يشهد قطاع التربية والتكوين في المغرب، في الآونة الأخيرة، انفجارًا غير مسبوق في كمّ البيانات والبلاغات، إلى حدّ تحوّلت الوثيقة التواصلية إلى سلاح رمزيّ يُشهر في وجه الآخر، بدل أن تظل أداةً للإصلاح والاقتراح. وهكذا أصبحت الساحة التربوية مسرحًا للتصيّد المتبادل للأخطاء: كلّ طرفٍ يجتهد في نثر الملح على جُرح الآخر، غير واعٍ بأنه يُحدث ثغرة إضافية في القارب المشترك الذي يقلّ الجميع.
هذه الوضعية تؤكّد بالملموس أن «تضخّم الخطاب داخل المؤسسات لا يعكس بالضرورة تعدديةً صحيّة، بل قد يكون علامةً على اختناقٍ تواصلي ناجم عن غياب إطارٍ تشاركي منظّم».
لقد تراجعت لغة الإصلاح التشاركي لصالح منطق الفضح والتشهير. كل فئة أضحت ترى نفسها «ضحيةً»، وتختزل الآخر في «عائق» أمام العدالة المهنية، فتتضخّم الأنا الفئوية على حساب المصلحة العامة. لذلك علينا أن نعي أنه «حين تنتفي الثقة داخل المؤسسات، تُختزل العلاقات إلى تدافعٍ بين مصالح، لا إلى تفاوضٍ بين رؤى».
المؤلم أن بعض البيانات باتت تلجأ إلى أساليب تُناقض أخلاقيات النقاش، حيث نجد:
لغة التجريح الشخصيّ بدل النقد البنّاء.
التسريب الانتقائي لوثائق داخلية، أحيانًا خارج سياقها، بهدف تشويه السمعة.
نُصرة المنتمي إلى الفئة ظالمًا أو مظلومًا؛ وهو ما تؤكده نظرية الهوية الاجتماعية، حيث «يميل الأفراد إلى تفضيل جماعتهم حتى في أبسط شروط التفاعل الاجتماعي».
هذه النزعة تُشوّه الحقيقة وتُبعد الرجاحة عن إدارة الصراعات، لأن الانحياز الأعمى يطمس الوقائع ويُنتج قراءة متحيّزة لكل حدث. ومع تراكم حلقات التشويه، يصبح من الصعب استرجاع الثقة أو تبنّي روايةٍ مشتركة للوقائع. فنجد أنفسنا أمام «تواصل غير مهني، مدفوع بالرغبة في النيل من السمعة أمام الرأي العام»، وهو ما يخلق أثرًا ارتداديًّا يلوّث صورة المؤسسة كلّها، لا صورة الخصم وحده.
لنكن صادقين مع أنفسنا: إن التشكيك المتبادل بين مكونات الأسرة التعليمية يُنتج، حتمًا، هجرةً رمزية جماعية من المهنة، ويُغذّي اللامبالاة والانكفاء. وبذلك، تنهار سمعة المنظومة التعليمية في نظر المجتمع، وعندئذ لا ينجو أحد: لا الموظف، ولا الإدارة، ولا التمثيليات المهنية. «حين تفقد المدرسة هيبتها أمام المجتمع، تفقد قدرتها على أداء وظائفها الرمزية في إنتاج المعنى الاجتماعي».
إنها دعوة صادقة نحو تخليق الحوار المهني والتربوي، من خلال تجديد عقدٍ أخلاقيّ بين الفاعلين، يميّز بين النقد والتشهير، وبين المطالبة بالحقوق و«التخوين». لأن الإصلاح الذي ننشده لا ينجح إلا بانخراط الجميع، في ظل بيئة وظيفية آمنة، يسودها الاحترام والثقة المتبادلة.
ولإحياء هذه الثقة التي بدأت تخفت في الآونة الأخيرة، يقتضي من كل الفاعلين التربويين التزامًا أخلاقيًا، يستند إلى أربعة التزامات رئيسة:
الامتناع عن اللغة الحادّة أو الشخصنة.
التحقّق من المعطيات قبل نشرها.
احترام حقّ الردّ ضمن أزمنةٍ معقولة.
معالجة الخلاف ضمن قنوات وساطة، قبل اللجوء إلى البيانات العلنية.
وختامًا، إنّ تناسل البيانات ينبغي أن يكون حافزًا لتجويد النقاش، لا لتقويضه. فالمدرسة فضاءٌ لبناء معنىً مشتركٍ ومستقبلٍ مشترك؛ وإذا بدأ القارب يتعرّض للثقوب، فإنّ الحكمة تقتضي أن نتعاون على ترميمه بدل التراشق داخله. فالضرب تحت الحزام قد يحقّق مكسبًا آنيًّا لجماعةٍ ما، لكنه يُغرق الجميع في النهاية.
أثمّن عاليًا هذا المقال العميق الذي يلامس جوهر الأزمة التواصلية داخل منظومة التربية والتكوين، ويكشف بأسلوب رصين وواعٍ عن مخاطر تسييس الخطاب وتغليب الانتماء الفئوي على المصلحة العامة. شكراً لصاحب النص على هذا التشخيص الجريء والدعوة الصادقة إلى تخليقm النقاش واستعادة الثقة، وهي خطوة ضرورية لإصلاحٍ حقيقي ينطلق من الداخل.
تحليل دقيق، لما يجري داخل البيئة التعليمية خصوصا على مستوى العلاقات المهنية، توفق صاحبه في الطرح والاقتراح.
قضية التربية والتكوين بالمغرب هي أكبر من أن نختزلها في تدبير التواصل لين الفرقاء ، وهي ذات حمولة كبيرة ، من الممكن مقاربتها مقاربة شمولية متعددة المستويات ، التخطيط والحقوق والحكامة والمخرجات والتغذية الراجعة ، مع اﻷسف هناك تقارير أو باﻷحرى دراسات على الرفوف ، تشخص بدقة عالية مكامن الضعف في هذا القطاع ، ولماذا كان دوما فاشلا على مدار عقود خلت ، لكن ربما سنعثر على “البيروقراطية” كآفة هددت التعليم والتكوين في كل مراحله ، عدى كثرة الفرقاء المتدخلين ، كالهيئة العليا للتربية والتكوين ، والوزارة الوصية واﻷكاديميات والمديريات ، التربية والتكوين مشروع مجتمعي يتحتم أن ينخرط في تدبيره هؤلاء لكن بتناسق تام مع اﻷهداف بعيدة المدى ، ولذا فعلاجه أو باﻷحرى اقتراحه أن يكون خاضعا لمجهود “إنشائي” بسيط، سلمات
خلاصة الكلام:
“وبذلك، تنهار سمعة المنظومة التعليمية في نظر المجتمع، وعندئذ لا ينجو أحد: لا الموظف، ولا الإدارة، ولا التمثيليات المهنية. «حين تفقد المدرسة هيبتها أمام المجتمع، تفقد قدرتها على أداء وظائفها الرمزية في إنتاج المعنى الاجتماعي».
“إذا بدأ القارب يتعرّض للثقوب، فإنّ الحكمة تقتضي أن نتعاون على ترميمه بدل التراشق داخله. فالضرب تحت الحزام قد يحقّق مكسبًا آنيًّا لجماعةٍ ما، لكنه يُغرق الجميع في النهاية.”
أتمنى أن يجد صدى لدى كل الفاعلين التربويين، حتى لا يغرق القارب
يسلط الضوء الدكتور رشيد شاكري ببلاغة على الأزمة التواصلية في القطاع التربوي و يعكس الواقع المؤلم الذي يعيشه القطاع،كما يكشف بذكاء التحولات السلبية التي يشهدها الخطاب التربوي مما يسلتزم تفعيل الوساطة كأداة أساسية لإدارة الصراعات،و إعادة بناء الثقة وضمان بيئة نفسية تربوية أكثر حبورا و اشراقا.