البِطنة تُذهب الفطنة

البِطنة تُذهب الفطنة
كاريكاتير: عماد السنوني
الأربعاء 29 ماي 2024 - 09:02

لا أعتقد أن السائح الأجنبي يقصد مراكش ليأكل في المطاعم الشعبية المفتوحة، لأنها لا تقدم الأطباق المغربية المشهورة بالشكل المرجعي المقبول في المطبخ المغربي المعروف دوليا. حتى الطنجية المراكشية تُعد في طناجر كبيرة ثم توزع على الزبناء في أطباق صغيرة. وتبقى ميزة هذه المطاعم الشعبية هي أثمانها الرخيصة.

لا أعرف مدى المراقبة الصحية المفروضة على هذه المطاعم، لكن الطريقة التي تستقبل بها الزبائن تثير القلق والامتعاض، حيث يخرج “فتوة” كل مطعم ليجبروك على اختيار مطاعمهم بما يشبه القوة حين لا ينفع الإحراج (الرغيب والمزاوكة)، ويتحول الأمر إلى ما يشبه التسول بالقوة. هذا التصرف يقلق الزائرين المغاربة فبالأحرى الأجانب، ويطرح مجموعة من الأسئلة.

سكنت في مراكش أربع سنوات، بين 1973 و1977، وكنت مهووسا بساحة جامع الفنا، خاصة فضاء الحكاية الذي كان يتناوب عليه بُلَغاء يترجمون الفصحى إلى دارجة بليغة، كما كان مُقلّدو حميد الزاهر وقشبل وزروال وروايس الغناء الأمازيغي وجيل جيلالة وناس الغيوان وغيرهم لا يقلون إتقانا عن الأصول. وكان مجموعة من الممثلين يقدمون عروضا شبه مسرحية مرة مرة، ارتجالية في الغالب، لكنها تعجب الواقفين في الحلقة. أما مروضو القرود والأفاعي وأولاد سيدي احماد أُموسى وبقشيش وصاحب الحمام فكانوا خضرة فوق الطعام.

في هذا الزمن كانت الساحة مساحة واحدة غير منشطرة نصفين كما الآن، حيث فصلتها دكاكين بائعي المنتوج التقليدي إلى فضاءين، كما كانت تشتغل نهارا ومساء إلى حدود ندرة الزائرين، ولم أتذكر يوما مطعما شعبيا وسط الساحة.

في الجامعة، بين 1979 و1983 درست المسرح على يد المرحوم حسن المنيعي مدة أربع سنوات، وكان يؤكد دائما على كون الفرجة في هذه الساحة تقدم أشكالا حداثية، ليس أقلها تحطيم الجدار الرابع وتجنيب المتفرج سلبية الوهم. لأن الحلقة الدائرية تجعلك ترى المتفرجين المقابلين لك مما يجعلك على وعي دائم بحقيقة التمثيل. كما أن الارتجال يُخرج الفرجة من كلاسيكيتها، ناهيك عن تكسير الاستلاب بوقف العرض لطلب المقابل قبل استئنافه.

ولقد دأب الكثير من المشاهير على تقديم عروض في هذه الساحة، مغاربة وأجانب، اعترافا بالقيمة الفرجوية للساحة.

قيمة يجهلها الذين رخصوا للمطاعم بالهجوم على هذه الساحة الخالدة وتحويلها إلى جوقة من أصوات المضغ والسرط.

ما هو الضرر وما هو الربح في انتصار البطن على العقل؟ لماذا تم الترخيص لكل هذا العدد الهائل من المطاعم حتى حل بينها تنافس همجي وصل حد “اختطاف” الزبائن؟ ألا يرتفع خطر التسمم بفعل البوار الذي يصيب سلعة المُهمَلين من أصحاب المطاعم؟ فيقدمون البائت والقديم وما لا عين رأت؟

في ظل مخاطر هذا الإطعام المتوحش على المغاربة، وجب توخّي الحذر، وكتابة رقم المطعم قبل الانسحاب من المكان، حتى تسهل متابعة العابثين بصحة الناس، والاقتصار على الأطباق التي تخلو من المخاطر نسبيا، مثل المشويات والسمك. والاستفسار عن المطاعم المشهود لها بالجودة. أما الفنون التي تمتع ولا تؤذي أحدا أبدا، فهي لا تملأ صناديق المجلس البلدي، لأن فنون الفرجة الشعبية ظلت تختلط عند الجاهلين بالاستجداء والتسول.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

22
  • ولد البلاد
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:09

    اًعتقد اًنه حان الوقت لإيجاد صيغة جديدة تجمع بين الأصالة والحداثة باعتبار مراكش مدينة سياحية بامتياز وجامع الفنا معلمة تاريخية وثقافية ذات صيت عالمي والطبخ المغربي من اًجود المطابخ العالمية لكن يبقى الإلتزام بالشكل العام في المظهر والزي الرسمي والتعريف بالإسم أي وضع بادج ورقم المحل والتصريح السنوي الصحي ومزاولة العمل ولوازم السلامة وطريقة الطبخ ولوازمه من معدات حديثة وصحية مع وجود طرق التبريد والتخزين والتقديم والتغذية الصحية المطابقة لنظام ال HACCP ولائحة الأسعار ضرورة لا مفر منها لكسب ثقة الزبائن مع المراقبة المستمرة من الجهات المختصة ووقف بعض السلوكيات التي تزعج الضيوف الحل الأمثل للرفع من مستوى الإقبال ورضى الزائرين.

  • ALI NAIT OMAR
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:16

    مطاعم (الرغيب و المزاوكة) في ساحة جامع الفنا…. و خاصة لمن لهم المناعة القوية أو ستصاب ب (سريسرا) في الحين….

  • عبد ربه
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:19

    أحسنت القول ونبهت لهذا الخطر المحدق بالمواطنين والسائحين

  • mimo
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:34

    شكرا جزيلا على هذا المقال للكاتب ولهسبريس. فعلا أصبحت هذه الساحة في خطر الزوال. كنت هناك منذ اسبوعين والمني كثيرا ما وصلت اليه هذه الساحة.

  • oudadesabdelghani
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:40

    التسيب والسيبة الى الفوضى فالافلاس.التطفل على كل الحرف والمهن ولا رقيب فكيف الحال مع زبناء وزوار المغرب من شماله الى جنوبه بالمناسبتين الإفريقية والعالمية تنضيميا

  • بهجاوي عتيق
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:47

    ساحة جامع لفنا مدرسة ثقافية بامتياز تعكس صورة المغرب التاريخية لذى يجب على المسؤولين إعادة هيكلة المكان المخصص لصريط بطريقة تناسب الرقي الزماني و المكاني لساحة جامع لفنا.

  • ياسين
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 10:48

    السائح الأجنبي إن لم يتعرف و لم يتذوق من قبل طعم الأكلات المغربية الأصيلة فلا يستطيع التميز بين ما يقدم في محلات الأكلات الأصيلة و الأطباق التي تقدم على شكل طبق سريع كأنها أطباق مغربية أصيلة في المحلات الشعبية خصوصا في جامع الفناء والتي في الحقيقة تسيئ للمطبخ المغربي الأصيل.

  • وما لا عين رأت ...
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 11:20

    بالإضافة الى “البائت والقديم وما لا عين رأت” فقد شاهدت أحد الباعة يصب ما تبقى من طبق احد الزبناء انتهى من الأكل الى “الكاميلا” التي امامه، “لتظفي” ربما “بنة أكبر” على ما عنده “يتمتع” به الزبون التالي …

  • عبد الله
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 11:25

    منذ سنوات تقريبا دخلت أنا وعاءلتي الي مطعم صغير يعني دكان لتناول أكلة كنت اظن أنها أكلة الطنجية.واذا بنا نري انها مجرد أكلة بها شيء من اللحم عادية ليس لها طعما لذيذا.وانما مرق مع شيء من اللحم.اتمني أن تتطور الأمور الي الأحسن حاليا.

  • خ F
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 11:39

    أتمنى أن تصل كلمات هذا المقال إلى المسؤولين في جهة مراكش وعمدة المدينة خصوصا، حتى نوقف مسلسل التطبيع مع ثقافة اللامبالاة والفوضى والمضايقات وتدني مستوى النظافة والإزدحام والضجيج والنشالين.
    وعلى الرغم من هته السلبيات تبقى ساحة جامع الفنا وجهة سياحية تربط الماضي بالحاضر وملتقى لمحبي الثقافة الأصيلة، وليست مطعما مفتوحا بعيدا عن المراقبة الإدارية سواء من ناحية الجودة أو الأسعار السياحية الخيالية.

  • إدريس الوردي
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 12:07

    لا أحد ينكر فضل ساحة جامع الفناء على مدينة مراكش الحمراء ،كما لا أحد ينكر ما آلت إليه الأوضاع الراهنة لهذه الساحة العريقة المشهورة دولياً،من باعة الأكلات الشعبية التي لا تمت بأي صلة للأكلات الشعبية المغربية،والتي كانت في الماضي تجدبنا لهذه الساحة والمدينة مراكش خاصة؛ولكن ما نأسف له كغيورين على سمعة بلدنا وسياحته هو الإقدام على اعتراض الزوار بشبه عنف غير مقصود،وتقديم أكلات غير شعبية ،زد على ذلك عدم ترقيم أصحاب المحلات ،وقلة مراقبة الجودة عند بعض الباعة،وقلة النضافة عند بعض آخر.أتأسف لكل هذا لأنني مغربي غيور على السياحة في بلدي الحبيب المغرب الجميل بكل ما فيه.

  • هشام متسائل
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 12:22

    صيغة جديدة لساحة جامع الفنا هو تنظيم مهرجان منتظم مثلا كل أسبوع أو كل شهر للفنانين الشعبيين أو للمبتدئين في فن الحكاية أو الموسيقى أو العروض الرياضية. يكون الدخول بثمن مناسب أو رمزي و في ظروف مناسبة للجميع سواء محليون أو أجانب
    أما مروضو الثعابين و الأفاعي و القرود فالذي لا يعرفه هؤلاء المروضون أن أغلبية السياح الأجانب يشمئزون من رؤية الحيوانات تعامل معاملة سيئة. فضلا على أنهم يساهمون في تدمير الطبيعة من خلال قنص تلك الحيوانات و إخراجها من بيئتها الطبيعية نحو بيئة لا تلائمها. و هنا أكثر من علامة استفهام حول رأي السلطات المختصة في حماية البيئة…

  • في جملة واحدة
    الأربعاء 29 ماي 2024 - 15:50

    اتمنى من مكتب المراقبة القيام بزيارات مفاجئة لمنازل اصحاب المطاعم بجامع الفنا او لاماكن اعداد الاكلات دون انذار مسبق
    اكيد سوف تجدون فيها العجب

  • مهتم
    الخميس 30 ماي 2024 - 09:17

    ما ينطبق على المطاعم العشوائية و مطاعم الرغيب و المزاوكة على لسان كاتب المقال، هناك ظاهرة اصحاب الجيلي الاصفر، او ما يطلق عليهم باردين الكتاف، الذين ينتشرون في ازقة و شوارع جل المدن المغربية حتى اضحى حارس لكل سيارة، فهل السلطة لا تراهم ؟ لا اظن ذلك،

  • Said
    السبت 1 يونيو 2024 - 16:52

    مراكش عموما يعرفها ابناءها . تغيرت كثيرا و عبر الاجيال ، يجب ويجب الرقابة .. فرض الفواتير لان ثمن علي ليس هو ثمن حميد . النظافة . الجودة و جودة الخدمات .وضع لائحة المأكولات مع الثمن و الوسائل سهلة و الردع بالإغلاق سوف ينهض بمراكش التي كنا نعرفها

  • ابن السبيل
    الأحد 2 يونيو 2024 - 11:23

    إعادة هيكلة ثقافية للساحة عبر إنعاش فنون القول والحكاية والحلقة وفنون الغناء الشعبي والامازيغي المغربي المتنوع و حذف استعراضات القرود والثعابين والشعوذة العلاجية والتي تسيء إلى صورة المغرب والمغاربة وتنشر الجهل والخرافة في العصر الرقمي

  • فريد
    الإثنين 3 يونيو 2024 - 09:28

    لإستقطاب السياح لابد من توفر شرطين: الخدمة الجيدة والنظافة، أما الأثمان فالعرض والطلب هما اللذان يحددانها. المغرب يشتكي من ضعف الخدمة في الفنادق والمطاعم والنقل السياحي بسبب ضعف تكوين شغيلة القطاع وترامي أي كان عليه بهدف الربح السريع.

  • كريم
    الإثنين 3 يونيو 2024 - 14:27

    أتمنى أن تقوم للجان المراقبة التي تراقب هذه الحنطات بزيارة أماكن طبخ وتحضير المأكولات التي تعرضها الحنطات المتواجدة بساحة جامع الفناء ؛ حيث حسب ما هو شائع بين الناس أن تحضير المأكولات من طرف بعض الحنطات يكون في محلات غير مرخصة وتفتقر إلى أدنى شروط الصحة والسلامة

  • Azizi
    الإثنين 3 يونيو 2024 - 18:28

    La restauration sur Marrakech est tellement nulle, aucune responsabilité, aucun contrôle j’ai jamais été sur Marrakech et j’ai bien mangé…

  • دايز
    الثلاثاء 4 يونيو 2024 - 17:01

    مباشرة بعد هده الحقبة بدوا رواد الحلقه يختفون اما الموت او السفر او البحث عن مصدر رزق اخر بدا اصحاب الماكولات يزحفون شيءا فشيئا بدا نوع الحلقة يتغير زحف اصحاب الغناء والفرجة الموسيقية ويكترون لان الحلقه اصبحت تتلاشى

  • الطعام يساوي الوطن .
    الثلاثاء 4 يونيو 2024 - 20:42

    في الماضي كان الحلايقية بمراكش في جامع الفنا فنانين بمعنى الكلمة ويبهرون الجميع بما لديهم من معارفةوأمثال مراكشية ناذرة وغير معروفة وكان لهم قبول خاص وثقافة مغربية أصيلة حيث كنا نجلس على الأرض الساخنة في أوقات الظهيرة لنتصت للأزليات وفي المساء للضحك ومع الأسف اختفوا وكذلك كانت المطاعم الشعبية الموجودة داخل القيسارية تقدم مأكولات شهية والمراكشيون كان أغلبهم بالجلابة واللباس التقليدي لكن حين زرت مراكش مؤخرا وجدتها قد تغيرت كثيرا ولم تعد لها تلك الروح التي كاانت تميزها حيث فقدت رجالاتها الذين كانوا يملءون مشهدها .

  • البعمراني
    الجمعة 7 يونيو 2024 - 10:31

    التخوف هو ما تم بناؤه خلال عقود ان يتم هدمع في يوم واحد. هذه الساحة أصبحت في خطر لأنها بذأت تفقد خصوصيتها .كيف ؟
    – قضية المطاعم الشعبية التي أصبحت تغزو المدينة القديمة ولا تحترم شروط السلامة
    – انتشار العديد من الباعة من جنوب الصحراء ،
    – الردجات النارية التي السياح وهذا بشهادتهم
    – اطفال يتسولون أو يبيعون في الساحة
    – واللائحة طويلة. لذا وجب تدارك الأمر ونحن مقبلون على تظاهرات عالمية

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة