يندرج مشروع إحداث أقطاب جهوية للتعمير تحت مسمى الوكالات الجهوية في إطار تنزيل الجهوية المتقدمة كاستراتيجية وطنية، تهدف إلى إعادة صياغة المشروع السياسي والإداري للبلاد وكأفق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والترابية. ولهذا المشروع سياقات دستورية وقانونية تتقاطع مع مكونات مؤسساتية جهوية ومحلية، ويأتي للإجابة على إشكالات ترابية وتنموية راهنة ومستقبلية. هذه السياقات هي التي تؤطر مشروع التأسيس للتجربة الجديدة ورهاناتها، مما يتطلب تبني مقاربات جديدة تجعل مساهمة منظومة التعمير مساهمة نوعية في إنجاح الجهوية المتقدمة.
سياقات التأسيس:
يأتي مشروع إحداث وكالات التعمير الجهوية في إطار تكريس دستور 2011 للامركزية حيث تتبوأ الجهة مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع مشاريع التنمية الجهوية وإنجاز التصاميم الجهوية لإعداد التراب حسب منطوق الفصل 143من الدستور الجديد.
وتماشيا مع ذلك، ترجمت الدولة إرادتها في مواكبة طموح النص الدستوري في تنزيل الجهوية من خلال إصدار الميثاق الوطني للاتمركز الإداري، ليتجاوب مع الدور الذي خولته الوثيقة الدستورية لمؤسسة الوالي والعمال. فقد نص الفصل 145 من هذه الوثيقة على أن ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم يمثلون السلطات المركزية على الصعيدين الجهوي والمحلي، ويقومون بتنسيق المصالح غير الممركزة ويسهرون على حسن تدبيرها. كما أناط بهم مساعدة رؤساء المجالس الترابية على تنفيذ مخططات وبرامج التنمية.
كما أتاح ميثاق اللاتمركز الجديد لمختلف القطاعات الوزارية نقل مجموعة مهمة من اختصاصاتها لمصالحها الجهوية وذلك تكريسا لإرادة الدستور في تقوية اللامركزية كاختيار استراتيجي للتنظيم الإداري للمملكة.
ومن ثمة، فإن وكالات التعمير الجهوية مطالبة، وبتعاون مع المصالح الخارجية للوزارات المعنية، بمصاحبة عمل مؤسسة الوالي والعمال ورؤساء الجماعات الترابية في تنفيذ مخططات التنمية الترابية من خلال تعبئة أدوات اشتغالها، خاصة وثائق التعمير، لتنزيل أهداف المخططات التنموية وذلك في إطار احترام القوانين والمساطر التي تؤطر عمل هذه الوكالات.
رهانات التأسيس:
إن مشروع إحداث الوكالات الجهوية للتعمير لا يجب أن يكون فقط إصلاحا مؤسساتيا يقتصر على تجميع الوكالات الحضرية وإدماجها على الصعيد الجهوي، بل يجب أن يكون مناسبة لإعادة النظر في طرق اشتغال هذه المؤسسات، وفي منهجيات تدخلاتها لتساهم في تحقيق رهان إنجاح تنزيل الجهوية المتقدمة، وأن يصبح منطق تفكيرها جهويا وترجمة عملها محليا Penser Régionalement et Agir Localement. والهدف من وراء ذلك مواكبة تنزيل الأوراش الكبرى للدولة على الصعيد الجهوي، خاصة المخططات الاستراتيجية ذات البعد الجهوي والمحلي مثل النموذج التنموي الجديد، الميثاق الوطني للاستثمار، برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وكذا مختلف البرامج القطاعية ذات البعد الترابي (الفلاحة، الصناعة، السياحة، السكن، حماية الثروات الطبيعية، الحد من انعكاسات التغير المناخي والكوارث المرتبطة به…).
كما أن مؤسسات التعمير مطالبة كذلك بمساعدة ومواكبة الجماعات الترابية لبلوغ أهدافها في إنجاز مخططاتها التنموية الجهوية والمحلية، ويبقى هذا من صميم مهاهما كما ينص على ذلك ظهير 1993 المحدث للوكالات الحضرية.
نحو مقاربة جهوية للتعمير:
لقد راكمت الوكالات الحضرية تجربة كبيرة ومتنوعة في ميادين التخطيط الحضري من خلال تغطية جل التراب الوطني بوثائق تعمير ذات طبيعية مختلفة. لكن طغيان المقاربة التقنو-قانونية جعل هذه الوثائق في بعض الأحيان غير قادرة على مسايرة الديناميات المجتمعية سواء في بعدها الاقتصادي أو في تمظهراتها الاجتماعية. لذا، فإن إحداث الوكالات الجهوية للتعمير يعد فرصة لإعادة النظر في طرق اشتغال هذه المؤسسات وتحقيق انتقال نوعي في منهجية تدخلاتها، من أجل مسايرة التحولات السوسيومجالية الراهنة والمستقبلية من جهة، ومن جهة أخرى الاندماج في المنظومة الجهوية وفق فلسفة دستور 2011 وأهداف الميثاق الوطني للاتمركز من أجل المساهمة في إنجاح ورش الجهوية المتقدمة.
وتأسيسا على ما سبق، فإن مراجعة مفاهيم ومنهجيات ومقاربات الاشتغال تعد الحلقة الأساسية لانتقال نوعي لعمل منظومة التعمير جهويا وذلك من خلال:
– جعل وثائق التعمير حاضنة لمخططات التنمية الجهوية والمحلية وآلية لتنزيلها ترابيا خصوصا إذا علمنا أن القانون قد خول لها هذه الصلاحية خاصة تصاميم التهيئة التي يعتبر النص الموافق عليها بمثابة إعلان المنفعة العامة حسب المادة 28 من القانون 12-90 المتعلق بالتعمير، كما أن المادة 9 من القانون نفسه، تلزم الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العامة التقيد بتنفيذ مخطط توجيه التهيئة العمرانية والامتثال لأحكامه حال المصادقة عليه.
– قدرة وثائق التعمير على الربط بين جميع المستويات الترابية Echelles territoriales خاصة المستويين الجهوي والمحلي. ومن ثمة، فإن إدراج مخططات التنمية الجهوية والمحلية في المشاريع الترابية لوثائق التعمير سيمكن الجماعات الترابية من تنزيل مخططاتها في إطار مشاريع مندمجة ومتكاملة مع مشاريع الدولة. كما يتيح لها كذلك إمكانية إبرام تعاقدات في ما بينها (الجهة – الجماعة) أو بينها وبين الدولة (الدولة – الجهة – الجماعة) لإنجاز مشاريعها المبرمجة. وسيحقق ذلك الانتقال من المفهوم الضيق لوثائق التعمير كمرجعية لتدبير رخص البناء وتوزيع القيمة المضافة على العقارات إلى مفهوم أوسع يرتقي بها لتصبح آلية نموذجية لتحقيق التنمية الترابية الجهوية والمحلية.
– إمكانية استثمار المرونة التي تتيحها قوانين التعمير سواء قانون 12-90 المتعلق بالتعمير أو قانون 1960 الخاص بتنمية المراكز القروية. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى المادة 19 من قانون التعمير التي تتيح إمكانية منح الاستثناء عند تقديم مشروع استثماري كبير إذا تم تكييفها مع اهداف الميثاق الجديد للاستثمار. كما يمكن تفعيل المادة 26 من القانون نفسه من أجل إدخال تعديل جزئي أو كلي على تصميم التهيئة لمسايرة المستجدات في ميدان الاستثمار دون انتظار انتهاء مدة صلاحية الوثيقة المعنية.
– وجوب التمييز بين المجالات الترابية التي تكون موضوع تدخلات مؤسسات التعمير، حيث لا يمكن مقاربة ديناميات المجالات المترو بوليتيه Territoires métropolitains للتجمعات الحضرية الكبرى بنفس الرؤية وبنفس القوانين والوثائق التي تعالج بها المجالات الحضرية المتوسطة والصغرى، الساحلية أو الداخلية، الجبلية أو تلك الواقعة بالمناطق المنبسطة أو الصحراوية. لذا يجب خلق أقطاب متخصصة داخل وكالات التعمير تشتغل وفق خصوصيات المجالات الترابية وحسب نوعية انتظاراها وطموحاتها، على غرار مشروع إحداث أقطاب خاصة بالعالم القروي الذي تروم تنزيله الوزارة الوصية على القطاع. وعلى ذكر العالم القروي، فتجدر الإشارة إلى تعدد طبيعة الإشكاليات التي تهم المجالات القروية، إذ يجب التمييز بين المجالات القروية التي تندرج في إطار المدارات العمرانية الكبرى Aires métropolitaines، الساحلية أو الداخلية، الجبلية أو المنبسطة، أو الصحراوية، وتلك الواقعة بالنجود العليا والمجالات القروية الغنية، الفلاحية أو الغابوية، وبين المجالات القروية الفقيرة والبعيدة عن الحواضر. وكل مجال من هذه المجالات يتطلب معالجة خاصة لإشكالياته وأجوبة نوعية لمتطلباته وطموحاته.
– رصد التحولات في توجهات الاستثمار وسلوك الفاعلين الاقتصاديين من أجل مواكبة الدولة والحكومة والجماعات الترابية في استقطاب وتشجيع الاستثمار لخلق فرص الشغل وتمكين الجماعات الترابية من الموارد الجبائية الضرورية لتعبئتها لتحقيق وتنزيل مشاريعها التنموية الجهوية والمحلية.
لذا يجب إحداث مراصد ترابية على مستوى كل وكالة تعمير جهوية وخلق شبكة لهذه المراصد تشتغل بطريقة أفقية وبشكل تفاعلي، مع المراكز الجهوية للاستثمار وكذا مع باقي المكونات الجهوية للوزارة الوصية على قطاعي إعداد التراب والتعمير. وسيساعد ذلك على جعل وكالات التعمير الجهوية قوة اقتراحية لمشاريع ترابية مندمجة وتكاملية تتماشى مع أهداف وطموحات الحكومة والجماعات الترابية في ميداني التنمية وخلق فرص الشغل سواء على الصعيد الجهوي أو على الصعيد المحلي.
– ولتحقيق الأهداف السالفة الذكر أعلاه، يبقي تحقيق شرط تأهيل العنصر البشري داخل هذه الوكالات من أهم العناصر التي ستساهم في تحقيق النقلة النوعية لمؤسسات التعمير الجهوية. إذ سيمكن تكوين الموارد البشرية لهذه المؤسسات من امتلاك أدوات تحليل ورصد الديناميات المجالية المحلية والجهوية ومتطلبات الاستثمار ورغبات المستهلكين للمجال، خاصة إذا انصب التكوين على علوم التنمية الترابية في بعديها الجهوي والمحلي ونظم المعلوميات الحديثة. وإذا تحقق ذلك، فستصبح وكالات التعمير مؤسسات للذكاء الترابي قادرة على تسريع وثيرة إنتاج الوثائق المرجعية لاستعمال الأرض وتدبير التراب لتستجيب بطريقة احترافية وتفاعلية لطموحات شركائها المؤسساتيين والخواص.
خلاصة القول: يعتبر مشروع إحداث الوكالات الجهوية للتعمير فرصة مفصلية في تاريخ التعمير بالمغرب، إذ تعد مناسبة لتبني طرق حكامة جديدة ومنفتحة، مرتكزة على منهجيات حديثة في تدبير التراب قوامها التخطيط الاستراتيجي الذي يعتمد التشاور والإشراك، ونهج مقاربات أفقية وتلقائية برؤى استشرافية واستباقية للديناميات الترابية وتستجيب لانتظارات الشركاء المعنيين بعمل وكالات التعمير الجهوية.
إن التجربة التي راكمها التعمير بالمغرب منذ أكثر من 100 سنة، خاصة في ميدان إعداد وثائق التعمير، الاستشرافية منها والتنظيمية، تعتبر رأسمال معرفي وعملي ثمين سيمكن وكالات التعمير من المساهمة الفعالة في تفعيل أمثل للجهوية المتقدمة خاصة إذا ما توفرت شروط الاستفادة من هذه التجربة وتم استخلاص الدروس من تراكماتها الغنية.
اجيب وزير الداخلية… لقد استغلت وقت راحتي لتعلم الاعلاميات والرقمنة وقراءة النصوص التنظيمية والقوانبن وكلها لم اكن اعرفها وقت توظيفي. لقد سهرت الليالي ووقت فراغي لتعلمها على حسابي ولم تعلمها وتكوني فيها لا الجماعة ولا الوزارة… فعلا تقول اني اخدت الشهادة علي حساب وقت العمل لا والف لا بل من وقت رخصي…. لذلك لن اقوم باي عمل فيه حاسوب ولا رقمنة ولا نصوص قانونية.. بل ساقوم بعمل مساعد اداري او تقني.. مكتب الضبط او ارشيف