التطبيع المغربي- الإسرائيلي

التطبيع المغربي- الإسرائيلي
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:13

1

ليس من اليسير اختزال التطبيع المغربي مع إسرائيل في موقف أخلاقي مجرد، كما لا يستقيم اختزاله، في المقابل، في حساب براغماتي منفصل عن التاريخ والذاكرة والضمير السياسي للمجتمع المغربي. فالتطبيع، في الحالة المغربية، ليس واقعة دبلوماسية معزولة؛ وإنما هو قرار نشأ عند تقاطع المصلحة الوطنية، والتحولات الجيوسياسية، وقضية الصحراء المغربية، وإعادة ترتيب التحالفات الدولية في شمال أفريقيا، واحتدام الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومن ثم، فإن المقاربة العلمية تقتضي التمييز بين مستويين متلازمين: مستوى تفسير القرار المغربي في سياقه الاستراتيجي، ومستوى مساءلته سياسيًا وأخلاقيًا. ففهم دوافع الدولة لا يعني بالضرورة المصادقة على خياراتها، كما أن الاعتراض على خيار سياسي لا يستلزم إنكار الشروط التي أنتجته.

2

لقد جاء استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020 ضمن إعلان ثلاثي مغربي أمريكي إسرائيلي، وتزامن مع إعلان الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء المغربية. وتنص الوثيقة الثلاثية الموقعة في الرباط على افتتاح عهد جديد في العلاقات بين الأطراف، فيما تضمنت الوثيقة الأمريكية الخاصة بالصحراء إعلان الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على كامل الإقليم.⁠

ومن هذه الزاوية، يصعب قراءة القرار المغربي بمعزل عن البنية الجيوسياسية لشمال أفريقيا: قضية الصحراء، والنزاع المغربي الجزائري، والتحولات الأمنية في الساحل، وتزايد أهمية الموقع المغربي في المجالين المتوسطي والأطلسي، فضلًا عن التحولات التي طرأت على طبيعة التحالفات الدولية. وهذه كلها عناصر لا تبرر القرار في ذاتها، لكنها تساعد على تفسير منطق الدولة الذي حكمه.

3

غير أن استحضار منطق الدولة لا ينبغي أن يقود إلى طمس حقيقة الاحتلال أو إلى تحييد المسؤولية الإسرائيلية عن المأساة الفلسطينية. فالعلاقات الدبلوماسية لا تمحو التاريخ، والمصلحة الاستراتيجية لا تعيد تعريف الوقائع الأخلاقية والقانونية. وقد كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة، منذ أكتوبر 2023، عن حجم هائل من الدمار والخسائر البشرية، وعن أزمة إنسانية دفعت المؤسسات القضائية الدولية إلى التدخل. وأصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.

ولذلك فإن النقد الصارم للسياسات الإسرائيلية يمكن أن يستند إلى وقائع قانونية وإنسانية موثقة، بدل الاكتفاء بالخطابة. ويمكن وصف الممارسات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، وتلحق أضرارًا واسعة بالمدنيين والبنية المدنية، بأوصاف نقدية شديدة، دون تحويل النقد السياسي إلى تعميمات دينية أو إثنية.

والأمر نفسه ينطبق على الصهيونية بوصفها تيارًا سياسيًا عنصريا؛ إذ يمكن إخضاع منطلقاتها وممارساتها للنقد الفكري، ولا سيما ما يتصل بالاستيطان، وبناء أنماط غير متكافئة في السيطرة على الأرض والحقوق، وبالتمييز في توزيع المجال والسيادة. أما اختزال اليهود في الصهيونية، أو تحميل جماعة دينية بأكملها مسؤولية سياسات دولة، فذلك خروج عن مقتضيات النقد العلمي ذاته.

إن نقد الصهيونية لا يحتاج إلى معاداة اليهود، ( فأسيدون والسرفاتي وغيرهما مناهضون للصهيونية )، كما أن إقامة علاقات مع إسرائيل لا ينبغي أن تعني الصمت عن الاحتلال. وبين هذين الحدين يتشكل الموقف العقلاني.

4

لعل إحدى أكثر الوقائع دلالة في التجربة المغربية أن قرار استئناف العلاقات مع إسرائيل اتخذته حكومة يقودها سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة آنذاك والأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية. هذه الواقعة تستحق القراءة بعيدًا عن التشهير الحزبي؛ لأنها تكشف التوتر البنيوي بين منطق الحركة السياسية ومنطق الدولة. فالحزب السياسي يستطيع أن يبني مواقفه، في مرحلة المعارضة، على منظومة قيمية وأيديولوجية واضحة؛ لكن انتقاله إلى موقع ممارسة السلطة يضعه أمام منظومة أخرى من المحددات: السيادة، والتحالفات، والأمن، والاقتصاد، والمصالح الاستراتيجية، والعلاقات الدولية.

وهنا تكمن أهمية التجربة المغربية: فقد أظهرت أن الدولة أكثر تركيبًا من الحزب، وأن ممارسة السلطة تفرض على الفاعل السياسي إعادة ترتيب علاقته بين المبدأ والمصلحة.( راجع حوارات مصطفى الرميد وعزيز الرباح، ولا نغلق اللائحة). وليس المقصود من استحضار هذه المفارقة إدانة حزب العدالة والتنمية أو تبرئته، وإنما الكشف عن حقيقة سياسية أعمق: الأفكار تُختبر حين تنتقل من فضاء المعارضة إلى فضاء القرار. وهذا أحد أهم دروس السياسة الحديثة؛ إذ لا يمكن إدارة الدولة بالمبادئ المجردة وحدها، كما لا يمكن تحويل «المصلحة الوطنية» إلى مفهوم مطلق يعفي السلطة من المساءلة.

5

إن وضع التطبيع في سياقه المغربي يقتضي كذلك الاعتراف بأن قضية الصحراء المغربية ليست عنصرًا هامشيًا في السياسة الخارجية للمملكة. فقد تزامن الإعلان الثلاثي سنة 2020 مع الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، وهو ما أعاد ترتيب جزء من البيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها المغرب.

ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل، بصورة أكثر علمية من مجرد سؤال «مع التطبيع أم ضده»: ما موقع التطبيع ضمن الاستراتيجية المغربية الأوسع؟ وهل استطاع أن ينتج مكاسب دبلوماسية وأمنية واقتصادية متناسبة مع الكلفة السياسية التي ترتبت عنه؟ وما حدود الاستفادة من العلاقات الإسرائيلية في خدمة المصالح المغربية؟ هذه الأسئلة لا تفترض الإجابة مسبقًا؛ بل تجعل القرار موضوعًا للتقييم المستمر. كما أن التحولات التي عرفتها منطقة الساحل، وتزايد التنافس الدولي على شمال أفريقيا، والتوترات المغربية الجزائرية، وإعادة تشكيل المجال المتوسطي والأطلسي، تجعل السياسة الخارجية المغربية أكثر ارتباطًا بمفهوم تنويع الشراكات وعدم الارتهان إلى محور دولي واحد. لكن تنويع الشراكات لا ينبغي أن يتحول إلى تنويع في مصادر الصمت؛ فالعلاقة الاستراتيجية لا تقتضي تعطيل القدرة على النقد.

6

في المقابل، ينبغي تحرير القضية الفلسطينية من محاولات احتكارها أيديولوجيًا. ففلسطين ليست ملكًا حصريًا للقوميين أو اليساريين أو الإسلاميين، كما أن الدفاع عنها لا يتطلب الانتماء إلى مدرسة أيديولوجية بعينها. إنها، قبل كل شيء، قضية شعب وحقوق وأرض وسيادة وكرامة إنسانية. ولهذا ينبغي الفصل بين مستويين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الأول هو الحق الفلسطيني، وهو حق يمكن الدفاع عنه سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا؛ والثاني هو توظيف هذا الحق داخل الصراع الأيديولوجي العربي والإقليمي.

إن نقد التوظيف الأيديولوجي للقضية لا يعني بأي شكل من الأشكال التقليل من عدالة القضية نفسها. بل قد يكون العكس هو الصحيح: فكلما تحررت فلسطين من الاستخدام الدعائي، أمكن استعادتها باعتبارها قضية سياسية قابلة للمعالجة العقلانية، لا مجرد رمز تستمد منه التيارات المختلفة شرعيتها.

ومن هنا أيضًا ينبغي التمييز بين الاحتجاج المدني المشروع وبين استثمار المعاناة الإنسانية في المزايدات السياسية أو في إنتاج خطاب التخوين. فالاحتجاج حق، والتضامن واجب أخلاقي بالنسبة إلى كثيرين، لكن تحويل المأساة إلى أداة لإلغاء الآخر لا ينتج سياسة، وإنما يعيد إنتاج الاستقطاب.

7

تكتسب اتفاقات أوسلو وإعلان برشلونة أهميتهما في هذا السياق لأنهما ينتميان إلى لحظة تاريخية حاولت نقل الصراع من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التفاوض والتعاون السياسي.

فإعلان المبادئ الموقع في 13 سبتمبر 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أرسى إطارًا للمرحلة الانتقالية والحكم الذاتي الفلسطيني، ونص على أن مفاوضات الوضع النهائي ستتناول القضايا الأساسية المؤجلة. أما إعلان برشلونة، الموقع في نوفمبر 1995، فقد أسس للشراكة الأورومتوسطية، بمشاركة الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط، ومن بينها المغرب وتونس وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، وجعل الحوار السياسي والأمني والتعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ركائز لهذا الإطار. كما أعلن المشاركون دعمهم لتسوية عادلة وشاملة ودائمة للصراع في الشرق الأوسط على أساس قرارات الأمم المتحدة.

ولا ينبغي، بطبيعة الحال، تحميل أوسلو وبرشلونة أكثر مما يحتملان تاريخيًا؛ فهما لم يحسما الصراع ولم ينتجا التسوية النهائية. لكن دلالتهما تكمن في التأكيد على أن القضايا الكبرى لا تجد طريقها إلى الحل إلا عندما تنتقل من المجال التعبوي إلى المجال السياسي والمؤسسي والتفاوضي.

ومن هنا تظل مركزية القرار الفلسطيني والإسرائيلي عنصرًا لا غنى عنه، مع الاعتراف بأن أي تسوية مستدامة تحتاج كذلك إلى دعم عربي ودولي وضمانات دولية وآليات تنفيذية قادرة على تحويل الاتفاقات إلى وقائع.

8

إن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس ما إذا كان التطبيع قد حدث؛ فقد حدث، وإنما كيف ينبغي إدارته سياسيًا واستراتيجيًا وأخلاقيًا؟

يمكن للمغرب أن يحتفظ بعلاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل، وأن يديرها وفق مصالحه الوطنية، دون أن يعني ذلك تبني السياسات الإسرائيلية أو التخلي عن الموقف من الحقوق الفلسطينية.

بل إن القيمة السياسية لأي علاقة دبلوماسية تكمن، جزئيًا، في قدرتها على إنتاج قنوات للتأثير والحوار والضغط، لا في تحويلها إلى تطابق في الرؤى.

وعليه، فإن معيار السياسة الخارجية الناضجة لا ينبغي أن يكون عدد الاتفاقات التي توقعها الدولة، وإنما قدرتها على تحويل علاقاتها الدولية إلى أدوات لحماية مصالحها، والدفاع عن ثوابتها، وتوسيع هامش حركتها، مع الاحتفاظ بقدرتها المستقلة على النقد والمساءلة. وهنا تحديدًا ينبغي أن يكون الموقف المغربي من الحرب والاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية واضحًا، لا ملتبسًا ولا تابعًا لمنطق العلاقة الثنائية.

9

إن القيمة الحقيقية للنقاش حول التطبيع، في نظري، لا تكمن في إعادة إنتاج الانقسام بين مؤيد ومعارض، وإنما في تحرير العقل السياسي من اليقينيات المغلقة. فمن الخطأ أن يتحول الاعتبار الاستراتيجي إلى مبرر دائم، كما أنه من الخطأ أن يتحول الموقف الأخلاقي إلى إعفاء من فهم الجغرافيا السياسية.

المغرب دولة لها مصالحها وإكراهاتها، وقضية الصحراء المغربية جزء أساسي من محددات سياستها الخارجية؛ وإسرائيل دولة تمارس سياسات يمكن إخضاعها للنقد السياسي والقانوني والأخلاقي؛ وفلسطين قضية شعب وحقوق لا يجوز اختزالها في أي أيديولوجيا؛ والتطبيع قرار سياسي ينبغي أن يظل خاضعًا للمساءلة، لا عقيدة دبلوماسية مغلقة.

ومن ثم، فإن الموقف الأكثر نضجًا ليس الذي يختار بين المصلحة والمبدأ، بل الذي يبحث عن إمكانية التوفيق بينهما: حماية المصالح الوطنية المغربية دون التفريط في القدرة على النقد، والحفاظ على العلاقات الدبلوماسية دون تحويلها إلى صمت سياسي، والدفاع عن فلسطين دون احتكارها أيديولوجيًا، ورفض الاحتلال والانتهاكات دون السقوط في التعميمات العنصرية أو الدينية.

تلك هي مهمة المثقف في زمن المؤثر : أن يفهم الواقع دون أن يستسلم له، وأن يدافع عن المبدأ دون أن يعميه عن الواقع، وأن يحوّل الدبلوماسية من غاية في ذاتها إلى أداة لخدمة الإنسان والدولة والسلام والعدالة.

10

إن فلسطين ليست قضية نتساجل حولها، بل شعبا ينبغي أن نفكر فيه، فلننصت لمحمود درويش في قصيدته 3فكر بغيرك3> لعلها خلاصة إنسانية لما يقتضيه زمن تتسع فيه دائرة العنف.

“وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ وأَنتَ تُسدِّذُ فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ مَنْ يرضَعُون الغمامْ وأَنتَ تعودُ إلى البيت، بيِتكَ، فكِّرْ بغيركَ لا تنس شعب الخيامْ”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حفل اليوم السعودي بالرباط
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 23:58 1

حفل اليوم السعودي بالرباط

صوت وصورة
"فلامات" الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 22:41

"فلامات" الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
بنعتيق في "دوار الكورة"
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:58 2

بنعتيق في "دوار الكورة"

صوت وصورة
قواعد الانتخابات التشريعية
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 20:06 1

قواعد الانتخابات التشريعية

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 19:00

أبعاد استراتيجية | دبلوماسية الجزائر على المحك

صوت وصورة
حملة مرشح "الأحرار" في مديونة
الثلاثاء 22 شتنبر 2026 - 18:53 3

حملة مرشح "الأحرار" في مديونة