الخرقة التي هزت عرش فرنسا

الخرقة التي هزت عرش فرنسا
صورة: هسبريس
الأحد 2 أكتوبر 2022 - 10:47

لم يعد يمر أسبوع، دون أن تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليق على صور مثيرة جدا ..جدا ..جدا.. لمن تُقدم على أنها زوجة لاعب دولي شهير.

ولعل من المفارقات أن البعض يلومون كل من يعلق على ملابس “صاحبة” لاعبنا الدولي المحترف، الفاضحة بدعوى أنها “حرية شخصية”، عادة ما ينسون هذا “المبدأ” حين يتعلق الأمر بنوع آخر من اللباس هو أيضا اختيار شخصي وحرية شخصية.

ومن المفارقات أيضا أن مهرجان “كان” الذي كان مسرح حادثة سابقة لنفس اللاعب وصاحبته، عرف منع مخرج كندي من المرور على البساط الأحمر فقط لأنه يلبس حذاء من تراث الهنود الحمر .. ولا ينتعل “شيئا” من توقيع أيف سان لوران مثلا..

لقد فضلت الرجوع إلى هذه الوقائع لا لأعلق عليها، بل لأثير ملاحظتين أساسيتين:

الأولى، أن الذين صدعوا رؤوسنا بـ”تمغربيت” و”الأمبراطورية المغربية”، يغيب عنهم دائما في معاركهم التي يخوضونها، أن الإنسان هو الأصل..

وهي المفارقة التي تتضح من قصة المخرج الكندي الذي لم يخجل من لبس خف هندي مزركش في مكان تتبارز فيه كبريات دور عرض الأزياء الغربية.. بينما حضر لاعبنا بشيء يشبه “البيجاما”.. ولا يهمني لباس صاحبته لأنها ليست مغربية على كل حال، ولأن المسؤول الرئيسي هو “بعلها”.. الذي قبل أن يتقاسم “مؤهلاتها” مع عموم “المتفرجين” في كان وما بعدها..

فشعارات الوطنية والدفاع عن الوطن ورفع الراية وتفضيل المنتخب المغربي على منتخبات أجنبية.. كل تلك الشعارات يمكن أن تفضحها ممارسات “شكلية” قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها معبرة في عمقها.

فما الذي منع هذا النجم مثلا وغيره من المغاربة ضيوف المهرجانات الدولية، ونجوم الفعاليات الرياضية، من الترويج للزي الوطني، الذي يتعرض لمحاولات سرقة متكررة هذه الأيام، حيث إنه يوفر ما لا يحصى من التعبيرات الرائعة والمتميزة والمتنوعة بتنوع طبيعة المغرب وتنوع تضاريسه وثقافاته ولهجاته وفلكوره ومناخاته؟

الجواب نجده في فرنسا نفسها وتعاطيها مع موضوع “اللباس”.

قد يتساءل عاقل عن سر عداء الحكومات والنخب الفرنسية على مدى عقود لـ”غطاء الرأس”، والحروب التي تم إعلانها على “الحجاب”، إلى درجة حرمان فتيات من الحق في التعليم والعمل، في انتظار إجراءات أكثر صرامة في المستقبل؟

وقد يتساءل آخر عن التهديد “الوجودي” الذي تمثله خرقة تضعها سيدة أو آنسة على رأسها، بكامل اختيارها ودون ضغط من أية جهة؟

الجواب عن هذه الأسئلة لا يمكن أن يخضع للتبسيط.. ففرنسا لا تنظر إلى “غطاء الرأس” كما تنظر جماعة “حريتي صايتي” عندنا إلى الخرقة التي تستر ما فوق الركبة بقليل..

فرنسا الأمة.. الأمبراطورية.. القوة الاقتصادية والتاريخ العريق.. والثقافة (120مليون كتاب ورقي تباع في السنة هناك) والفلسفة والأدب والفن والطبخ ..لا تخاف من خرقة، بل مما تمثله من نموذج حضاري ومشروع قيمي معاكس ومنافس..

الهوس الفرنسي بلباس المرأة المسلمة وما يأكله المسلمون وما يشربونه… هو تعبير صريح عن حالات اللايقين والهلع التي تعيشها فرنسا، لأن المعركة اليوم انتقلت إلى أراضيها وتجري داخل حدودها؛ ولم تعد تخاض بالسلاح، بل بالأفكار..

لم تعد فرنسا اليوم تحارب لغات وثقافات وهويات الآخرين في بلدانهم (مستعمراتها السابقة).

لم تعد “مساميرها” قادرة على جعل الأجيال تعتقد أن الثقافة الفرنسية هي سقف العالم، وأنها قدر لا مفر منه..

المواجهة الحقيقية اليوم تدور في شوارع المدن الفرنسية ونواديها وبلاطوهات تلفزاتها.. بين سياسيين وإعلاميين وفلاسفة وأكاديميين، وبين أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين..

على اليوتوب العديد من المشاهد التي تكشف أن “فرنسا العالمة” لم تعد تملك ما يكفي من “الحجج” لمواجهة شباب ولد على أرضها وتعلم في مدارسها وجامعاتها، لكنه لم يفرط في مقومات هويته الأصلية..

هذا هو التفسير الوحيد لحرب فرنسا على “غطاء الرأس”، بما يمثله كـ”بديل” قادر على الدفاع عن نفسه في أرض الأزياء والموضة وتقديس الجسد العاري والحرية الشخصية..

إن هذه الحرب “الحضارية” ضد الوجود الإسلامي في الغرب، وفي فرنسا تحديدا، تؤكد- من حيث لم يقصد أصحابها- أن الإسلام ليس دينا صنعه البشر، بل هو منهج حياة رباني صالح لكل زمان ولكل مكان..

ففي مجال اللباس تحديدا هو لا يقدم “كتالوج” أزياء، ولا يفرض لباس “ماو” على معتنقيه، بل إنه ينظر إلى الملبوس من زاوية أنه عنصر من عناصر بناء الشخصية المستقلة والمتميزة.. فقد جاء في الحديث: “..إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس”. (أبو داود)

لم يفرض الإسلام لباسا معينا على أتباعه، بل وضع لهم فقط ضوابط عامة ومرنة، تمكن المسلمة والمسلم من العيش في أي عصر، ومن الانصهار في أي مكان، ومن الاندماج في أي مجتمع.

ولهذا لا تجد في كتب الفقه أو الحديث بابا أو فصلا خاصا بلباس المرأة مثلا.. بل -وصحيح البخاري أفضل مثال- عادة ما تتم دراسة الأمور المتعلقة باللباس تحت عنوان واحد هو “كتاب اللباس”، وتحت هذا العنوان يتم التطرق لكل ما له علاقة بالموضوع، سواء تعلق الأمر بلباس ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، شابة أو عجوز، أو تعلق بشروطه وضوابطه.

باختصار شديد، لأن هذا الأمر يتطلب إعداد دراسة مطولة ومعززة بالأدلة الشرعية، أقول:

إن فلسفة الإسلام في اللباس، تؤكد أنه فعلا دين واقعي ومرن.

فهو يفرق بين ضوابط عامة تشمل الجميع، الأطفال والنساء والرجال من قبيل: ألا يكون اللباس شفافا يكشف ما تحته، أو لاصقا يحدد معالم الجسم، وألا يشبه لباس الكفار الذي اختصوا به (لباس رجال الدين مثلا)، وألا يكون لباس شهرة، أي مثيرا للانتباه، بحيث يجعل لابسه حالة شاذة في الشارع..

وبين ضوابط خاصة، تخضع لعوامل السن والجنس والزمان والمكان.. تدور في معظمها حول حدود “العورة” التي يجب سترها.

يتوهم البعض أن الإسلام ميز الرجل على المرأة في هذا الباب، بدليل أن جسد المرأة كله عورة، بينما عورة الرجل ما بين سرته وركبته.

في هذه النقطة أتمنى أن يبحث القارئ في أحكام العورة في المذهب المالكي، وأنا على يقين أنه سيفاجأ بأشياء لم يكن ليتخيلها أصلا.

وأكتفي بالتذكير بأمر بدهي يتعلق بأن الإسلام دين يخاطب الناس في كل زمان، وبكل مستوياتهم، فهو لا يخاطب الأغنياء فقط..

ففي حديث لسهل بن سعد رضي الله عنه، نقل أن الصحابة رضوان عليهم كانوا يتوزعون في الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثلاث فئات.. الأولى تتوفر على لباس ساتر للصلاة، وخلفها فئة فقراء أهل الصُّفة الذين كانوا يضعون خرقا لا تكاد تستر سوى عوراتهم المغلظة، ثم النساء.

وأن النساء كن يركعن ويسجدن قبل الصفوف الأخيرة للرجال، ويتأخرن في الرفع من الركوع والسجود حتى لا يطلعن على عورات الفقراء المشار إليهم.

فهل في هذه البيئة، وهي موجودة إلى الآن في كثير من الدول العربية والإسلامية الفقيرة، كان المطلوب فرض لبس جلابة “بزيوية” بكل أكسسواراتها؟

إن تحديد عورة الرجل ما بين السرة والركبة، لا يعني أن يتجول المسلمون في الشوارع بلباس البحر، بل إن بعض الفقهاء اشترط لصحة الصلاة تغطية المنكبين. ثم إن هناك سيل من المعطيات الخاطئة المتعلقة بلباس المرأة.

وهنا أيضا أتوقف عند بعض الأمثلة، وأكرر النصيحة للجميع بالبحث وتنويع القراءة.. حتى تتضح الصورة بشكل أكبر.

إن الإسلام لا ينظر إلى المرأة كـ”شيء” أو كـ”أداة للهو”، بل كإنسان كرمه الله تعالى وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا.

فاليوم، شاهد أية وسيلة إعلام غربية، ولنركز مثلا على “حبيبتنا” فرنسا، وشاهد كيف يتم تقديم المرأة في الإعلانات والسينما والدراما.

هل يستطيع أحد أن يدعي أن المرأة تحظى بأي نوع من التكريم هنا؟ ألا تقدم كأية سلعة حيث كل رأسمالها هو جسدها؟

إن الإسلام حين يضع ضوابط للباس المرأة، يفعل ذلك من أجل غاية عظيمة، تتمثل في الرد على سؤال: كيف تقدم المرأة نفسها للمجتمع؟

في الحضارة الغربية اليوم، على وجه العموم طبعا، يتم تقديم المرأة -في الإعلام تحديدا- كأي منتوج استهلاكي يظل رخيصا مهما غلا سعره.

بينما فلسفة الإسلام قائمة على أن تقدم المرأة نفسها إلى الآخر أولا، كإنسان كامل الإنسانية؛ وثانيا، أن تدعوه لأن ينظر في المقام الأول إلى ذكائها وأخلاقها وخبرتها وتجربتها ومؤهلاتها العلمية والفكرية، لا إلى “مؤهلاتها” الجسدية..

ولا مكان هنا للمغالطة أو المزايدة، بدليل أنه لو تقدمت مرشحتان لوظيفة ما في الغرب المتحضر، تتوفر المسلمة “الملتزمة” منهما على سيرة ذاتية طويلة، وعلى أطنان من الكفاءات مقارنة بمنافستها، فإن الفصل هنا لن يتم على أساس العلم والمعرفة والخبرة والتجربة، بل إن العنصر الحاسم هو اللباس، فكلما انكشف الجسد كلما ارتفعت فرص الفوز بالوظيفة، بل حتى في بعض بلداننا، فإن معيار الجسد يكون هو العنصر الحاسم في التوظيف في بعض الوظائف..

هذا هو الأمر الذي يغيب عن كثيرين، لأن الغرب الذي يدعي تقديس حرية الفرد يضيق صدره بلباس المسلمة رغم أنه جزء من عقيدتها، ورغم أنه لا يتسبب في أي إيذاء للآخر.

ولهذا أكرر، للتذكير، أن هذا الرفض سببه الوحيد هو أن هذا اللباس، يقدم نموذجا قيميا معاكسا، للنموذج الغربي القائم على تسليع وتشييء المرأة، ومن قال عكس ذلك فليقدم الدليل.

أتعجب حين أرى مثلا عرض أزياء للملابس الداخلية، غالبية متابعيه من “الذكور” ويتم نقله مباشرة عبر فضائيات.

من يستطيع أن يدعي أن جسد المرأة هنا ليس هو الغاية؟

سنة 2018 كانت تجارة التجميل (صباغة وجراحة) تحتل الرتبة الرابعة بعد تجارة السلاح والمخدرات والجنس.

ألا يعني هذا أن الهوس بالجسد أصبح “إدمانا”؟

قبل عقود، وفي أول مسابقة “ملكة جمال” نظمت بالمغرب من طرف “جهة ما”، لفت الانتباه أن ضمن لجنة “التحكيم”، مدير شركة مشروبات غازية شهيرة.

بالله عليكم، على أي أساس يتم تتويج هذه الملكة؟ أليس على أساس أنها تلك التي يتمنى “شهريارات” لجان التحكيم أن تكون شهرزادهم؟

خلاصة القول: موضوع اللباس، ليس هامشيا ولا شكليا ولا ثانويا، بل هو أمر أساسي، يحاول البعض تسطيحه أو تقزيمه..

فالإسلام يجعل اللباس وسيلة مبدئية لاحترام إنسانية المرأة، بينما تسعى الطروحات البديلة إلى اعتباره عائقا أمام تسليعها..

وهذا ما أدركه “الآخر” مبكرا وبوضوح، ولذلك يعمل على محاربته، بينما يكتفي بعضنا بالفرجة، والبعض الآخر يسير ضمن “قطيع” المغلوبين المنبهرين بالغالب كما في نظريات ابن خلدون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • يساري
    الأحد 2 أكتوبر 2022 - 21:19

    من العيب أننا نناقش مواضيع مستهلكة بنفس الأدلة المستهلكة و في قضايا تبدو مهمة لكنها ثانوية ! دعني أفصل قضية الحجاب عن قضية لباس صديقة اللاعب لان السياق مختلف تماما و الكاتب هنا يطالب أيضا المرأة بلباس “الزي الوطني” ضمنيا أي أنه يفعل نفس الشيء الذي ينتقده رغم أن انتقاده أصلا لم يكن مبني جيدا بسبب الخلط بين أفكار دينية و أفكار تحررية ينتقي منها ما يريد ساعة يحتاج ذلك و بئس الحجة

  • Hassan
    الإثنين 3 أكتوبر 2022 - 00:46

    الخرقة هزت عرش إيران و أفغانستان . أما فرنسا فمصالحهافي إفريقيا هي التي اهتزت حيت فقدت حصتها في سوق كانت تملكها وحتى المال المتداول كانت تطبعه و الحكام تعينهم و تسلحهم و تصنع معارضين و تحتفظ بهم كلاجئين سياسيين تستعملهم كعجلات غيار .

  • مواطن معكم
    الأربعاء 5 أكتوبر 2022 - 11:39

    السلام عليكم مولاي تهامي، مقالكم في المستوى و لو وصل إلى “فلاسفة” فرنسا لفهموا أننا فهمنا اللعبة، أنا شخصيا أعرف هذا الأمر و مقتنع به، سأختصر مقالك في جملة : فرنسا هي من وضعت قواعد اللعبة و لكنها عندما انهزمت صارت تتصرف مثل اللاعب السيء الذي لا يقبل هزيمته. إنها حرب الأفكار و القناعات و لم يعد فلاسفة الشهوة الآدمية يستطيعون إقناع بعض المسلمات بعرض أجسادهن عارية و لا إقناع بعض الشباب من احتساء “الخمر الجيّد” كما يحلو لهم أن يصفوا خمر السموم

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة