الحماية الاجتماعية والحاجة إلى التفعيل

الحماية الاجتماعية والحاجة إلى التفعيل
صورة: أرشيف
السبت 13 فبراير 2021 - 12:09

بمصادقة مجلس الوزراء برئاسة العاهل المغربي الملك محمد السادس، مساء الخميس المنصرم، على مشروع قانون ـ إطار يتعلق بالحماية الاجتماعية، في أفق تعميم التغطية الاجتماعية لكافة المواطنين والمواطنات، يكون المغرب قد أعاد فتح ورش جديد- قديم، يتطلب التنزيل على أرض الواقع، حتى لا يظل مشروعا ينضاف إلى جملة المشاريع التي تعج بها الرفوف.

فحسب بيان المجلس الوزاري، فإن هذا المشروع الهادف إلى تحديد المبادئ والغايات المرتبطة بإصلاح منظومة الحماية الاجتماعية، خلال الخمس سنوات المقبلة، والتزامات الدولة والمجالس المحلية المنتخبة والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ستكون له آثار مباشرة وملموسة في تحسين ظروف عيش المواطنين، ودعم القدرة الشرائية للأسر، وصيانة كرامة جميع المغاربة، وتحصين الفئات الهشة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، لا سيما في وقت التقلبات الاقتصادية والمخاطر الصحية والطوارئ المختلفة.

وإذا كان من الإيجابي في هذا المجال الاستفادة من دروس تداعيات جائحة “كوفيد 19” المستجد، فإن هذه الجائحة أفرزت من جملة ما أفرزت أن الحماية الاجتماعية يتعين أن تشكل إحدى أولويات السياسات العمومية، على الرغم من أن تكثيف الخطاب حول إشكالية المسألة الاجتماعية يصطدم بمفارقة غريبة، تتمثل في أنه كلما ارتفع مستوى الخطاب وتكثف رافقه على أرض الواقع ارتفاع ملحوظ في معدلات الفقر الهشاشة ومنسوب الخصاص الاجتماعي سواء في المدن والأرياف.

وفي هذا السياق، تكاد تجمع كافة الأطراف على رسم صورة قاتمة على وضعية منظومة الحماية الاجتماعية، وتفاقمها، على الرغم من المجهودات المبذولة، إذ تسجل مختلف التقارير والمعطيات الرسمية الوطنية والدولية مستوى من الضعف والهشاشة اللذين يسمان الوضعية الاجتماعية التي تترافق مع اختلالات بنيوية تعاني منها أنظمة الحماية الاجتماعية المتعددة والضعف الذى تعانيه في مجال الحكامة؛ وهو ما يضفي على هذا الورش الاجتماعي طابعا الاستعجال ويكتسي أولوية الأولويات، خاصة أن نحو 60 في المائة من السكان المغاربة النشيطين يوجدون في المرحلة الراهنة دون حماية اجتماعية، حسب ما تشير إليه العديد من الدراسات والمعطيات والبيانات حتى الرسمية.

إن منظومة الحماية الاجتماعية الوطنية تتسم بالعديد من النقائص والسلبيات؛ في مقدمتها ما تعانيه من هشاشة والتي يغلب عليها الطابع الجزئي والمحدود وعدم الإنصاف، حيث إن حوالي 60 في المائة من الساكنة النشيطة غير مشمولة بنظام لمنح معاشات التقاعد، و800 ألف أجير في القطاع الخاص غير مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، و50 في المائة يشتغلون في القطاع الفلاحي وغيره من الأنشطة غير المستقرة، كما أن 46 في المائة لا يستفيدون من التغطية الصحية، في الوقت الذي لا تستفيد الغالبية الساحقة للسكان النشيطين من إمكانيات التأمين الاجتماعي الخاص بحوادث الشغل والأمراض المهنية، حسب ما أورده تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول “حصيلة الحماية الاجتماعية وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية”.

يضاف إلى ذلك انعدام لنظام الحماية الاجتماعية الخاص بالأطفال والأشخاص في وضعية بطالة والأشخاص ذوي الإعاقة، فضلا عن أن الأنظمة الإجبارية للضمان الاجتماعي تتسم بطابعها المحدود وغير المتكافئ، في الوقت الذي تغطي أنظمة التقاعد حاليا فقط نحو 40 في المائة من السكان النشيطين المشتغلين، ونظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض يغطى النسبة نفسها تقريبا، إذ يبلغ عدد الأشخاص المشمولين به حوالي 5,8 ملايين شخص.

في ظل هذا الوضع، يتطلب العمل على تفعيل منظومة للحماية الاجتماعية، تكون أكثر فعالية، منظومة مندمجة ومنسجمة، تتسم بالنجاعة والفعالية، من أجل التقليص من هشاشة الحماية الاجتماعية؛ وذلك عبر اعتماد برامج واقعية، مع ملاءمة السياسات العمومية في مجال الحماية مع المعايير الدولية، بجعلها تتخذ طابعا شموليا والعمل على توسيع مجالها، وملائمة الإعانات، وعدم التمييز والمساواة بين الجنسين، ودمج الأشخاص العاملين في الاقتصاد غير المهيكل، والإنجاز المتدرج، والارتقاء بمستوى الابتكار في آليات التمويل، مع تجميع برامج الحماية الاجتماعية والدعم حتى لا تظل هذه البرامج متفرقة ومشتتة، كما كان قد نبه إلى ذلك الملك محمد السادس في خطاب العرش سنة 2018، حينما دعا إلى التعجيل بإعادة النظر في منظومة الحماية الاجتماعية التي يطبعها التشتت، والضعف في مستوى التغطية والنجاعة مؤكدا على أنه “ليس من المنطق أن نجد أكثر من مائة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام.. مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين”. يضاف إلى ذلك ما تعانيه هذه البرامج ذات الطبيعة الاجتماعية من تداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها؛ وهو ما يقتضي إعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية للحد من حجم الخصاص الاجتماعي، وتوفير سبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وإذا كان ورش الحماية يعد مسؤولية مشتركة بين كافة المتدخلين والفاعلين الاجتماعيين من مختلف المواقع والمسؤوليات، فإن الأمر يقتضي أكثر من أي وقت مضى من كافة الأطراف تحمل مسؤولياتها كاملة؛ وذلك من خلال الانكباب وباستعجال على تنفيذ مخططات اجتماعية، بإشراك الجميع، بدون إقصاء وتهميش، وفق مقاربة أفقية، لإنجاح هذا الورش الوطني الكبير حول الحماية الاجتماعية. وهذا ما يتطلب فتح نقاش عمومي واسع وحوار بناء ومثمر مع مختلف الشركاء الاجتماعيين، وتجنب أي استغلال سياسوي، يحيد عن الأهداف النبيلة لقضية الحماية الاجتماعية التي تحظى نظمها بمكانة بارزة بين أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي ما فتئت تدعو إلى “استحداث نظم وتدابير حماية اجتماعية ملائمة على الصعيد الوطني للجميع، ووضع حدود دنيا لها، وتحقيق تغطية صحية واسعة للفقراء والضعفاء بحلول عام 2030”.

وتعتبر الأمم المتحدة، في هذا الصدد، أن من شأن نظم الحماية الاجتماعية، إذا ما أُحسِن إعدادها وتنفيذها، أن يكون لها تأثير بالغ على أوضاع البلدان، وتؤدي في الوقت نفسه إلى تعزيز رأس المال البشري والإنتاجية، والحد من التفاوتات، وبناء القدرة على مواجهة الصدمات، وإنهاء حالة الفقر ومنع توارثه ما بين الأجيال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • فريد
    الأحد 14 فبراير 2021 - 10:14

    من سيمول هاته الحماية الإجتماعية خصوصا وأن الأمر يتعلق بعشرات الملايير بالدرهم؟ماذا وضعت الدولة حدا للعشوائية وإنعدام القانون:العديد يشتغل بدون عقد شغل وخارج القانون،العديد يبيع السلع المهربة بدون دفع أي شيء للجباية ولو مقابل إحتلاله للأماكن العمومية،العديد من الورشات والمحلات التجارية تتوسع في الشارع العام خارقة للقانون بدون أن تحرك السلطات العمومية ساكنا،العديد يستفيد من الإعفاءات الضريبية بدون أن تستفيد الخزينة العامة أي شيء مقابل هذا(إعفاء ضريبي يعني مزيدا من الأجراء أو مزيدا من العملة الصعبة أو كلاهما).
    البداية يجب أن تكون بعصرنة النسيج الإقتصادي:تسهيل خروج الورشات والمحلات الصغير للعمل في إطار قانوني(محلات آمنة وصحية ويد عاملة مصرح بها)،عدم السماح بإحتلال المساحات العمومية إلابترخيص ومعاقبة كل من إحتلها ولو بشكل مؤقت،منع صنع أو بيع كل شيء غير قانوني(صنع علامات تجارية عالمية بدون رخصة،بيع مواد مهربة…) المشكل هو أن المخزن غير قادر على تقنين البلاد أي خلق دولة يسودها القانون،ولكنه يُفضل التعليمات المولوية وهو أدرى بكيف سيمول الحماية الإجتماعية.

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:00

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط

صوت وصورة
المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:41

المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح

صوت وصورة
مراسيم تعيين الحكومة الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:26

مراسيم تعيين الحكومة الجديدة

صوت وصورة
''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 13:46

''كونيكت'' تدعم المقاولات الصغرى