تحل على المسلم مواسم وشهور كرمضان وأشهر الحج، فتتجدد الحاجة إلى ما من شأنه أن ينعش الروح، ويعلي من شأن المعنى الديني في النفوس، والتزود بما يعينه على الاستمرار في الحياة وفق ما يؤمن به من عقيدة وشريعة. وهي الحاجة التي تعمل الدولة على تلبيتها من خلال جهاز حكومي وإداري، جعل من مهمة التأطير الديني خدمة عمومية تقدم للمواطن كباقي الخدمات، جندت لها أطرا بشرية، وعدة فكرية ومعرفية، ومنصات رقمية للحفاظ على ثوابت الأمة، وكيان المجتمع الثقافي والحضاري.
انضباط المهام الوعظية والإرشادية للتعليمات الوزارية:
وتعد وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية ذراع الدولة و”جهازها الإيديولوجي” الموكول لها القيام بمهمة التوجيه ورسم خارطة طريق الواعظ في مخاطبته للمواطن، بإعداد برامج خاصة، تستجيب لحاجيات المسلم التعبدية والروحية في الشهر الفضيل، وتكوينه ومساعدته على أداء المناسك على أحسن وجه داخليا وخارجيا. إيمانا بما للدين من مكانة مركزية وحيوية في حياة المسلم، وانعكاس تعاليمه في مختلف سلوكاته. فدروس الوعظ والإرشاد بمختلف مساجد المملكة، وعبر مختلف وسائل الإعلام الجماهيرية، والمنصات الرقمية هو عمل لا تنقطع وتيرته، لكنها تتسارع بحلول هذه المواسم، يستفيد منها مواطنو الداخل كما مغاربة العالم، التي تزداد الحاجة إلى تحصينها ضد الملل والنحل التي تبتعد كثيرا أو قليلا عن التدين المغربي، وفق “الفقه المالكي، وعقيدة الأشعري، وطريقة الجنيد السالك”، كما ينص على ذلك الظهير الشريف 28 أبريل 1976 الذي جاء فيه: “العمل على رفع مستوى رعايانا المسلمين والنهوض بهم، للقيام بتبعات هذا العصر، وتحصينهم وحمايتهم من المخالفة لمبادئ الدين الحنيف”. هذا العصر الذي لا يعرف الثبات والسكون على حال، فوجب تغيير المقال، بما يرفع تحديات وإكراهات المعيش اليومي، وما يطرحه من تحديات اقتصادية وثقافية…. والوعي بها هو ما سيدفع الوزارة إلى الانتقال من الحديث عن الوعظ والإرشاد، إلى الحديث عن التكوين والـتأطير كما سيرد في ظهير 8 نونبر 1993، وهو انتقال تحكمت فيه عوامل تربوية وحضارية وسياسية و… في زمن تعدد فيه اللاعبون ليس في الحقل الديني فقط، بل في كل الميادين، بفعل الثورة المعلوماتية، وما أتاحته من فرص للكل من إمكانية خلق المنابر وبث الرسائل في كل الاتجاهات، في انفلات تام من كل الضوابط المتعارف عليها.
الرسالة الدينية بين القناتين الواقعية والافتراضية:
من نافلة القول إن الإنترنيت فرض على الإنسان اتخاذه أداة أساسية في بث المعلومات واكتسابها، وفي التكوين والتأطير واكتساب المهارات… فلا غنى عنه سواء في التدريب أو الترفيه والتثقيف. وهذا ما أتاح للإنسان الارتباط بالثقافات الإنسانية أنى وجدت، اضمحلت أمامها الخصوصيات الحضارية، والقيم ذات الأبعاد المحلية، فأصبح “المواطن الرقمي يعيش بهويات متعددة” (عبد الله النجار). يصعب عليه خوض تواصل إيجابي، يوازن بين خصوصيته والانفتاح التام على العالم، بما يعرفه من واقع ديني متعدد، يزاحم وينافس هويتنا الدينية. فالإنترنيت جامعة مفتوحة للتبادل المعرفي والثقافي والعقائدي بين رواده، الشيء الذي يطرح على الواعظ والمؤطر الديني تحديات لم تطرح من قبل.
لقد قضت الثورة الاتصالية على أشكال عديدة من الممارسات التقليدية، منها التوجيهية والتربوية. فلم يعد أمر ترسيخ الهوية الدينية موكولا إلى الأطر البشرية الذين تجندهم الوزارة، ويتحلق الناس حولهم في المساجد لتحصين الذات من كل غريب وافد. وهو الأسلوب الذي أدى دوره باقتدار كبير قبل الزمن الرقمي المتخطي لكل الحواجز والحدود، الذي يجعل الثقافات كما المعارف تتنقل بين المجالات الزمانية والمكانية لا يحول بينها وبين المتلقي وخصوصا الشباب حائل، فينشأ الصراع بين القيم الأصلية والأجنبية، الشيء الذي يخلخل أركان ما نشأ عليه من عقيدة، ويبعث الحيرة والتساؤل حول صدقيتها وثباتها، ويهدد مجمل التصورات الدينية التي تسعى المؤسسات التقليدية من أسرة ومسجد ومدرسة و…. إلى ترسيخها، والتي تعد عامل أمن روحي واستقرار اجتماعي، ما دام مؤطرا وفق رؤية مجتمعية للعالم والعلاقات الإنسانية تعمل التنشئة الاجتماعية على استدامتها.
يؤكد الكثيرون أن الواقع الرقمي فتح المجال لمؤثرين افتراضيين دون شروط مسبقة ينبغي توفرها فيهم، تصدروا المشهد الوعظي الإرشادي قبل “أوانهم”، مستغلين الإمكانيات التي يتيحها هذا الفضاء، الخارج عن سلطة الرقابة التقليدية، والعابر للآفاق والأزمان، لبث محتويات تفتقد إلى الكثير من الأمانة العلمية والصرامة المنهجية والنزاهة الأخلاقية، فعلت أسهمهم عوض “هوانهم”. فساهموا في بناء هويات دينية تتأرجح بين أصولية، وأخرى منفتحة، وثالثة مختلطة. مستغلين مواقف الشباب الإيجابية من الإنترنيت، حيث لا يتصورون الحياة خارج تغطية صبيبه. فاحتلت مواقع التواصل الاجتماعي جزءا مهما من حياتهم اليومية، للتحصيل المعرفي والتبادل الثقافي، الذي يعد الدين جزءا أساسيا ضمن ما يتم تداوله، والذي اختلط “غثه بسمينه” في كثير من الحالات، فابتعد مسافات عن الرؤية والتنشئة الاجتماعية التي توارثتها الأجيال للكون والإنسان. فتوارى أسلوب الحلقات الوعظية المباشرة، الذي أكسب مناعة عقدية ومقاومة تشريعية لكل وافد غريب، حفاظا على وحدة الهوية الدينية. لم يعد قادرا على منافسة التأطير الرقمي وعن بعد، لما يملك من قوة تأثيرية، تستطيع أن تنفذ إلى عمق الإنسان، تخاطب عقله ووجدانه في آن، مستفيدة من ما توصلت إليه العلوم الإنسانية نفسية واجتماعية في الظفر بقلوب البشر قبل عقولهم، الملمة بمفاتيح وأسرار الإدراك البشري وتوجيهه واستمالته إلى حيث تريد، مازجة بين الجد والهزل، بأسلوب تشويقي مرح، في تناقض بينه وبين الخطب الصارمة رسائلها، فجدها جد، وهزلها جد.
خاتمة:
فيمكن الإقرار بغير قليل من الاطمئنان، أن الحقل الديني لم يسلم من الانقلاب الذي أحدثته الثورة الاتصالية في العلاقات الاجتماعية، والمعاملات الإدارية، والطرائق البيداغوجية. لم يسلم مجال من حمم بركان وادي السيليكون، الذي أصبح إكسير الحياة ومادتها الحيوية التي لا تستقيم بدونه. فالإمكانيات التي يتيحها في التعامل مع ما يقذفه من منشورتها سر جاذبيته، حيث تنقل المتلقي من التلقي السلبي إلى التلقي المتفاعل وإن ظاهريا. وهو الأمر الذي فتح المجال للاعتراض على التعاليم والقيم الدينية التي لا تناسب هوى المرء أو مصالحه، بشكل فج وساخر وبجرأة غير مسبوقة، تلقى تفاعلا وتشجيعا من الأقران وبعض النخب التي نالت لقب القيادة المجتمعية، ظاهرها المنطق وما توصلت إليه العلوم من حقائق، وباطنها الجهل بالدين والعلم معا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.