الوقت نفسه طبيعة سياساتها في استقطاب القادمين من أحزاب أخرى.
فالخطاب الأخلاقي، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده. ومن السهل مطالبة الفاعلين السياسيين بالوفاء والانضباط التنظيمي، لكن الأصعب هو بناء تنظيمات سياسية تستحق هذا الوفاء، وتوفر لأعضائها شروط المشاركة والتأثير والشعور بالانتماء. كما أن انتقاد من يختار المغادرة لا يغني عن التساؤل حول مدى وجود آليات مؤسساتية حقيقية لتدبير الخلافات داخل الأحزاب السياسية وتسويتها قبل أن تتحول إلى قطيعة أو انتقال إلى إطار سياسي آخر.
وفي المقابل، تظل الأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة معايير استقطابها للمنضمين الجدد. فإذا كانت ترفض الانتقال الحزبي باعتباره ممارسة تسيء إلى الحياة الحزبية، فلا ينبغي أن يكون هذا الرفض انتقائيا، بحيث يدان الانتقال عندما يؤدي إلى خسارتها، ويحتفى به عندما يكون في صالحها. وإذا كانت تعتبر الانتقال بين الأحزاب السياسية جزءا ممكنا من الحياة السياسية، فعليها أن تمنحه معنى سياسيا واضحا، وأن تطالب المنضمين إليها بالقدر نفسه من الوضوح الذي تنتظره من أعضائها المغادرين.
إن المصداقية السياسية تبدأ من وحدة المعايير؛ فما نعتبره مشكلة عندما يضر بمصالحنا، ينبغي أن نناقشه بالمعيار نفسه عندما يخدم مصالحنا. ومن هنا، فإن تجاوز الجدل الموسمي حول الانتقال الحزبي يقتضي الانتقال من منطق الإدانة الانتقائية إلى منطق المساءلة الموضوعية، ومن التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد سلوك فردي إلى النظر إليها باعتبارها مؤشرا على طبيعة الحياة الحزبية ومدى قدرتها على بناء انتماءات سياسية مستقرة وقائمة على الاقتناع.
سابعا: نحو نقاش أكثر عمقا
ربما يكون الوقت قد حان للانتقال من سؤال: من رحل وإلى أين؟ إلى سؤال أكثر عمقا: لماذا أصبح الرحيل سهلا إلى هذا الحد؟ فهذا التحول، من الممكن أن، يتيح تجاوز التركيز على الحالات الفردية، والانفتاح على الأسباب البنيوية التي تقف وراء الظاهرة، باعتبار أن الانتقال الحزبي لا يرتبط فقط بقرار فردي، وإنما يتصل بمنظومة متكاملة من العلاقات الحزبية والانتخابية والسياسية.
ولا يعني ذلك أن الانتقال الحزبي يمكن أن يختفي بشكل كامل، كما لا ينبغي أن يكون الهدف هو إلغاء كل أشكال التحول في الانتماء السياسي؛ فالسياسة بطبيعتها مجال للتغيير وإعادة التموضع وتبدل المواقف وظهور تحالفات جديدة. غير أن الفارق يظل كبيرا بين تحول سياسي تفرضه القناعات والتطورات الفكرية والسياسية، وبين انتقال متكرر لا يستطيع صاحبه، أو الحزب السياسي الذي يستقبله، تقديم تفسير سياسي واضح ومقنع له. ومن ثم، فإن ما تحتاجه الحياة السياسية ليس تجميد الفاعلين داخل انتماءات حزبية ثابتة، وإنما إعادة الاعتبار إلى المعنى السياسي للانتماء. فعندما يقوم الانتماء على مشروع ورؤية واختيارات واضحة، يصبح الانتقال من مشروع إلى آخر قرارا سياسيا ذا دلالة، يستوجب التفسير والمساءلة. أما عندما يتحول الانتماء إلى مجرد وسيلة تنظيمية عابرة، فإن تغيير الحزب السياسي لن يكون، في نهاية المطاف، أكثر من تغيير للعنوان دون تغيير جوهري في المضمون.
حين تحترم حرية الاختيار، يحترم المواطن؛ وحين نفتح باب الاستحقاق أمام الكفاءات، نحترم السياسة؛ وحين نجمع بين الأمرين، نكون أمام ديمقراطية حقيقية قادرة على استعادة الثقة.
مقال جد جميل،أتمنى من الأحزاب السياسية أن تترك الصراعات الداخلية بعيدا وتركز على اهتمامات المغاربة وكيفية تجويد حياتهم ببرامج واقعية بعيدة عن الشعبوية