الحسيني: أخطاء واشنطن تعجل بتراجع الغرب وصعود قوى دولية جديدة

الحسيني: أخطاء واشنطن تعجل بتراجع الغرب وصعود قوى دولية جديدة
صورة: هسبريس
الثلاثاء 25 غشت 2026 - 23:00

قال تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية، إن العالم يشهد تحولات عميقة في موازين القوى الدولية، مع تراجع تدريجي لدور الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، مقابل صعود قوى دولية وإقليمية جديدة باتت تفرض حضورها في صياغة النظام العالمي.

وأوضح الحسيني، ضمن برنامج “أبعاد استراتيجية” على هسبريس، أن الباحث في علاقات توازن القوى خلال السنوات الأخيرة يمكنه ملاحظة “التراجع الكبير لدور الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة”، معتبرا أن مرحلة الهيمنة الغربية التي استمرت عقودا طويلة “قد أشرفت على نهايتها”.

واستعرض أستاذ العلاقات الدولية مسار انتقال القوة داخل النظام الدولي، مبرزا أن فرنسا كانت قوة مؤثرة خلال القرن الثامن عشر، مستفيدة من أفكار عصر الأنوار داخل الفضاء الأوروبي، قبل أن تنتقل الريادة خلال القرن التاسع عشر إلى بريطانيا، التي عززت موقعها بفضل الثورة الصناعية وقوتها الاقتصادية والتجارية وهيمنتها الاستعمارية.

وبعد الحربين العالميتين، يضيف الحسيني، انتقلت قيادة النظام الدولي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت القوة الأولى عالميا بفضل تفوقها الاقتصادي والعسكري والاستراتيجي، غير أن هذه المرحلة، حسب المتحدث، “تكون الآن قد أشرفت على نهايتها”.

ويرى الحسيني أن التحول الجاري لا يرتبط فقط ببروز قوى دولية صاعدة، وإنما أيضا بـ”الأخطاء الجسيمة” التي ارتكبها الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، والتي ساهمت في إضعاف مصداقيته على الساحة الدولية.

وأشار إلى أن مواقف واشنطن خلال عدد من الأزمات الدولية، إلى جانب الاستراتيجيات التي اعتمدتها إدارات أمريكية متعاقبة في التعامل مع الأزمات، دفعت العديد من الدول إلى مراجعة قناعات ومواقف ظلت قائمة لعقود.

وفي هذا السياق، سجل أن البلدان الأوروبية، وخاصة خلال عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدأت في إعادة النظر في عدد من خياراتها الاستراتيجية والدبلوماسية، بما في ذلك مسألة الاعتماد على “المظلة النووية الأمريكية”، وطبيعة العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي، فضلا عن مبادئ التجارة العالمية.

وبحسب الحسيني، فإن تراجع الدور الغربي تزامن مع “التطور المذهل” لدور البلدان الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، التي لم تتحول خلال بضعة عقود إلى قوة اقتصادية فقط، بل أصبحت أيضا قوة تكنولوجية وصناعية وعسكرية.

كما توقف عند الدور الروسي، معتبرا أن موسكو تمكنت، رغم العقوبات المفروضة عليها وتورطها في الحرب، من الاستمرار في لعب دور مركزي في التوازنات الجيو-سياسية الدولية.

ولم يستبعد الحسيني أن تفرض الهند بدورها حضورا أكبر في النظام الدولي، مستفيدة من حجمها الديمغرافي ونموها الاقتصادي وطموحها الدبلوماسي، إلى جانب قوى إقليمية أخرى، من بينها تركيا وباكستان، اللتان استطاعتا، وفق تحليله، فرض أنماط جديدة من التوازن الإقليمي من خلال سياسات التحالف.

كما أشار إلى إيران، معتبرا أنها استطاعت تحقيق “تفوق مشهود” في مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو أمر قال إنه لم يكن متوقعا من جانب الطرفين.

وأكد الحسيني أن القوى الصاعدة اليوم لا تسعى فقط إلى تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية، بل تريد أيضا الانطلاق من تاريخها وفرض هويتها ومرجعيتها الحضارية والثقافية ضمن منظومة العلاقات الدولية.

وبناء على ذلك، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية أن النظام الدولي يتجه، بشكل حتمي، نحو الخروج من الهيمنة الغربية والتفوق الأمريكي، في اتجاه توازنات جديدة ستمنح القوى الصاعدة مجالا أكبر للتأثير وصناعة القرار الدولي.

وقال إن القيادة الأمريكية “واعية بهذه التطورات”، خصوصا بعد ما اعتبره مساسا بهيبتها في الحرب مع إيران، مشيرا إلى أن الخطاب والسياسات التي ارتبطت بترامب، من التهديد بتحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، إلى الحديث عن غرينلاند وفنزويلا وكندا، تعكس، في نظره، طبيعة المرحلة المضطربة التي يعيشها النظام الدولي.

وأضاف الحسيني، في قراءة لافتة، أن تطورات الوضع الدولي قد تدفع ترامب، في سياق هذا التحول، إلى توسيع دائرة المطالب والرهانات الجيو-سياسية الأمريكية، مستشهدا بشكل ساخر بفكرة اعتبار مضيق هرمز جزءا من التراب الأمريكي، وكذلك كوبا.

وفي قراءته للدروس التي يمكن أن تستخلصها البلدان النامية من التحولات الدولية الراهنة، شدد أستاذ العلاقات الدولية على أهمية الارتكاز على عنصرين أساسيين: دعم السيادة الوطنية من خلال الاندماجات الإقليمية، وتنويع العلاقات الخارجية عبر التعددية، بما يخدم المصلحة المشتركة.

ويرى المصدر نفسه أن المرحلة المقبلة لن تكون مناسبة للدول التي تعتمد بشكل كامل على قوة دولية واحدة، في ظل انتقال العالم إلى مرحلة أكثر تعقيدا وتعددا في مراكز القوة، ما يجعل تنويع الشراكات والرهانات الاستراتيجية خيارا ضروريا للحفاظ على هامش الاستقلالية.

وفي ختام تحليله، استحضر الحسيني ما جاء به ابن خلدون في “المقدمة”، وما أكده عدد من الباحثين، من بينهم المؤرخ بول كينيدي، بشأن دورات صعود الإمبراطوريات وانهيارها، معتبرا أن هذه الرؤية التاريخية تشكل “مؤشرا صادقا” لما يعيشه العالم اليوم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • الحياة ميزان
    الثلاثاء 25 غشت 2026 - 23:12

    دول الشرق أصبحت أكبر مهدد لأمريكا والغرب بصفة عامة،وفي جميع المجالات….لان شعوب هاته الأمم تكد وتجتهد وتعمل ليل نهار لرفع اقتصاد بلدانها،ومواطنوها ينامون وقتا قليلا ويعملون بإخلاص لبقية الوقت….شتان بينهم وبين الكسول المردد لعبارة.لي بغى يربح العام طويل….ولما استفاق وجد الوقت تبدل وتغير.فلم يبق أمامه إلا الهجرة والهروب،أو الدخول في نوبة الحگرة والبكاء والتشكيك والتبخيس والظلامية وإلقاء اللوم على البقية؟!

  • تاج
    الثلاثاء 25 غشت 2026 - 23:25

    ما نعرفه أن أمريكا في عهد الرئيس ترامب اعترفت بمغربية الصحراء وجرت دولا أخرى وازنة لتحدو حدوه..وما نراه هو استمرار أمريكا في تكريس تواجدها العسكري في مواقع عديدة حول العالم أكثر من غيرها من الدول بل قامت أمريكا مؤخرا في عهد السيد الرئيس ترامب بالذهاب بأسطولها الرهيب إلى أقصى الأرض للاستيلاء على أحد أكبر المضايق في العالم والتحكم في حركاته التجارية أمام أنظار الصين وروسيا..عن أي تراجع أمريكي يتحدث مُحللنا!!؟؟..يبدو أن ترامب صدم عشاق إيران صدمة قوية إلى درجة أنها أنستهم حب الوطن الذي يدافع السيد ترامب عن وحدته

  • محمد
    الثلاثاء 25 غشت 2026 - 23:31

    الغرب عندما سيطر على العالم منذ الاكتشافات الجغرافية، حمل معه أفكار النهضة الأوربية وبعد ذلك الثورة الفرنسية وحقوق الانسان، والدليل أن كل من يقارن بين احترام الانسان في بلده يأخذ مثالا من الغرب، هم عانوا وثاروا وقتلت أجيال ليصلوا لذلك، أنا أتساءل فقط وليس في تساءلي أي همز ولمز، ماذا ستقدم الدول الصاعدة مستقبلا كقيم من خلال سياسة الدولة فكلنا نعرف دكتاتورية الدول الشرقية كالصين وروسيا مثلا، على الأقل مجموعة من المضطهدين في بلدانهم كانوا يجدوا في الغرب ملجأ لهم نظرا لوجود رأي عام وصحافة قوية، أين سيتوجه أي معارض للفساد والاستغلال في بلده، الدليل أن رغم حديثنا عن تدهور الغرب لازال الناس يلجأون إليه ولا يذهبون للصين مثلا إلا للضرورة حيث الكل مراقب وتحت سيطرة الدولة.

  • True story
    الثلاثاء 25 غشت 2026 - 23:39

    بما أن المرحلة المقبلة مرحلة تعدد أقطاب
    ينصح الأستاذ الدول بتنويع الشراكات مع مختلف تلك الأقطاب.
    لماذا لا يمكن أن نجلس فيما بيننا كدول المنطقة ونصبح قطبا من تلك الأقطاب ومن هناك له سنة باقي الأقطاب للسيطرة وحكم العالم، سيلزمنا بضعة ألاف نووي

  • سعدون M
    الثلاثاء 25 غشت 2026 - 23:44

    امريكا اذا احست بالضعف والخطر فانها أكيد ستلجا لاستعمال السلاح النووي ولا تبالي بأحد لانها عندها ما يكفي لحرب العالم كله به

  • الرد على الرقم 1
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 01:11

    أنت لا تعرف حالة الناس لماذا تتهمهم بالكسل و الله سيكون خصمك يوم القيامة…

  • يوسف
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 05:24

    مع كل الاحترام والتقدير لحضرة الدكتور المحترم…. إلا أن الولايات المتحدة الامريكية لا أظن أنها مخطءة أو أنها أخطأت بل هي مشاريع متعمدة ورؤية مستقبلية وفرض لامر واقع وجديد…..كل القوى الجديدة التي تتحدث عنها هي بمباركة امريكا….

  • ابو اسماعيل.
    الأربعاء 26 غشت 2026 - 10:28

    ان من بين اسباب تراجع دور للولايات المتحده الامريكيه خاصة في عهد ترامب،هو انقياده بشكل كبير الى إسرائيل بقيادة نتانياهو الذي ورطه في حربه ضد ايران ،والذي لم يكن ترامب يظن انها عدة شهور بدل عدة أيام أو أسابيع . وتريد اسرائيل من خلال هذه الحرب تدمير قوة ايران النووية والبالستية التي اعتبرتها اسرائيل مهددة لوجودها . كما ان هذه الحرب أظهرت بعض الضعف لدى الأمريكيين لحماية حلفائهم من الدول العربية في المنطقة التي تتعرض بشكل مستمر لضربات الحرس الثوري الإيراني،مما جعلها تتجه إلى تحالفات جديدة مثل ما قامت به السعودية من اتفاق دفاعي مع باكستان وتركيا تحسبا لأي طاريء .واخيرا فان امريكا في عهد ترامب فقدت بعض المصداقية من قبل الدول العربية بخصوص القضية الفلسطينية،فإدارة بايدن الديمقراطية كانت تتبنى حل الدولتين ،ولم تنسق كل الانسياق وراء اسرائيل نتانياهو،التي شنت حرب إبادة في غزة مات فيها الآلاف من الفلسطينين عدد كبير منهم من الاطفال والنساء والشيوخ وصور الضحايا التي جابت مختلف أنحاء العالم ادت الى معارضة سياسة ترامب حتى داخل حكومته التي شهدت عدة استقالات .

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش