البنية الحلزونية للحمض النووي .. ثورة علمية تنهي "سر الحياة" الغامض

البنية الحلزونية للحمض النووي .. ثورة علمية تنهي "سر الحياة" الغامض
صورة: أ.ف.ب
الأحد 23 نونبر 2025 - 01:00

قدَّم اكتشاف البنية الحلزونية للحمض النووي في مطلع خمسينيات القرن الماضي واحدة من أكثر اللحظات إثارة في تاريخ العلم، لحظة امتزج فيها البحث العميق بالطموح الجارف والتنافس الحاد وأحيانًا الخداع الصريح. ومع رحيل عالم الوراثة الأمريكي جيمس واتسون عن عمر 97 عامًا، وهو آخر من شارك في تلك الرحلة، تبدو هذه القصة العلمية الكبرى أقرب إلى أسطورة تأسيسية غيَّرت نظرتنا إلى الحياة وإلى أنفسنا، كما أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” في تحليلها.

لسنوات طويلة، كان العلماء يتحدثون عن “قوة حيوية” غامضة تميِّز الكائنات الحية عن المادة الجامدة، فيما لاحظ الأطباء انتقال بعض الصفات والأمراض بين الأجيال دون أن يملكوا تفسيرًا لآلية ذلك. وقد اعترف تشارلز داروين في عام 1859 بأن “قوانين الوراثة غير معروفة تمامًا”. حاول أن يضع تصورًا لها، فافترض أن جزيئات دقيقة تنتقل من خلايا الجسم إلى الأمشاج، لكنه لم يتمكن من تقديم حل حقيقي للغز الوراثة.

في الفترة نفسها تقريبًا، توصَّل الراهب غريغور مندل، عبر تجاربه على نبات البازلاء، إلى أن الصفات تنتقل وفق نسب ثابتة، لكنه لم يعرف ماهية “العوامل” التي تتوارث. ومع مطلع القرن العشرين، أعاد علماء الأحياء اكتشاف نتائج مندل وأطلقوا على تلك العوامل اسم “جينات”، لكنهم ظلوا منقسمين حول طبيعتها: هل هي بروتينات؟ أم مادة أخرى أكثر غموضًا ظهرت لاحقًا باسم الحمض النووي (DNA)؟

ومع بداية الخمسينيات، كان العمل الذي شارك فيه واتسون وفرانسيس كريك وروزاليند فرانكلين – المتخصِّصة في التصوير البلوري بالأشعة السينية – على وشك تغيير كل شيء. فقد كشفت صور فرانكلين، وتحليل كريك وواتسون لها، أن الحمض النووي يتكوَّن من سلسلتين ملتويتين حول بعضهما، وتستند معلوماته الوراثية إلى أربعة قواعد كيميائية تُكتَب بها الجينات. وكان الاكتشاف الأكثر حسماً أن الخلية تنسخ مادتها الوراثية عبر فصل السلسلتين، ثم بناء سلسلة جديدة مطابقة لكل منهما.

هذا الاكتشاف فتح الباب أمام ثورة علمية واسعة. ففي الخمسينيات والستينيات، نجح الباحثون في فك الشفرة التي تستخدمها الخلايا لتحويل الجينات إلى بروتينات. وأظهر علماء آخرون كيف تتسرب الأخطاء إلى المادة الوراثية – طفرات تحدث بفعل الإشعاع أو المواد الكيميائية أو نتيجة أخطاء تحدث أثناء النسخ الخلوي. هذه الأخطاء، رغم أن بعضها يتسبب في أمراض خطيرة، شكَّلت الأساس المادي للتطور الطبيعي الذي نظَّر له داروين، مقدِّمةً لأول مرة تفسيرًا جزيئيًا لكيفية تغيُّر الكائنات عبر الزمن.

وفي عام 1990، تولى واتسون قيادة مشروع الجينوم البشري الأمريكي، الهادف إلى رسم الخريطة الكاملة لمادة الإنسان الوراثية البالغة ثلاثة مليارات قاعدة. ورغم أنه غادر المشروع بعد عامين فقط، واصل العلماء عملهم إلى أن نُشرت أول “مسودة” لجينوم بشري عام 2001. ومع التقدم التقني، أصبحت عملية تسلسل الجينوم أسرع وأرخص بكثير، حتى بات ممكناً إجراؤها في ساعات قليلة وبتكلفة محدودة، الأمر الذي سمح للأطباء باستخدامها للكشف عن الأمراض الوراثية وللعلماء بإعادة بناء جينومات أسلاف عاشوا قبل مئات آلاف السنين.

ومع أن واتسون لعب دورًا رئيسيًا في تدشين عصر البيولوجيا الجزيئية الحديث، فقد تبنَّى أيضًا آراءً عنصرية تعود جذورها إلى قرون سابقة، إذ كرر في سنواته الأخيرة قناعاته الخاطئة بشأن تفوُّق عرقي مزعوم. وقد أدت تصريحاته إلى قطع علاقته بمختبر كولد سبرينغ هاربور عام 2019، وهو المختبر الذي أدارَه لعقود، بعدما أكد بيان رسمي أنه “يدين استخدام العلم لتبرير الأحكام المسبقة”.

هذا الإرث من الأفكار يعبّر عن تاريخ طويل من محاولات استخدام العلم للدفاع عن العنصرية، بدءًا من القرن الخامس عشر حين بدأ بعض الأوروبيين بتمييز أنفسهم عن الآخرين، مرورًا بمحاولات علماء الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر لربط “العرق” بشكل الجمجمة، ووصولًا إلى دعاة تحسين النسل الذين استخدموا بدايات علم الوراثة مطلع القرن العشرين لتبرير منع الزواج المختلط أو فرض التعقيم على من يصنفونهم “غير لائقين”.

لكن التقدم في علم الجينوم خلال العقدين الأخيرين كشف زيف هذه المزاعم. فقد أوصت الأكاديميات الوطنية الأمريكية عام 2023 بعدم استخدام “العرق” كفئة في الدراسات الجينية لأنه لا يمثِّل التنوع البشري الحقيقي. وأظهرت الأبحاث أن الجينات التي تؤثر في القدرات الذهنية أو الصفات المعقدة لا تفسر إلا نسبة ضئيلة جدًا من الفروق بين الأفراد، وأن تأثير البيئة والتجربة الشخصية أساسي وغير قابل للفصل عن أثر الجينات.

وحتى اليوم، لا يزال الحمض النووي يكشف أسرارًا جديدة. فلو أمكن فرد الجزيء الكامل في خلية واحدة لامتدَّ لأكثر من مترين، لكنه في الواقع يلتف داخل نواة دقيقة عبر تنظيم بالغ التعقيد، يحتوي على مناطق ترميز للبروتينات تشكل جزءًا صغيرًا فقط من الجينوم، فيما يمتلئ الباقي بعناصر تنظيمية وأجزاء صامتة ومقاطع قادمة من فيروسات قديمة. ويحاول العلماء الآن فهم الطبيعة ثلاثية الأبعاد لهذه البنية المتحركة باستمرار، لدراسة كيف تنتج الخلايا الجزيئات اللازمة لبقائها.

وبينما تُحرِز الأبحاث تقدُّمًا مستمرًا، تبقى الكثير من أسرار الحمض النووي بعيدة عن الاكتمال. وسيحتاج كشفها إلى عقود طويلة وجهود جماعية ضخمة تتجاوز بكثير حجم الفريق الصغير الذي صنع اكتشاف الحلزون المزدوج قبل أكثر من سبعين عامًا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • karim
    الأحد 23 نونبر 2025 - 03:07

    هل رأيت درجة التعقيد في الخلق و يأتي البعض و يقول ان الطبيعة وجدت من نفسها. كلما تعمقت في العلم كلما تيقنت من وجود الخالق، كل شيء موزون و مضبوط و لا يوجد شيء عبثي

  • متتبع
    الأحد 23 نونبر 2025 - 09:10

    رغم هذه النظريات و الأبحاث إلا أننا نظل عاجزين عن التحليل الدقيق لخلق الله

  • باحت
    الأحد 23 نونبر 2025 - 14:32

    يجب الفصل بين الدين والعلم، لأن الدين يقوم على المعتقد والإيمان، بينما العلم يعتمد على البحث والتجربة والتجريب. لكل واحد مجاله الخاص، وخلطهما يعرقل التقدم والابتكار.

  • عابر سبيل...
    الأحد 23 نونبر 2025 - 16:14

    ان اكتشاف الADN من طرف جيمس واتسون وزميله كيرك في عام 1953 أصاب نظرية داروين في مقتل لما تحمله من معلومات معقدة غير قابلة للاختزال يستحيل معها أن تتكون من تلقاء نفسها أو أن تكون قد ركبت نفسها بنفسها و بطريقة عشوائية كما يدعي بعض الداروينيون وإنما كل هذا الإتقان والتصميم تشير إلى خالق مبدع وعظيم جل في علاه.
    انصح بقراءة كتاب “توقيع في الخلية الدنا وادلة التصميم الذكي” ل د.ستيفن ماير.

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 4

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30 1

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 16

المنصوري تصل إلى موسكو