الحشرة القرمزية تغزو الدول المغاربية

الحشرة القرمزية تغزو الدول المغاربية
صورة: أ.ف.ب
الأحد 21 يوليوز 2024 - 18:48

تمتد زراعة التين الشوكي على طول الطريق الزراعية المؤدية إلى منطقة الشبيكة في وسط تونس؛ لكنها فقدت اخضرارها وغطتها طبقة لزجة تشبه الصوف الأبيض بسبب انتشار مرض “الحشرة القرمزية”، التي اكتسحت الدول المغاربية وتهدد بانهيار قطاع زراعي حيوي.

وهي عبارة عن طفيليات تلتصق بألواح شجرة الصبّار وتمتص عصارتها، ما يتسبب في تلفها بالكامل بينما لا تشكل خطرا على الإنسان والحيوان.

ويمثل التين الشوكي مصدرا مهمّا للفاكهة، وتستخلص منه زيوت طبيعية ومستحضرات تجميل تشكل مصدر رزق لآلاف العائلات في هذه الدول.

وتلفَت ما بين 40 و50 في المائة من المساحات الإجمالية المزروعة تينا شوكيا في تونس، ولم تتضرر بعد المساحات المهيكلة المخصصة للتصدير، وتُبذل جهود حثيثة لحماية هذه الأجزاء الي تمثل ثروة ومورد رزق أساسيا للمتساكنين، حيث يصل ثمن اللتر الواحد من الزيت الطبيعي المستخلص من النبتة الى أربعة آلاف يورو، حسب السلطات التونسية.

لم يعد لعمر نويرة، المزارع الخمسيني في منطقة الشبيكة في وسط تونس، بصيص أمل في إنقاذ التين الشوكي الذي زرعه على مساحة تقدر بنصف هكتار. وكان يطمح إلى تصدير منتوجه بعدما أصبح قطاع تثمين هذه النبتة واستغلالها يلقى إقبالا متزايدا من الأسواق الخارجية.

تحوّل حقله بالكامل إلى نباتات جافة بعدما طالها الضرر من كل جانب، وقال نويرة: “أردت في البداية أن أجعلها مرحلة تجريبية لإنتاج ثمرة “سلطان الغلة” (التسمية المحلية في تونس)، وأطوّر تدريجيا الاستثمارات وأبحث عن عملاء خارج البلاد، خصوصا لزيوتها الطبيعية”.

وأضاف المزارع الخمسيني: “لكنّ المرض وصل وأصبح سلطان الغلّة عليلا ولا يوجد دواء، وتركتُ فكرة الاستثمار”.

“أمن قومي”

تنشط 40 شركة لإنتاج فاكهة التين الشوكي البيولوجي المعد للتصدير، وتستغل نحو 150 ألف عائلة هذه الزراعة كمصدر رزق في البلاد التي تصنف كثاني أكبر منتج لهذه الفاكهة في العالم بـ550 ألف طن سنويا، كما تستثمر 40 شركة في عمليات تحويله وتصديره.

يفضل المزارعون غرس التين الشوكي؛ لأنه يقاوم الجفاف، ويساهم في ترسيم ملكية الحقول وحماية التربة من التآكل.

وخلال السنوات الأخيرة، تحوّلت منتوجات هذه الفاكهة إلى قطاع زراعي واعد اتسعت زراعته على مساحة 600 ألف هكتار؛ منها نحو 150 ألف هكتار مخصصة للاستثمار والتصدير.

أمّا في المغرب، وهو أول الدول المتضررة في منطقة المغرب العربي منذ العام 2014، فيُزرع التين الشوكي على إجمالي 160 ألف هكتار.

ونفذت وزارة الفلاحة المغربية “خطة طوارئ” في العام 2016 لمكافحة الحشرة، بالاعتماد على المعالجات الكيميائية واقتلاع نباتات الصبار المصابة ودفنها وإجراء الأبحاث البيولوجية لاختيار الأصناف المقاومة القادرة على الصمود أمام هذا المرض وتحييده.

وفي غشت 2022، قدرت السلطات الزراعية في المغرب المساحات التي تلفَت بنحو 120 ألف هكتار.

وظهرت الحشرة في الجزائر خلال العام 2021 بمدينة تلمسان، وبادرت السلطات الزراعية آنذاك إلى حجر المناطق المتضررة وأمرت باقتلاع كل النباتات المصابة.

وتنتشر زراعة التين الشوكي في الجزائر على نحو 60 ألف هكتار، وهي ثمرة يعشقها الجزائريون حتى أن هناك مهرجانا مخصصا لها في منطقة القبائل.

وفي ليبيا، ينمو الصبّار بشكل طبيعي في شمال البلاد وفي المناطق الزراعية حيث يتم اعتماده لترسيم حدود الحقول بتسييجها. وتستورد الثمرة بشكل حصري من تونس.

وأوضح إبراهيم الشرميطي، الباحث في علم الحشرات، أن مناخ المنطقة الجاف ساعدها على الانتشار بسرعة كبيرة، إذ تكيفت مع التغير المناخي الذي يتميز “بتزايد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة”.

وتواترت سنوات من الجفاف الحاد في المنطقة المغاربية، بتراجع نسب تساقطات الأمطار وتسجيل درجات قياسية من الحرارة.

وسجل الشرميطي أن سبب انتشارها هو “غياب مراقبة شديدة وصارمة لنقاط عبور المسافرين عبر الحدودية”.

لا يستبعد الباحث في علم الحشرات اكتساح الحشرة كل المزارع في تونس؛ بما فيها تلك المعدة للتصدير والاستثمار.

وأوضح: “عاجلا أم آجلا ستصل بسرعة، من خلال عامل الرياح”، معتبرا أن القضاء عليها مسألة “أمن قومي”.

الدعسوقة

أعرب إبراهيم الشرميطي عن اعتقاده أن “القضاء على الحشرة القرمزية مستحيل؛ ولكن يمكن التعايش معها عبر جلب حشرة الدعسوقة والتي تفترس القرمزية ولا تؤثر على النظام البيئي”.

وتسير تونس على خطى المغرب.

وأقر رابح الحجلاوي، المكلف بالإدارة العامة للصحة النباتية بوزارة الزراعة التونسية، بأن سبب الانتشار السريع “بطء الإجراءات الإدارية” للتصدي لها.

وسعت السلطات الزراعية التونسية إلى كبح الآفة، في البداية، من خلال اقتلاعها النبتات التالفة وردمها وحرقها؛ لكنّ التدخل لم ينجح واكتسحت الحشرة عشر محافظات.

لذلك، تم الانتقال إلى “المقاومة البيولوجية بالاعتماد أولا على الإكثار من أصناف الصبّار المقاوِمة للحشرة ثم جلب حشرة الدعسوقة”، حسب الحجلاوي.

وطوّر المغرب بدوره زراعة ثمانية أصناف من الصبار المقاوم للقرمزية في العام 2022، وشرع في جلب وادخال حشرة الدعسوقة، وخصص 417 ألف دولار لمساعدة المزارعين.

وسلمت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، في يونيو، نحو 100 دعسوقة إلى تونس في إطار برنامج تعاون لمكافحة الآفة بقيمة 550 ألف دولار.

وتُستعمل الدفيئات في المغرب للإكثار من “مسعودة” (الدعسوقة)؛ لأنها “تحتاج إلى الغذاء، وإذا اختفت الحشرة القرمزية فلن تجد ما تتغذى عليه لذلك نلجأ إلى تربيتها”، وفقا لعيسى الدرهم، رئيس منظمة “مؤسسة دار سي حماد”.

وتبقى مخاوف السلطات الزراعية التونسية قائمة، وخصوصا إذا طالت الحشرة مزارع المناطق الداخلية المهمشة؛ على غرار محافظة القصرين، والتي يمثل التين الشوكي مصدر الرزق الوحيد فيها تقريبا، ما قد يؤدي إلى احتجاجات اجتماعية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • زهير
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 19:24

    حشرة الدعسوقة (coccinelle) التي تتغذى على الحشرة القرمزية موجودة في المغرب منذ زمن طويل. لماذا استيرادها إذن؟

  • سرور
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 19:27

    كنا في السبعينات نشتري التين الشوكي بريال للأربعة تنين وكنا نتلذذ بأكله واليوم أصبح مائة ريال للواحدة إنها البركة والخيرات قد فقدت.

  • ABC
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 19:47

    قد يكون سبب انتشار الحشرة القرمزية في المغرب هو الاختفاء شبه الكامل لحشرة الدعسوقة (coccinelle) التي تتغذى على الحشرة القرمزية التي تقضي على التين الشوكي. منذ سنوات كنا نراها في الحقول والغابات أما الآن فنادراً ما نراها

  • Md bihi
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 19:51

    لقد أوليتم موضوع الهندية و ما أصابها من علّة أهمّةً كبيرة كأننا لا نستطيع العيش من دونها ، لقد كانت فاكهة الفقراء قبل أن تحتكرها مختبرات و مصانع مواد التجميل ، فنسيتم تلك الحشرات الآدمية التي يفوق حجمها وزن و ضخامة الديناصورات التي تأتي على الأخضر و اليابس تلهف الميزانيات و الثروات الأرضية و البحرية .

  • ملاحظ
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 19:53

    قولو عاود تاني راه أخنوش هو سبب الحشرة القرمزية

  • خالد نابلسي
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 19:56

    صمت رهيب من وزارة الفلاحة والجهات المختصة وكارثة مبهمة تخيم علينا نحن من كنا نمتلك جنان كنا نأكل منه و نطعم منه الجيران الذين كانو يأكلون منه كأنه ملكهم وكنا جميعا نستمتع بهذه الفاكهة الرائعة

  • مغربي
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 20:16

    بما أن الوزارة الوصية لم تحرك ساكنا في هذه الحالة فعلم أنه هناك إن و أخواتها
    فمثل هذه الحالات الوزارة يجب عليها التدخل قبل الكارثة و الكشف عن السبب و إصلاح ما يمكن إصلاحه
    الحل الوحيد الذي أعطته السلطات للساكنة هية حرق
    هل هاذا حل من الوزارة ?

  • أليس كذلك ؟
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 20:31

    التين الشوكي كانت فاكهة الفقراء فأصبحت الآن فاكهة الأغنياء إن ثمنها حاليا 10 دراهم للحبة الواحدة…..

  • مراد
    الأحد 21 يوليوز 2024 - 21:22

    بعدما اصبح انتاج زيت التين الشوكي ومنتجات الكريم والحليب المشتقة من التين الشوكي اصبح جميع التين الشوكي مريض ههههه كأننا أغبياء ولسنا نفهم، ، السبب هو مراقبة بعض حقائب الهيئات الذبلوماسية التي تستغل عدم مراقبة محتوى الحقائب لنقل اليرقات والبويضات و انواع المشاكل المختلفة التي تصيب الفلاحة المغربية والدول المجاورة (قاموا بنفس الخطة في دول آسيوية)، يستغلوا الرياح(الشركي) و… لنشر هذه الامور،،

  • تونسي في المغرب
    الإثنين 22 يوليوز 2024 - 00:46

    الفلاحة التونسية تعاني على كل المستويات ، الزيتون مريض والتين مريض والان الصبار ، هل هو تقاعس المصالح الفلاحية بتونس أم القدر ، مشا بن علي مشات معاه البركة ، تونس قبل الثورة كانت جنة فوق الأرض اليوم أصبحت خربة مع قيس سعيد

  • رضوان
    الجمعة 27 شتنبر 2024 - 11:04

    وتسير تونس على خطى المغرب.
    بالمغرب للأسف اختفت نبتة الصبار الطبيعية والصديقة للبيئة.

صوت وصورة
أزمة النقل في أورير وتامراغت
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 23:30

أزمة النقل في أورير وتامراغت

صوت وصورة
ملعب هسبريس | لسعد الشابي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:30

ملعب هسبريس | لسعد الشابي

صوت وصورة
أول الفهم | مصطفى المعتصم
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 21:00 2

أول الفهم | مصطفى المعتصم

صوت وصورة
أساتذة التعليم الأولي يحتجون
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:15 4

أساتذة التعليم الأولي يحتجون

صوت وصورة
مضامين التزامات حكومة المنصوري
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 18:38 7

مضامين التزامات حكومة المنصوري

صوت وصورة
المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 16:44 6

المنصوري تمد يدها للأغلبية والمعارضة