لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد موعد آخر مع صناديق الاقتراع، ولا مجرد سباق حزبي انتهى بإعلان النتائج، فقد أفرزت خريطة سياسية جديدة تصدّرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، قبل أن تأتي محطة تعيين رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر، في سابقة سياسية تجعل امرأة تتولى رئاسة الحكومة لأول مرة في تاريخ المملكة.
لكن قيمة هذه اللحظة لا ينبغي أن تختزل في كونها سابقة نسائية، ولا في عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك. فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، أما الامتحان الحقيقي فيبدأ بعد ذلك، والكرسي الذي يبدو اليوم عنواناً للانتصار، يصبح غداً عنواناً للمسؤولية والحساب.
لهذا، فإن السؤال الذي يهم المواطن ليس ما إذا كانت امرأة ستنجح حيث أخفق رجال، فهذه مقارنة تختزل السياسة في جنس صاحب القرار، وإنما ما إذا كانت هذه التجربة ستنجح في تحويل موقع السلطة إلى عمل، والوعد إلى إنجاز، والقيادة إلى إنصات، والانتصار الانتخابي إلى مسؤولية تجاه الجميع.
من صخب الانتخابات إلى هدوء المسؤولية
في زمن الانتخابات، تكثر المعارك، وتعلو الأصوات، وتظهر التحالفات والخصومات، ويبحث كل طرف عن موقعه في الخريطة الجديدة وهذا كله جزء من السياسة، لكن السياسة لا تنتهي عند لحظة إعلان النتائج بل هناك تبدأ مرحلة أكثر صعوبة مرحلة العمل.
فالمواطن لا ينتظر حكومة تقضي وقتها في تفسير ما وقع داخل الأحزاب، ولا يريد أن يبقى أسيراً لمعركة الانتخابات بعد انتهائها. هو يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر إنصافاً، وإدارة تحترم كرامته ووقته، وفرصاً للشباب، وحماية اجتماعية تصل إلى مستحقيها، وسياسات يشعر بأثرها في حياته اليومية.
أما الحديث المتواصل عن التشكيك في النتائج، فإذا كان وراءه دليل أو اعتراض جدي، فله مؤسساته وقنواته القانونية، أما أن يتحول الشك إلى ضجيج دائم من دون مسار مؤسسي فلن يغير النتيجة ولن يبني المستقبل، احترام النتائج المعلنة لا يعني منع النقد، كما أن إعطاء الحكومة فرصة للعمل لا يعني منحها حصانة من المحاسبة.
وهنا ينبغي أن تكون القاعدة واضحة: «دعوا الحكومة تعمل، ثم حاسبوها على ما تفعل».
فالمعارضة لها حق المراقبة والانتقاد، والصحافة لها حق السؤال، والمواطن له حق المحاسبة، لكن الحكم على حكومة لم تبدأ عملها بعد لا يمكن أن يكون هو نفسه الحكم عليها بعد أن تتضح نتائج عملها. ومن يريد أن يحاسبها على الإنجاز أو الإخفاق، عليه أن يترك لها أولاً فرصة الإنجاز أو الإخفاق.
ليس المطلوب أن تصمت المعارضة، ولا أن تجامل الصحافة، ولا أن ينتظر المواطن بلا سؤال، المطلوب فقط أن يكون الحكم على الأفعال بعد وقوعها، لا على النيات قبل أن تبدأ.
ذاكرة الحزب لا تبدأ مع الواصلين أخيراً
ومن هنا نصل إلى الحزب نفسه، وإلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية، ذاكرة الحزب.
فالحزب لا يبدأ يوم يصل شخص جديد إلى القيادة، ولا تنتهي ذاكرته بمجرد تغير الوجوه. وراء كل حزب تاريخ، ووراء هذا التاريخ رجال ونساء حملوا شعاره في أوقات لم تكن فيها الطريق مفروشة بالنجاح، وتحملوا الخسارة حين كان آخرون ينتظرون لحظة الانتصار.
ليس معنى ذلك أن يبقى القدامى في مواقعهم إلى الأبد، أو أن يصبح الماضي امتيازاً دائماً. فالتجديد مطلوب، وتغيير القيادات سنة طبيعية، وإعطاء الفرصة للكفاءات الجديدة أمر صحي. لكن التجديد شيء، ومحو الذاكرة شيء آخر.
المشكلة تبدأ عندما يتصرف القادم الجديد وكأن التاريخ بدأ معه، وكأن الذين سبقوه كانوا مجرد مرحلة عابرة يمكن تجاوزها بلا اعتراف ولا تقدير. وهنا تظهر آفة نكران الجميل السياسي، حين يصبح الإنسان مهماً ما دام قريباً من القرار، ثم يفقد قيمته بمجرد ابتعاده عن دائرة النفوذ.
والحزب الذي يقطع صلته بماضيه قد يربح وجوهاً جديدة، لكنه يخسر شيئاً من ذاكرته وخبرته. فالسياسة ليست سباقاً لإلغاء من سبق، وإنما بناء تراكمي، الجديد يحتاج إلى القديم كما يحتاج القديم إلى الجديد.
وكما يقول المثل: «اللي ما عندو قديم، ما عندو جديد».
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث للحزب أو للسلطة هو أن تصبح القيادة محاطة بدائرة صغيرة لا يصل إليها إلا ما يرضيها، هناك فرق بين المستشار الذي يساعد المسؤول على رؤية الواقع، وبين من يتحول إلى حاجز بين المسؤول والواقع.
وهذه هي صورة «حجاب السلطة» التي قد تجعل صاحب القرار يسمع التصفيق ولا يسمع الاعتراض، ويرى الوجوه القريبة ولا يرى ما يحدث بعيداً عنه.
والقيادة التي تريد أن تنجح تحتاج إلى من يختلف معها بقدر حاجتها إلى من يؤيدها، تحتاج إلى صوت القاعدة، وإلى من يعرف تاريخ الحزب، وإلى من يستطيع أن يقول لها: هنا أخطأت، وهنا كان يمكن أن يكون القرار أفضل.
«فالمرآة التي لا تظهر العيوب ليست مرآة، إنها مجرد ديكور».
وهذه ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي تواجه القيادة الجديدة، لا تجعلوا القرب من المسؤول طريقاً إلى حجب الحقيقة عنه.
السياسة بلا مبدأ… «تأكل مع الذئب وتبكي مع الراعي»
ثم هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية عن إدارة الحزب، وهي مسألة المبدأ.
فالسياسة بطبيعتها تقوم على الاختلاف، ومن حق السياسي أن يغير موقفه إذا تغيرت قناعته، أو ظهرت معطيات جديدة، أو اقتضت المصلحة العامة مراجعة موقف سابق، لكن هناك فرقاً كبيراً بين مراجعة الموقف عن اقتناع، وبين تغيير المواقف بتغير المواقع والمصالح.
لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من سلوكيات خطيرة، منها الكذب في الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والغدر في العهد، والفجور في الخصومة. واستحضار هذه القيم لا يعني إطلاق أحكام دينية أو أخلاقية على أشخاص بعينهم، وإنما يعني التذكير بأن السياسة، مهما اشتد فيها التنافس، لا ينبغي أن تتحول إلى مجال لتبرير كل شيء.
ومن المؤسف أن تتحول الخصومة السياسية أحياناً إلى خصومة شخصية، وأن يصبح تغيير المواقع سبباً لتغيير المبادئ، فالشخص الذي يمدح اليوم من كان يهاجمه بالأمس، ثم يهاجم غداً من كان يمدحه اليوم، يطرح على نفسه قبل غيره سؤالاً عن ثبات المبدأ.
وهنا تحضر العبارة الشعبية البليغة: «يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي».
إنها صورة مجازية لشخص يتلون بحسب المصلحة، لا بحسب المبدأ.
السياسة تحتاج إلى المرونة، نعم لكنها لا تحتاج إلى ذاكرة انتقائية، تحتاج إلى الاختلاف، لكنها تحتاج قبله إلى حد أدنى من الصدق والوفاء وحفظ العهد، ومن يطالب الآخرين بالوفاء بما قالوه بالأمس، عليه أن يتذكر هو أيضاً ما قاله بالأمس.
فالسياسة لا ينبغي أن تكون دفتر حسابات نفتح منه الصفحة التي تخدمنا ونغلق الصفحة التي لا تخدمنا.
ومن حاسب بالأمس، سيُحاسَب غدا، ومن رفع شعار المحاسبة عندما كان خارج السلطة، عليه أن يقبل بها عندما يصبح في السلطة.
نون النسوة لا تعني حصانة من الحساب
وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة محطة سياسية لافتة، ولا ينبغي التقليل من أهميتها، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى مجاملة للمرأة أو إلى عبء إضافي عليها.
فالمرأة لا تنجح لأنها امرأة، والرجل لا يفشل لأنه رجل «الكفاءة لا جنس لها، والنجاح لا يحمل هوية بيولوجية».
لهذا، فإن تجربة رئيسة الحكومة ينبغي أن تُقاس بالمعايير نفسها التي نقيس بها أي تجربة سياسية، القدرة على التدبير، والإنصات، واتخاذ القرار، والوفاء بالالتزامات، وتحقيق النتائج.
ليس المطلوب أن تثبت رئيسة الحكومة أن النساء أفضل من الرجال، ولا أن تثبت للرجال أن المرأة قادرة على الحكم، المطلوب أبسط من ذلك وأصعب في الوقت نفسه، أن تثبت الحكومة بالأفعال أنها قادرة على خدمة الدولة والمواطن.
ولأنها ولاية تبدأ بنون النسوة، فإننا نتمنى لها أن تكون أيضاً ولاية نجاح بنون النسوة، ولاية تُثبت فيها التجربة أن المرأة حين تتولى المسؤولية تستطيع أن تجمع بين المثابرة والجدية والصبر وحسن التدبير، وهذه ليست دعوة إلى المفاضلة بين النساء والرجال، ولا حكماً مسبقاً على أحد، وإنما هي أمنية مشروعة بأن تكون هذه التجربة عند حسن الظن بها، خصوصاً أن المتداول في الوعي الشعبي والاجتماعي أن النساء أكثر مثابرة وجدية في تحمل المسؤوليات، وأكثر صبراً على التفاصيل ومتابعة للأمور.
وقد يكون من الجميل أن تأتي هذه الولاية لتمنح هذا الاعتقاد فرصة الاختبار على أرض الواقع لا بالكلام ولا بالشعارات، وإنما بما ستتركه من أثر في حياة المواطنين، فإذا استطاعت رئيسة الحكومة أن تجعل من هذه السابقة النسائية تجربة ناجحة، فلن يكون النجاح نجاح امرأة فقط، ولا نجاح حزب فقط، وإنما سيكون نجاحاً لتجربة سياسية جديدة، وللمرأة المغربية التي طالما أثبتت حضورها في مواقع متعددة.
لا نريد أن نقول إن النساء أفضل من الرجال، ولا أن الرجال أقل قدرة من النساء، فالسياسة لا تُدار بالأحكام الجاهزة. لكننا بكل بساطة نتمنى أن تكون هذه الولاية بنون النسوة ولاية انتصار، وأن تقول النتائج ما عجزت الشعارات عن قوله.
وهنا لا يمكن أن نضع كل المسؤولية على الحكومة وحدها، فالمواطن أيضاً جزء من هذه القصة.
من صندوق الاقتراع إلى صندوق الحساب
الانتخابات لا تصنعها الأحزاب وحدها الناخب شريك فيها. ولهذا يجب أن نسأل أنفسنا نحن أيضاً: «ماذا زرعنا داخل صناديق الاقتراع؟»
الديمقراطية ليست أن نختار مرة كل بضع سنوات ثم نختفي، المواطن يختار ثم يراقب، ثم يسأل، ثم ينتقد، ثم يقارن، ثم يعيد تقييم اختياره.
فالناخب يزرع اختياره داخل الصندوق، والسياسي يتحمل مسؤولية تحويل ذلك الاختيار إلى ممارسة، والنتائج العملية هي التي تكشف في النهاية قيمة التجربة.
ومادام صندوق الانتخابات قد قال كلمته، وكانت النتيجة في النهاية تعبيراً عن اختيار المواطنين، فإن من حق رئيسة الحكومة اليوم أن تنتقل من مرحلة التنافس إلى مرحلة تدبير المسؤولية، وأن تتشاور وتختار من تراه مناسباً للعمل معها، وتبحث عن الصيغة التي ترتاح إليها في تدبير المرحلة، ما دام ذلك يتم في إطار المؤسسات والقواعد الدستورية والقانونية.
والتشاور هنا ليس ترفاً سياسياً، بل هو جزء من حسن التدبير، فالرئيسة تحتاج إلى من تثق في قدرته على العمل، وإلى من يستطيع أن يختلف معها حين يكون الاختلاف مفيداً، وإلى فريق يملك الكفاءة والجدية والقدرة على تنفيذ ما ستلتزم به أمام المواطنين، المهم في النهاية ألا يتحول اختيار الأشخاص إلى غاية في حد ذاته، وإنما إلى وسيلة لإنجاح العمل الحكومي.
فالناخب أعطى صوته، والنتيجة أعطت المسؤولية، وبعدها تبدأ مساحة الاختيار والتدبير. ومن حق الرئيسة أن تختار الطريق الذي تراه أصلح، لكن من حق المواطن أيضاً أن ينظر إلى الطريق الذي اختارته وإلى نتائجه، ثم يحاسبها عليه.
وهنا تكمن المعادلة البسيطة الصندوق يمنح الشرعية السياسية والتشاور يساعد على اختيار طريق العمل والنتائج هي التي تمنح النجاح معناه.
ومن هنا تبدأ المحاسبة الحقيقية عندما تنتقل المسؤولية من الحزب إلى الدولة.
فالحكومة لم تعد حكومة الذين صوتوا لها فقط، وإنما حكومة جميع المواطنين، والوعود التي قيلت في الحملات لا ينبغي أن تتحول إلى أرشيف انتخابي يُفتح في المناسبات ويُغلق بعدها.
المواطن يريد أن يرى أثر السياسة في التعليم والصحة والتشغيل والخدمات والحماية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، ويريد أن يعرف ماذا تحقق مما قيل له.
وهنا فقط يصبح الفوز الانتخابي بداية، لا نهاية.
المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى احتفال دائم، كما لا تحتاج إلى تشكيك دائم، تحتاج إلى العمل.
دعوا الحكومة تعمل، لكن راقبوها. دعوا المعارضة تعارض، لكن لا تجعلوا المعارضة رغبة في إفشال تجربة قبل أن تبدأ. دعوا الصحافة تسأل، ودعوا المواطن يحاسب، ودعوا المجتمع يتابع.
فإذا نجحت الحكومة، فليُعترف لها بالنجاح، وإذا أخفقت، فليُقل لها إنها أخفقت. وإذا أخطأت، فلتصحح، وإذا تأخرت، فليسألها المواطن عن سبب التأخير.
لا نريد تصفيقاً أعمى، كما لا نريد تشكيكاً أعمى.
نريد فرصة عادلة للعمل، ومراقبة جادة للأداء، ونقداً مسؤولاً، ومحاسبة على النتائج.
فالسلطة لا ينبغي أن تغيّر الإنسان، بل أن تكشف معدنه.
وفي النهاية، لن يبقى من كل هذا الصخب، ولا من كل هذه المعارك، ولا من كل هذه الشعارات، إلا سؤال واحد سيطرح نفسه على الجميع:
«ماذا أنجزتم؟»
وعندها فقط… «ستتكلم النتائج».
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.