كشفت دراسة علمية مغربية عن سلالات من بكتيريا حمض اللاكتيك، معزولة من منتجات ألبان تقليدية محلية، أظهرت خصائص واعدة في اختبارات ترتبط بالبروبيوتيك والصحة والسلامة الغذائية، بعدما نجحت بعض العزلات في تحمل ظروف تحاكي الجهاز الهضمي، وسجلت نشاطا مضادا للأكسدة، إلى جانب قدرتها على تثبيط عدد من الجراثيم المرتبطة بالأغذية.
ونشرت مجلة “Applied Food Research” الدراسة مؤخرا، بمشاركة فريق بحثي ينتمي إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، وجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ومركز محمد السادس للبحث والابتكار، وجامعة محمد السادس للعلوم والصحة.
واعتمد البحث على 84 عزلة من بكتيريا حمض اللاكتيك تمثل 17 نوعا، جرى الحصول عليها من منتجات ألبان مغربية تقليدية تشمل الحليب الخام والجبن واللبن والرايب، بعد اختيارها من مجموعة أوسع ضمت 531 عزلة سبق إخضاعها لاختبارات أولية مرتبطة بخصائصها التكنولوجية وقدرتها على النمو في ظروف مختلفة.
84 عزلة تدخل سلسلة الاختبارات
أخضع الفريق العزلات المختارة لسلسلة واسعة من الاختبارات، بدأت بقياس قدرتها على تحمل الليزوزيم الموجود في اللعاب، ثم الحموضة والأملاح الصفراوية والفينول، وهي ظروف يستخدمها الباحثون لمحاكاة جزء من البيئة التي تواجهها البكتيريا أثناء مرورها عبر الجهاز الهضمي.
وشملت التجارب أيضا محاكاة مباشرة للظروف الهضمية، إلى جانب اختبار الخصائص المرتبطة بسطح الخلايا، مثل قدرة البكتيريا على التجمع الذاتي والتجمع مع كائنات دقيقة أخرى ومدى قابليتها للالتصاق، وهي خصائص تدخل في تقييم مدى قدرة السلالة المحتملة على البقاء والتفاعل داخل البيئة المعوية.
كما فحص الباحثون إنتاج إنزيم “بيتا غالاكتوزيداز”، المرتبط بتفكيك اللاكتوز، إضافة إلى النشاط المتصل بأملاح الصفراء والقدرة المضادة للأكسدة، قبل الانتقال إلى اختبارات السلامة المتعلقة بالتحلل الدموي وإنتاج الأمينات الحيوية والحساسية للمضادات الحيوية.
وأظهرت النتائج أن أكثر من نصف العزلات تمكنت من تحمل عدد من ظروف الإجهاد التي تعرضت لها، فيما وصل النشاط المضاد للأكسدة لدى أفضل السلالات إلى نحو 87 في المائة، وهو المستوى الأعلى الذي سجلته الاختبارات التي أجريت ضمن البحث.
وسجلت بعض العزلات أيضا نشاطا واضحا في إنتاج إنزيمات مرتبطة باستعمال اللاكتوز والتعامل مع أملاح الصفراء، ما جعل الفريق يجمع مختلف المؤشرات في عملية تقييم واحدة بدل الاعتماد على خاصية منفردة لتحديد أفضل السلالات.
واعتمدت الدراسة ما سمته “الإمكان البروبيوتيكي التراكمي”، وهو مؤشر يجمع نتائج عدد من الاختبارات الوظيفية واختبارات السلامة، بهدف ترتيب العزلات حسب أدائها الإجمالي وليس بحسب اختبار واحد فقط.
سلالتان تتصدران الترتيب
أظهرت النتائج أن سلالتي Lactiplantibacillus plantarum I104–11 وTn154–9 سجلتا أعلى نتيجة في المؤشر التراكمي، إذ بلغ تقييمهما 100 في المائة، ما جعلهما في صدارة السلالات التي خضعت للفحص.
وجاء هذا الترتيب بعد جمع نتائج المقاومة للحموضة والأملاح الصفراوية والليزوزيم والفينول، والقدرة على البقاء في ظروف الهضم المحاكية، إلى جانب الخصائص السطحية والنشاط المضاد للأكسدة وبعض المؤشرات المرتبطة بالصحة والسلامة.
وفي جانب السلامة، لم تسجل الدراسة نشاطا حالا للدم أو إنتاجا قابلا للكشف للأمينات الحيوية لدى العزلات التي اعتبرت أكثر وعدا، فيما أظهرت اختبارات الحساسية للمضادات الحيوية اختلافات بين السلالات، وهو ما دفع إلى تقييم كل عزلة بصورة منفردة.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في تقييم البكتيريا المرشحة للاستعمال الغذائي، لأن تسجيل خصائص وظيفية قوية وحده لا يكفي، إذ ينبغي التأكد أيضا من أن السلالة لا تحمل مؤشرات سلامة غير مرغوبة قبل التفكير في استخدامها لاحقا داخل أغذية وظيفية.
ولم تعتمد الدراسة على الأداء البروبيوتيكي وحده، إذ اختبر الفريق أيضا قدرة السلالات على مواجهة سبعة أنواع من البكتيريا المرتبطة بالأمراض أو تلوث الأغذية، من بينها Escherichia coli وStaphylococcus aureus وListeria monocytogenes وKlebsiella pneumoniae وSalmonella enterica وPseudomonas aeruginosa وBacillus cereus.
وبرزت السلالة Tn160–9 بوصفها من أوسع السلالات نشاطا، بعدما أظهرت تأثيرا ضد ستة من أصل سبعة أنواع خضعت للاختبار، فيما تمكنت سلالات أخرى، بينها I104–11 وTn154–9، من تثبيط عدد مهم من الكائنات المختبرة.
من الألبان التقليدية إلى البحث التطبيقي
تضع الدراسة هذه النتائج ضمن سياق أوسع يتعلق بالتنوع الميكروبي الموجود داخل المنتجات التقليدية المغربية، إذ ينظر الباحثون إلى الحليب واللبن والرايب والجبن المحلي باعتبارها مصادر محتملة لسلالات بكتيرية لم تخضع بعد للاستكشاف الكامل.
وتشير الورقة العلمية إلى أن المنتجات المخمرة التقليدية يمكن أن تحمل تنوعا من بكتيريا حمض اللاكتيك يختلف عن السلالات الصناعية الشائعة، بسبب طبيعة المادة الأولية وطريقة الإنتاج والتخمير والظروف المحلية التي تتكون فيها هذه المجتمعات الميكروبية.
ويؤكد البحث أن النتائج الحالية تظل في إطار الاختبارات المخبرية، إذ تقترح الدراسة الانتقال في المراحل اللاحقة إلى الفحص الجينومي الكامل من أجل التأكد بصورة أدق من السلامة وغياب عوامل الضراوة أو محددات المقاومة غير المرغوبة.
كما تضع التجارب داخل النماذج الحيوية واختبار أداء السلالات داخل أغذية فعلية ضمن الخطوات التالية، بما يشمل قدرتها على البقاء أثناء التصنيع والتخزين ومدى تأثيرها في خصائص المنتج الغذائي النهائي.
وتشير الدراسة كذلك إلى أهمية اختبار ثبات السلالة وفعاليتها بعد إدماجها في منتج حقيقي، لأن النجاح في الاختبارات المخبرية لا يعني تلقائيا القدرة على المحافظة على الأداء نفسه داخل الحليب أو الأغذية المخمرة خلال مدة الصلاحية.
ويظهر البحث أن الاهتمام بهذه السلالات لا يرتبط فقط بإمكان استخدامها لاحقا في منتجات غذائية، إذ قد تفتح خصائصها المضادة للجراثيم والأكسدة مجالات إضافية للدراسة ضمن الصناعات الغذائية أو التطبيقات الحيوية.
وتخلص النتائج إلى أن المنتجات التقليدية المغربية التي شملها البحث تحتوي على سلالات بكتيرية ذات خصائص تستحق مواصلة الدراسة، مع بروز عدد محدود من العزلات في مقدمتها I104–11 وTn154–9، بعدما جمعت بين أداء مرتفع في اختبارات المقاومة والخصائص الوظيفية ومؤشرات السلامة الأولية.
ويضع الفريق البحثي التسلسل الجينومي والتجارب الحيوية والتطبيق داخل منتجات غذائية فعلية في مقدمة المراحل اللاحقة، قبل الانتقال من وصف هذه السلالات بأنها واعدة مخبريا إلى تقييم إمكانية استخدامها فعليا في أغذية وظيفية أو منتجات بروبيوتيك محلية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.