كشف البروفيسور عادل أوزان، اختصاصي جراحة المسالك البولية وأمراض الذكورة مدير برنامج الجراحة الروبوتية بمجموعة “أكديطال”، عن نتائج وصفها بالمشجعة لسلسلة من 132 عملية لاستئصال البروستاتا بسبب السرطان، أُنجزت بالمغرب بمساعدة الروبوت الجراحي، مشيرا إلى أن أكثر من 90 في المائة من المرضى استعادوا قدرة مُرضية على التحكم في البول خلال الأشهر الثلاثة الأولى التي أعقبت التدخل الجراحي.
وأوضح البروفيسور أوزان، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن المعطيات الأحدث، التي ما تزال قيد التقييم والتحديث، تشير إلى إمكانية بلوغ نسبة استعادة التحكم البولي ما بين 97 و98 في المائة بعد ستة أشهر، مؤكدا أن هذه النتائج لا ترتبط بالتكنولوجيا وحدها، وإنما بخبرة الجراح والتطور المستمر للتقنيات المعتمدة في الحفاظ على البنيات التشريحية المسؤولة عن الوظائف البولية والجنسية.
وتندرج هذه النتائج ضمن دراسة علمية شملت العمليات الـ132 الأولى لاستئصال البروستاتا بمساعدة الروبوت داخل مجموعة “أكديطال”، ونُشرت في المجلة العلمية المتخصصة “Journal of Robotic Surgery”، في سياق إدخال هذه التقنية حديثا إلى المغرب، خصوصا في مجال جراحة المسالك البولية.
وشدد المتخصص ذاته، الذي يمارس الجراحة الروبوتية منذ سنة 2008 وراكم خلال مساره المهني أكثر من 1500 تدخل جراحي بمساعدة الروبوت، على أن هذه التكنولوجيا لا تعني استغناء غرف العمليات عن العنصر البشري، ولا تشكل بديلا شاملا عن الجراحة التقليدية، موضحا أن اختيار التقنية المناسبة يظل رهينا بطبيعة المرض ومرحلته والحالة الصحية لكل مريض.
وفي هذا الحوار، يشرح البروفيسور أوزان ما يراه الجراح داخل وحدة التحكم في الروبوت، وكيف يعوض غياب الإحساس المباشر بملمس الأنسجة، وطبيعة التكوين الذي تحتاج إليه الأطقم الطبية والتمريضية، والإجراءات المتخذة لمواجهة الأعطال التقنية وانقطاع الكهرباء أثناء العمليات.
كما يتوقف عند دور هذه الجراحة في علاج سرطان البروستاتا والحفاظ، قدر الإمكان، على القدرة على التحكم في البول والوظيفة الجنسية، فضلا عن آفاق تطوير الجراحة الروبوتية بالمغرب وإمكانية تعزيز موقع المملكة في هذا التخصص على المستوى الإفريقي.
عندما تجلس أمام وحدة التحكم في الروبوت الجراحي، ما الذي تراه بالضبط؟ وكيف تتحكم في الآلة أثناء إجراء العملية؟
عندما أجلس أمام وحدة التحكم في الروبوت، أرى صورة ثلاثية الأبعاد ومكبرة، تتميز بدقة عالية جدا للمنطقة التي أجري فيها العملية. ويشبه الأمر إلى حد ما وجودي داخل جسم المريض، مع إمكانية رؤية تفاصيل دقيقة للغاية، يصعب تمييزها بالعين المجردة.
وأستطيع أن أميز بوضوح الأوعية الدموية الصغيرة والأعصاب والأنسجة المختلفة. أما يداي فتتحكمان في أدوات جراحية مصغرة تعيد إنتاج حركاتي بدقة متناهية.
وهنا ينبغي توضيح مسألة أساسية: ليس الروبوت هو الذي يجري العملية الجراحية، بل الجراح نفسه. فالروبوت لا يتخذ أي قرار، ولا ينفذ أي حركة بصورة مستقلة.
إنه أداة تتيح للجراح رؤية أوضح وتنفيذ حركات بالغة الدقة، خصوصا في المناطق التشريحية التي يصعب الوصول إليها.
هل يختلف الإحساس باللمس عند استخدام الروبوت مقارنة بالجراحة التقليدية؟ وكيف تعوضون غياب الاتصال المباشر بالأنسجة؟
هذا بالفعل أحد الاختلافات المهمة. فمع الأنظمة الروبوتية التي نستخدمها، لا نشعر بصورة مباشرة بمقاومة الأنسجة كما يحدث أثناء الجراحة المفتوحة.
لكن في المقابل نستفيد من جودة استثنائية للصورة. فالرؤية ثلاثية الأبعاد والمكبرة تمكننا من ملاحظة تفاصيل دقيقة للغاية، خصوصا الطريقة التي تستجيب بها الأنسجة عندما نتعامل معها بواسطة الأدوات الجراحية.
ومع اكتساب الخبرة، يطور الجراح ما نسميه “الإدراك البصري للقوى”، أي القدرة على تقدير مقدار الضغط أو الشد الممارس على الأنسجة، بمجرد مراقبة سلوكها واستجابتها للحركات التي نقوم بها.
ويتطلب اكتساب هذه المهارة تدريبا خاصا، يشكل جزءا أساسيا من التكوين في مجال الجراحة الروبوتية.
فالروبوت يوفر دقة استثنائية، لكن هذه الدقة لا تكون ذات قيمة حقيقية إلا عندما تقترن بمعرفة عميقة بالتشريح البشري وخبرة جراحية فعلية.
ما نوع التكوين الذي يجب أن يخضع له الجراحون والممرضون وبقية أفراد الفريق الطبي قبل السماح لهم باستخدام هذه التكنولوجيا؟
الجراحة الروبوتية لا تعني ببساطة وضع روبوت داخل غرفة العمليات، بل تتطلب تكوين فريق طبي متكامل.
ويتعين على الجراح أن يخضع لمسار تكويني خاص، يجمع بين التكوين النظري والمحاكاة والتدريب العملي وإجراء عمليات تحت إشراف جراحين متمرسين، قبل أن يصبح قادرا على إجراء التدخلات بصورة مستقلة.
لكن هذا التكوين لا يقتصر على الجراح وحده؛ فالممرضون العاملون داخل غرف العمليات وأطباء التخدير وجميع أفراد الفريق الطبي مطالبون أيضا بتعلم كيفية التعامل مع هذه التكنولوجيا.
ويشمل ذلك الطريقة الصحيحة لوضع المريض أثناء العملية، وإعداد الأدوات الجراحية، وكيفية التصرف أمام مختلف الحالات التي قد تطرأ خلال التدخل الجراحي.
إن الأمر يتعلق بعمل جماعي حقيقي. فجودة أي برنامج للجراحة الروبوتية تعتمد على كفاءة الجراح بقدر اعتمادها على التنسيق بين جميع أعضاء الفريق وخبرتهم.
ولهذا، يتمثل طموحنا داخل مجموعة “أكديطال” في تطوير هذه الخبرة الجماعية، مع إيلاء اهتمام خاص للتكوين وضمان سلامة المرضى.
ماذا يحدث إذا تعرض الروبوت لعطل تقني أو انقطع التيار الكهربائي أثناء إجراء العملية الجراحية؟
سلامة المريض تمثل بطبيعة الحال أولويتنا المطلقة.
وتخضع أنظمة الجراحة الروبوتية لعقود صيانة خاصة، تشمل فحوصات تقنية منتظمة وصيانة وقائية تهدف إلى تقليص مخاطر الأعطال إلى أدنى حد ممكن.
كما نعتمد فلسفة للسلامة شبيهة بتلك المعمول بها في قطاع الطيران؛ إذ نجري قبل كل عملية، وخصوصا قبل تخدير المريض، فحوصات منهجية للتأكد من سلامة المعدات وحسن اشتغالها.
وتتوفر غرف العمليات أيضا على أنظمة احتياطية للتزود بالكهرباء، تشمل مولدات كهربائية، في حين تتوفر الروبوتات نفسها على تجهيزات تسمح بالتعامل مع بعض حالات الانقطاع الكهربائي.
وإضافة إلى ذلك، يتلقى جميع أفراد الفريق الجراحي تكوينا يؤهلهم للتدخل في حال وقوع أي حادث تقني.
وعند الضرورة، يمكننا إيقاف استخدام الروبوت ومواصلة العملية باستعمال تقنية جراحية أخرى.
والمبدأ هنا بسيط: سلامة المريض لا يمكن أن تعتمد على آلة واحدة، بل تقوم على منظومة متكاملة، تضم معدات تخضع للمراقبة المنتظمة وفريقا طبيا مؤهلا ومستعدا للتعامل مع مختلف الاحتمالات.
إذا كانت الجراحة الروبوتية توفر هذه الدقة العالية، فلماذا تظل الجراحة التقليدية ضرورية في بعض الحالات؟ ومتى تقترحون إجراء العمليات بمساعدة الروبوت؟
يجب ألا نقدم الجراحة الروبوتية على أنها حل شامل لجميع الحالات. فهي تمثل تقدما تكنولوجيا مهما، لكنها لا تعوض جميع التقنيات الجراحية الأخرى.
فاختيار نوع التدخل يعتمد أساسا على طبيعة المرض ومرحلته، والخصائص التشريحية للمريض، وسوابقه الطبية والجراحية.
وفي مجال جراحة المسالك البولية، تكتسي الجراحة الروبوتية أهمية خاصة في بعض العمليات المعقدة، ولا سيما العلاج الجراحي لسرطان البروستاتا، وبعض عمليات الكلى، والتدخلات الهادفة إلى إعادة بناء أجزاء من الجهاز البولي.
وتتيح هذه التكنولوجيا للجراح تنفيذ حركات دقيقة للغاية داخل مناطق تشريحية قد تكون ضيقة ويصعب الوصول إليها، مع الحد من الطابع التدخلي للجراحة.
لكن في حالات أخرى، تظل الجراحة المفتوحة أو الجراحة التقليدية بالمنظار مناسبتين تماما، بل قد تكونان الخيار الأفضل.
فالتقدم الحقيقي لا يتمثل في إجراء العمليات لجميع المرضى باستخدام الروبوت، وإنما في القدرة على اقتراح التقنية الجراحية الأكثر ملاءمة لحالة كل مريض.
أنجزتم دراسة شملت 132 عملية لاستئصال البروستاتا بسبب السرطان بمساعدة الروبوت. وغالبا ما يخشى الرجال الخضوع لهذه العملية بسبب احتمال الإصابة بسلس البول أو تأثر القدرة الجنسية. كيف تساعد دقة الروبوت على حماية هاتين الوظيفتين؟
هذا بالفعل أحد أبرز الانشغالات لدى الرجال الذين يحتاجون إلى الخضوع لعملية جراحية لعلاج سرطان البروستاتا.
فهم يرغبون بطبيعة الحال في الشفاء من السرطان، لكنهم يتطلعون أيضا إلى الحفاظ على قدرتهم على التحكم في البول وعلى حياتهم الجنسية.
وتوجد البروستاتا في منطقة تشريحية معقدة للغاية، وبالقرب المباشر من بنيات تلعب دورا أساسيا في التحكم البولي وفي عملية الانتصاب.
وتوفر لنا الجراحة الروبوتية رؤية مكبرة ثلاثية الأبعاد ودقة عالية في التحكم بالأدوات، ما يسمح بإجراء حركات جراحية بالغة الدقة.
لكن أود التشديد على نقطة جوهرية: الروبوت مجرد أداة، مهما بلغت درجة تطورها.
وما يصنع الفارق الحقيقي هو خبرة الجراح ومعرفته العميقة بالتشريح البشري والتقنية الجراحية التي يعتمدها.
أمارس الجراحة الروبوتية منذ سنة 2008، وقد أجريت خلال مساري المهني أكثر من 1500 تدخل جراحي بمساعدة الروبوت.
وقد مكنتنا هذه التجربة، إلى جانب أعمالنا البحثية ومنشوراتنا العلمية وتعاوننا مع فرق طبية دولية، من تطوير تقنياتنا بصورة تدريجية.
ونحرص خصوصا على الحفاظ، إلى أقصى حد ممكن، على البنيات التشريحية المحيطة بالبروستاتا، التي تؤدي دورا أساسيا في التحكم البولي والوظيفة الجنسية، وذلك عندما تسمح شروط علاج السرطان بهذا الحفاظ.
أما بخصوص القدرة على الانتصاب، فإن الحفاظ عليها يعتمد بطبيعة الحال على خصائص السرطان.
فعندما يُشخص المرض في مرحلة مبكرة، ويكون الحفاظ على الأعصاب ممكنا من الناحية المرتبطة بالعلاج السرطاني، وتتوفر لدى المريض ظروف ملائمة، خصوصا من حيث السن والوظيفة الجنسية قبل العملية، يمكننا الحصول على نتائج وظيفية ممتازة.
لذلك، تقوم فلسفتنا على السعي إلى تحقيق أفضل نتيجة ممكنة في علاج السرطان، مع المحافظة قدر الإمكان على جودة حياة المريض.
وهذا المبدأ هو الذي يوجه ممارستنا الجراحية وأعمالنا البحثية.
تشير دراستكم إلى أن أكثر من تسعة مرضى من أصل عشرة استعادوا قدرة مرضية على التحكم في البول خلال ثلاثة أشهر فقط بعد الجراحة. هل يعني ذلك أن المرضى أصبحوا يستعيدون حياتهم الطبيعية بسرعة أكبر مما كان يحدث سابقا؟
نعم، وهذا تحديدا أحد الجوانب الأكثر تشجيعا في النتائج التي توصلنا إليها.
ففي سلسلتنا الأولى من العمليات، كان أكثر من 90 في المائة من المرضى قد استعادوا قدرة مُرضية على التحكم في البول ابتداء من الشهر الثالث الذي أعقب التدخل الجراحي.
وهي نتيجة بالغة الأهمية إذا أخذنا بعين الاعتبار مدى تأثير الاضطرابات البولية على جودة حياة المرضى بعد جراحة البروستاتا.
لكن ينبغي توضيح أن هذه النتائج تمثل حصيلة تحليل أولي، ونحن نواصل حاليا تقييم حالة المرضى وتحديث المعطيات المتعلقة بهم.
ومع توفر فترة متابعة أطول، تشير بياناتنا التي ما تزال قيد التحديث إلى أن نسبة استعادة التحكم البولي قد تصل إلى ما بين 97 و98 في المائة بعد ستة أشهر.
وأصبحت حالات سلس البول المستمر، في المعطيات التي نتابعها، نادرة، وقد تكون مرتبطة بعوامل فردية، مثل بعض السوابق المرضية أو الاضطرابات الوظيفية الموجودة لدى المريض قبل الخضوع للعملية.
وهذه النتائج لا ترتبط بمجرد استخدام الروبوت، بل تعكس أساسا خبرة جراحية مهمة وتقنية جرى تحسينها وتطويرها على امتداد سنوات، مع الحرص المستمر على الحفاظ بصورة أفضل على البنيات التشريحية المسؤولة عن التحكم البولي.
ونعمل أيضا على تحديث نتائجنا المتعلقة باستعادة وظيفة الانتصاب، حيث نسجل مؤشرات مشجعة للغاية لدى المرضى الذين تسمح حالتهم الصحية بالحفاظ على الأعصاب المسؤولة عن هذه الوظيفة.
فهدفنا لا يقتصر على علاج السرطان بفعالية، وإنما يشمل أيضا مساعدة المرضى على استعادة حياتهم اليومية الطبيعية في أقرب وقت ممكن.
ماذا تمثل نتائج العمليات الـ132 الأولى بالنسبة إلى مستقبل الطب والجراحة في المغرب وإفريقيا؟
تمثل هذه العمليات الأولى والنتائج التي نشرناها مرحلة مهمة، لكنني أعتقد أنه ينبغي وضعها ضمن رؤية أشمل.
فالجراحة الروبوتية ليست مجرد ابتكار تكنولوجي يتم إدخاله إلى مؤسسة صحية، بل هي تخصص قائم بذاته، يتطلب سنوات من الخبرة وتكوينا دقيقا وتنظيما صارما وتقييما مستمرا للنتائج.
لقد بدأت ممارسة الجراحة الروبوتية سنة 2008، واستطعت منذ ذلك الوقت أن ألاحظ حجم التطور الذي عرفه هذا التخصص، سواء على المستوى التكنولوجي أو على مستوى التقنيات الجراحية.
ويتمثل طموحنا اليوم في تسخير هذه الخبرة لخدمة تطوير الجراحة الروبوتية بالمغرب.
وتظهر النتائج التي نحصل عليها أنه بإمكاننا تطوير جراحة ذات مستوى عال محليا، مع المساهمة الفعلية في البحث العلمي وتبادل الخبرات مع الفرق الطبية الدولية.
وداخل مجموعة “أكديطال”، نطمح إلى تجاوز مجرد اقتناء الروبوتات الجراحية، من خلال بناء برامج مستدامة، وتكوين الفرق الطبية، وتطوير خبرة وطنية في هذا المجال، والعمل تدريجيا على توسيع استفادة المرضى من هذه التقنيات.
وأنا مقتنع بأن المغرب يتوفر على الكفاءات البشرية والطبية الضرورية التي تؤهله ليصبح فاعلا مهما في تطوير الجراحة الروبوتية على المستوى الإفريقي.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس فقط بعدد العمليات المنجزة، وإنما بقدرتنا على تحسين النتائج الصحية للمرضى بصورة مستدامة، ونقل خبراتنا إلى أطر طبية أخرى، والمساهمة في تقدم الجراحة ببلادنا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.